ميريام فارس على نتفلكس: الاعتداء على معاناة اللبنانيين

مدة القراءة 5 د

أطلقت ميريام فارس مادّة مصوّرة على “نتفلكس” تعرض فيها قصة حملها ومعاناتها مع الحجر الصّحيّ، إثر إصابتها بفيروس كورونا، بعنوان “غدّارة يا دنيا”.

حرصت على منح المادّة سمة التّوثيق، لكن المُشاهد يغرق، منذ الدّقائق الأولى، في مجموعة التباسات تجعل صعباً تحديد نوعية ما يشاهده.

ما يُعرض أمام المُشاهد الحائر ليس سوى مادّة هجينة ما هي إلّا تراكم بصريّ مصوّر وغير منتظم، يخلق مباشرة نوعاً من التّناقض الحادّ بين موضوعه المفترَض، الّذي يتعلّق بمعاناة النجمة في فترة حملها وحجرها، وبين واقع المعاناة الّذي يعرفه ويعيشه عموم اللّبنانيّين.

ليست المادّة المصوّرة سيرة شخصيّة، لأنّها لا تعرض مسار ميريام ورحلتها الفنيّة، ولا تتطرّق إلى مراحل نموّها الشّخصيّ والفنّيّ، ولا لمنهجها في الإطلالات المسرحيّة وخياراتها الغنائيّة وغير ذلك

لا يبدو في هذه الحالة من المبالغة بشيء القول إنّ ميريام فارس خلقت نموذجاً يصلح لها وللّذين في مستواها المادي، وإلى أن تكون نوعاً من “إنفلونسر المعاناة” للطّبقة المخمليّة وليس لكلّ المشاهدين.

ليس “غدّارة يا دنيا” فيلماً وثائقيّاً لأنّه يخالف أبسط قواعد التّوثيق، لا بل يناقضها. القاعدة الذهبية للعمل التّوثيقي تفترض الإضاءة على قضية تصلح للتّعميم أو فتح الباب أمام نظرة جديدة لمشكلة معقّدة. ما تقدّمه ميريام في الفيلم شديد الخصوصيّة وغير قابل للتّعميم بأيّ شكل من الأشكال.

من ناحية أخرى، ليست المادّة المصوّرة سيرة شخصيّة، لأنّها لا تعرض مسار ميريام ورحلتها الفنيّة، ولا تتطرّق إلى مراحل نموّها الشّخصيّ والفنّيّ، ولا لمنهجها في الإطلالات المسرحيّة وخياراتها الغنائيّة وغير ذلك.

أن تعاني على طريقة ميريام فارس يعني أن تكون معزولاً عن النّاس في قصر خاص مع مشرفتيْن منزليّتيْن ومسبح خاص، وأن تكون كل أدوات البذخ والرّفاهيّة متوافرة لك. يمكنك مواجهة الألم بأن تدخل إلى ناديك الخاصّ، حيث تمارس الرّياضة وتتوقّف عن التّفكير في شؤون العالم المضطربة، كما تفعل النّجمة وتقترح.

إنّ القلق، الّذي يُفترض أن تعاني منه أمٌّ في مرحلة متقدّمة من الحمل، لا يرتبط بإمكان العثور على سرير في مستشفى، وتوفير حاجات الطفل وحليبه وحفاضاته وما إلى ذلك. سبب الآلام خلال الحمل أنّ مجموعة الأزياء المختارة بعناية فائقة، والخيارات من خزانة الأحذية، لم تعد مناسبة. وبعد الولادة سيكون من الواجب القلق حول طريقة العناية المناسبة للطفل، ودرجة الحبّ والرّعاية الّتي يجب منحها له.

تتحدّث فارس دائماً بصوت هامس مقصود هو ليس صوتها الفعليّ وكأنّها تحاول إغواءنا. وترينا طريقة مواجهة المعاناة بتعلّم الطّبخ والبستنة، وتعرض لنا وصفات شهيّة وطرق متطوّرة للزّراعة

يظهر العالم الفعلي للمعاناة ممسوخاً في قصر ميريام فارس، ولعلّ المشكلة أنّه كان يمكن الاكتفاء بالسخرية منه والتّوقّف عند هذا الحدّ. الدّافع إلى تخصيصه بمقال هو أنّه يحمل في طيّاته اعتداءً صريحاً على معاناة اللّبنانيّين، ويدفعها خارج التّداول، وخصوصاً أنّه يُعرَض على “نتفلكس” بوصفه نموذجاً للمعاناة اللبنانيّة. لذا مَنْ يلتفت إلى المعاناة الضخمة للشعب اللبناني ما دامت النجمة تعاني؟

هنا لم يعد الأمر مزحة، بل يبدو نوعاً من الهجوم المنظّم على معاناة الناس وسيرتهم، وتركيب نظرة فانتازية عن أحوال البلد بشكل عام، من شأنها أن تحرم الناس سرد قصّتهم، خصوصاً أنّ النجمة تحرص في الكثير من مشاهد المادّة المصوّرة على التّأكيد أنّها من الناس، وأنّها تمثّلهم.

