مع سقوط الخليّة الثالثة لـ”الحزب” في الكويت، خلال 9 أيّام، سقَطَ معها أيّ حديث عن عمل أمنيّ معزول أو تجنيد لأشخاص في خلايا نائمة تستيقظ عند الطلب لتنفيذ مهمّة محدّدة، ليقفز إلى الواجهة سيناريو الثمانينيّات.
في ذلك الوقت، كان “الحزب” الحديث النشأة يعمل كـ”بندقيّة إيرانيّة” لزعزعة الاستقرار في الكويت، من خلال اغتيالات وهجمات على سفارات ومنشآت كويتيّة، ربطاً بالحرب العراقيّة – الإيرانيّة.
عملت الكويت هذه المرّة على وأد المخطّط في مهده، ونجحت في إحباط اغتيالات وهجمات رامَت نشر الفوضى في البلد الخليجيّ المُجاور للعراق وإيران والمملكة السعوديّة.
الكويت ما تزال، حتّى الآن، تفصل بين العراق “الدولة” والعراق “الساحة”، لكنّها لن تتسامح مع أذرع إيران التي تخطّط لضرب استقرارها، لأنّها مع الأردن من الدول الأكثر تأثّراً بأنشطة الميليشيات المتصاعدة في العراق
بعد كشف خليّتين في 16 و18 آذار الحاليّ، أعلنت الكويت قبيل منتصف ليل الأربعاء الماضي تفكيك خليّة ثالثة أكبر وأكثر خطورة منهما، تضمّ كويتيّين وغير كويتيّين (أشخاص مسحوبة جنسيّاتهم) وإيرانيّين ولبنانيّين، “كانت تخطّط لتنفيذ عمليّات اغتيال تستهدف رموز وقيادات الدولة، وتجنيد أشخاص للقيام بهذه المهامّ”.
الخليّة التي وصفها البيان الرسميّ بـ”الشبكة” و”نجح جهاز أمن الدولة في إحباط مخطّطها الإرهابيّ”، مرتبطة بـ”الحزب” (المحظور في الكويت والخليج)، وتضمّ 6 كويتيّين تمّ ضبطهم، أحدهم سُحبت جنسيّته في وقت سابق، إضافة إلى 14 هاربين هم 5 كويتيّين و5 سُحبت جنسيّاتهم، ومعهم إيرانيّان ولبنانيّان.
أعلنت وزارة الداخليّة الكويتيّة أنّ عناصر الشبكة أقرّوا بـ”التخابر والانضمام إلى التنظيم الإرهابيّ، واستعدادهم لتنفيذ ما يُسند إليهم من مهامّ تستهدف اغتيال رموز وقيادات الدولة والإضرار بالمصالح العليا للبلاد، وتلقّيهم تدريبات عسكريّة متقدّمة خارج البلاد على أيدي عناصر وقيادات التنظيم الإرهابيّ، شملت استخدام الأسلحة والمفرقعات، وأساليب المُراقبة، إضافة إلى مهارات الاغتيال”.
تفكيك الخيوط
بالمقارنة بين الخلايا الثلاث، يمكن تسجيل الملاحظات التالية لتفكيك خيوط المخطّط:
1 – تختلف الخلايا من حيث الحجم والتركيبة البشريّة، إذ تتكوّن الأولى من 16 شخصاً بينهم لبنانيّان، فيما تضمّ الثانية 10 كويتيّين، بينما تُعتبر الثالثة شبكة أكثر تشعّباً وضمّت موقوفين داخل الكويت ومتّهمين هاربين خارجها ومن جنسيّات متعدّدة.
2 – أفراد الخلايا الثلاث تلقّوا تدريبات عسكريّة متنوّعة خارج الكويت، شملت استخدام الأسلحة الناريّة والتعامل مع الطائرات المسيّرة، إضافة إلى أساليب المراقبة والرصد والتنسيق العمليّاتيّ، وهو ما يعكس مستوى من التنظيم والتأهيل يتجاوز الطابع الفرديّ أو حتّى العمل ضمن مجموعات، ويشير إلى عمل ممنهج ومخطّط شامل.
3 – تباينت المهامّ الموكلة إلى كلّ خليّة، إذ تمحورت مهمّة الأولى حول “نشر الفوضى والإخلال بالنظام العامّ”، فيما اضطلعت الثانية بدور استخباريّ قائم على “التخابر مع جهات خارجيّة وتزويدها بإحداثيّات مواقع مستهدفة”، بينما ارتفع مستوى الخطورة في الثالثة التي كان مخطّطها يشمل تنفيذ اغتيالات تستهدف رموزاً وقيادات في الدولة.
4 – كشفت التحقيقات عن اختلاف في البنية التنظيميّة لكلّ خليّة، فبينما بدت الأولى أقرب إلى خليّة تخريبيّة تعتمد على التجهيزات اللوجستيّة والأسلحة، اتّسمت الثانية بطابع معلوماتيّ – تنسيقيّ، في حين برزت الثالثة كتنظيم أكثر احترافيّة من حيث الامتداد الخارجيّ والتدريب المُتقدّم.
5 – أظهرت المضبوطات والاعترافات اعتماد الخلايا على وسائل اتّصال مشفّرة وأساليب تنسيق سرّيّة، إلى جانب امتلاك خرائط وإحداثيّات ومعدّات ميدانيّة، بما يعكس تخطيطاً متدرّجاً يستهدف الانتقال من مرحلة الإعداد إلى التنفيذ.
6 – في المقابل، تعكس عمليّات الضبط المتتالية تطوّراً موازياً في الجهد الأمنيّ والاستخباريّ، سواء من حيث الرصد المبكر أو إحباط المخطّطات قبل انتقالها إلى حيّز التنفيذ، الأمر الذي أحبط المخطّطات التخريبيّة وقلّل من تداعياتها المحتملة وحال دون وقوع مخاطر أكبر.
عملت الكويت هذه المرّة على وأد المخطّط في مهده، ونجحت في إحباط اغتيالات وهجمات رامَت نشر الفوضى في البلد الخليجيّ المُجاور للعراق وإيران والمملكة السعوديّة
3 أضلع
وفق تقويمات أمنيّة وسياسيّة، المخطّط الإيرانيّ الذي يستهدف الكويت ذو ثلاث أضلع:
1 – عسكريّاً: الاستهداف اليوميّ للمنشآت الحيويّة بالصواريخ والمُسيّرات، كحال غالبيّة باقي دول الخليج.
2 – أمنيّاً: تحريك الخلايا النائمة لنشر الفوضى وزعزعة الاستقرار، ضمن ما تضعه إيران في خانة “رفع الكلفة” على دول الخليج لدفعها إلى الضغط على إدارة ترامب لإنهاء الحرب.
3 – حدوديّاً: العمليّات التي تستهدف الكويت من الحدود العراقيّة، وخاصّة إطلاق المُسيّرات على مواقع حيويّة. هناك تقديرات أنّ هناك توزيع أدوار بين إيران ووكلائها، فهي تُرسل الصواريخ من أراضيها من الناحية الشرقيّة من جهة البحر وهم يستهدفون الكويت بالمُسيّرات من الناحية الشماليّة من العراق.
مواجهة الأذرع
سجّلت الكويت خطوتين في مواجهة الخطر المقبل من العراق:
- الأولى في بداية الحرب تمثّلت باستدعاء القائم بأعمال السفارة العراقيّة، وسلّمته مذكّرة احتجاج على “الاعتداءات التي شنّتها فصائل مسلّحة عراقيّة واستهدفت الأراضي الكويتيّة”.
- الثانية تمثّلت في البيان المشترك للكويت و5 دول (المملكة السعوديّة والإمارات والبحرين وقطر والأردن)، الذي دعت فيه “الحكومة العراقيّة إلى اتّخاذ الإجراءات اللازمة لوقف الهجمات التي تشنّها الفصائل، الميليشيات، والمجموعات المسلّحة من أراضي جمهوريّة العراق نحو دول جواره بشكلٍ فوريّ، وذلك حفاظاً على العلاقات الأخويّة، وتجنّباً للمزيد من التصعيد”.
إقرأ أيضاً: “عقيدة الفسيفساء”: استراتيجية إيران الجديدة؟
يؤكّد ذلك أنّ الكويت ما تزال، حتّى الآن، تفصل بين العراق “الدولة” والعراق “الساحة”، لكنّها لن تتسامح مع أذرع إيران التي تخطّط لضرب استقرارها، لأنّها مع الأردن من الدول الأكثر تأثّراً بأنشطة الميليشيات المتصاعدة في العراق، نظراً لكونهما ترتبطان بحدود طويلة مع بلاد الرافدين.
في الثمانينيّات، اعتبرت إيران أنّ الكويت طرف غير محايد في حربها ضدّ العراق وتصرّفت على هذا الأساس، فأسّس “الحزب” لحالة من العداء والارتياب مع الكويت ودول الخليج تستمرّ حتّى اليوم. في هذه الحرب أيضاً، استندت إيران إلى المُرتكزات نفسها، لكنّ المفاجأة أنّ “الحزب” الذي أصبح عمره حوالي 44 عاماً، تبيّن بالوقائع أنّه ما يزال “بندقيّة” إيرانيّة، ولم يبلغ سنّ الرشد، سواء في تعامله مع بيئته وبلده أو مع الدول الشقيقة مثل الكويت ودول الخليج.