لكن ما يفضح القصديّة المتعالية للمادّة ويُبرِز خداعها أنّها، على طول مدّتها الّتي تبلغ حوالي 70 دقيقة، تمنع المشاهد من رؤية وجه داني زوجها وابنها البكر جايدن، وكل اللّقطات تكشف عن ظهرهما وحسب.

ربّما من دون انتباه منحتنا النّجمة مادّة غنيّة للتّحليل. رمزيّة المعاناة الزّائفة، الّتي أتحفتنا بها، تجد في هذا الخيار بعدها التّفسيريّ. معاناة النّجمة تدير ظهرها في وجه معاناة الناس، كما يدير زوجها وطفلها ظهرهما للكاميرا وللعالم الّذي تسكنه معاناة لا يعرفان عنها شيئا.

تتحدّث فارس دائماً بصوت هامس مقصود هو ليس صوتها الفعليّ وكأنّها تحاول إغواءنا. وترينا طريقة مواجهة المعاناة بتعلّم الطّبخ والبستنة، وتعرض لنا وصفات شهيّة وطرق متطوّرة للزّراعة.

تلعب دور المعالج النّفسي والنّاصح، ولكنّ الحقيقة أنّنا لا نعرف إلى مَنْ تتحدّث. المواد، الّتي تستعملها في طبخ اللازانيا والحلوى بالشوكولا، ليست في متناول الغالبيّة العظمى من اللّبنانيّين، والمساحة الضخمة، التي تقترح أن نزرعها قرب بيوتنا، ليست موجودة سوى عند طبقتها، والنباتات، التي تُغرينا بشرائها، يتجاوز سعر الواحدة منها الحدّ الأدنى للأجور.

وفي النهاية، وبعد سلسلة المعاناة الطّويلة والسّباحة وإعداد الطعام الباذخ والحَجْر في القصر، تلد النّجمة طفلها في المستشفى وسط مجموعة من الأطباء، ويرى النّور وسط الحب والعناية والاهتمام.

ثمّ ينتقل إلى القصر ليكون شاهداً على بلوغ طريق المعاناة نهايته السّعيدة والمبشّرة بالأفراح، والّتي تقرّر إثرها النّجمة إهداء المشاهدين كليب “غدّارة يا دنيا”. وهو الكليب الأوّل من مجموعة الكليبات، الّتي ستصدر تباعاً في ألبوم يختصر تجربة المعاناة، ويعبّر عن الصّلابة في مواجهتها والانتصار عليها.

إقرأ أيضاً: أوسكار “الهديّة”: الطفلة الفلسطينية تنتصر بـ”البافتا” على الاحتلال

المفارقة أنّ الكليب، الّذي يُفترض أنّه يصوّر المعاناة، يعرض ميريام وهي تؤدّي رقصة مع عارض ممشوق القوام، بشكل لا يبدو منسجماً مع مفهوم غدر الدنيا الّذي يُفترض أنّ مضمون الأغنية يعبّر عنه.

لا نفهم أين يقع غدر الدنيا إلّا إذا نسبناه إلى مفهوم المعاناة الإنفلونسريّة، الّتي تفترض سياقاً خاصّاً للألم لا يفهمه عموم اللّبنانيّين.

الألم في عالم ميريام فارس الموازي لعالمنا والمناقض له يحدث لأسباب لا نفهمها من قَبيل أنّ العارض في الكليب كان أقلّ وسامة من اللّازم، أو أنّ النّجمة لم تصل إلى الوزن المثالي، أو أنّ مادّتها المصوّرة لم تحقّق حتى الآن سوى مليون مشاهدة.

مواضيع ذات صلة

برّي يدفن الفتنة في عين التينة

تكرّر تحذير الرئيس نبيه برّي من الحرب الأهليّة. ويرجع ذلك إلى تكاثف التحدّيات على الطائفة الشيعيّة وعلى لبنان. وآخر تلك التحدّيات الاتّفاق الذي انعقد بواشنطن…

لبنان يستظلّ أميركا والسعودية لرفض الاحتلالَين

تختصر حرب اللافتات التي شهدتها بيروت واقع الحال. حين نشر “الحزب” لافتات “شكراً إيران” على صورة لعليّ ومجتبى خامنئي على طريق مطار بيروت، ترجم خياره…

دفاعاً عن البند الـ13 في اتّفاقيّة واشنطن

“إطار واشنطن” الذي وقّعه كلّ من لبنان وإسرائيل والولايات المتّحدة، يعدّ الاتّفاق الأشجع الذي تذهب إليه الدولة اللبنانيّة، عبر سلطة سياسيّة ذات تمثيل شعبيّ وبرلمانيّ…

لبنان بين توقيع واشنطن وحسابات طهران

في اليوم الذي كانت فيه السفيرة اللبنانيّة ندى حمادة معوّض والسفير الإسرائيليّ يحيئيل ليتر يوقّعان في وزارة الخارجيّة الأميركيّة في واشنطن ما سُمّي “إطاراً لسلامٍ…