البطريرك ليس طرفًا كي ندعوه إلى الحوار

مدة القراءة 4 د

“لقد قلنا ما قلناه”، هي معادلة أرساها البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير. ليس على كلامه وحسب، وهو سيّد الكلام في حينه، بل عن كل كلام أو موقف يصدر عن الصرح البطريركي أو عن أيّ بطريرك في أيّ زمان.

لا يصدر عن بكركي وسيّدها مسائل وقضايا للنقاش، ولا من عادتها أن تدخل في جدال الكلام، بل هي ومنذ نشأتها تُصدر أحكامًا وطنية على شكل مواعظ. وتفسير الموعظة أنّها نهيٌ وتحذيرٌ من الوقوع في الحرام. ليس بالضرورة أن تكون تلك الأحكام مبرمةً وفقًا للقوانين المرعيّة الإجراء. بل هي أحكام مبرمة وفقًا للحقيقة ومعها إجماع الناس.

ما قاله البطريرك بشارة الراعي من شبّاك الصرح البطريركي مخاطبًا المحتشدين في الساحة يوم السبت الفائت، لم يكن طرحًا قابلًا للنقاش أو للحوار. بل هو خلاصة قناعات توصّل إليها سيّد الصرح بعدما سُدّت كلّ الأبواب، وفقد الناس الأمل في أن تَخرُج المنظومة السياسية من المأزق الذي يُثقل كاهل الناس، ولم نشهد مثله عبر كل العهود. ما قاله الراعي هو بمثابة عظة وطنية لا تحتمل أيّ جدال.

فالعظة يُنصت لها، ويُستجاب لها لأنها الفيصل من الوقوع في براثن الشيطان.

لا يصدر عن بكركي وسيّدها مسائل وقضايا للنقاش، ولا من عادتها أن تدخل في جدال الكلام، بل هي ومنذ نشأتها تُصدر أحكامًا وطنية على شكل مواعظ

كلّ الردود والانتقادات من أقلام معروفة الانتماء والتبعيّة، ومن ذباب إلكتروني يُحرّك بالريموت كونترول، لن تغيّر شيئًا مما قاله البطريرك في ذاك اليوم المشهود. حتّى البطريرك نفسه لو أراد أن يغيّر ما قيل فلن يستطيع، هذا عُرف البطريركية وواقعها.

لقد قال البطريرك الراعي ما قاله قبله البطريرك الياس حويك عام 1920، وتمامًا أيضًا ما قاله قبله البطريرك مار نصر الله بطرس صفير عام 2005 عندما أجمع اللبنانيون على ضرورة تحرير الوطن والناس، وبينها البطريرك عريضة الذي أعلن استقلال لبنان في العام 1943.

.. “لقد قلنا ما قلناه”، جملة البطريرك صفير هي الردّ على كلّ ما سيقال وما قيل. الرسالة وصلت إلى العالم، وإلى من يجب أن يصغي ويعنيه ما وصل إليه لبنان من وضع خطير.

لقد قال البطريرك الراعي ما قاله قبله البطريرك الياس حويك عام 1920، وتمامًا أيضًا ما قاله قبله البطريرك مار نصر الله بطرس صفير عام 2005 عندما أجمع اللبنانيون على ضرورة تحرير الوطن والناس، وبينها البطريرك عريضة الذي أعلن استقلال لبنان في العام 1943

كلام البطريرك الراعي ليس دعوة إلى الحوار كما وصفها البعض، أو دعوة إلى الحرب كما أراد البعض أن يفسرها، إنّما هو محضر خلاصات وتوجيهات لكلّ المقصّرين كي ينصتوا إلى الحكم الصادر عن الناس، بأنّ ما يحصل لا يمكنه أن يستمرّ وقتًا طويلًا. وهي دعوة إلى الانضواء تحت الدستور وإلى العودة لاتفاق الطائف والميثاق.

عظة البطريرك الوطنية لا تحتمل أيّ حوار، فهو ليس طرفًا كي ندعوه إلى الحوار، ولم يكن يومًا كذلك. فتوصيفه قد كُتب منذ نشأة لبنان، وما على الجميع إلا أن يقرأ ما كُتب على بابه أنّه أعطي وحده دون غيره “مجدَ لبنان”.

إقرأ أيضاً: كلام البطريرك… بطريرك الكلام

لا حوار حول وجود الدويلة داخل الدولة، ولا حوار حول تحرير الدولة من براثن الهيمنة والفساد، ولا حوار مع الميليشيات ولا مع المافيا، ولا يستوي الكلام إن كان نقاشًا حول العيش بكرامة أو العيش بذلّ وهوان.

سيّد بكركي لم يتحدّث في السياسة وما تدخّل بها، فهو مؤمن بفصل الدين عن الدولة، وما كان له أن يطلق عظته وموقفه لو كان بين السياسيين من صدق القول وأجاد العمل، ولم يكن متخاذلًا على مرّ الأيام. كلام البطريرك خريطة طريق غير قابلة للنقاش. هي وصفة طبيب لمريض مهمته فقط أن يتناول الدواء وأنّ يدعو الله أن يكون فيه الشفاء.

مواضيع ذات صلة

لبنان… ومدرسة حافظ الأسد

الأرقام تتكلّم. الأرقام صادقة لا تخطئ. نحو 400 ألف نازح عادوا إلى الجنوب بعد أقلّ من 24 ساعة على توقيع الاتّفاق الإطار اللبنانيّ الإسرائيليّ في…

إسرائيل تختبر قواعد اشتباك جديدة في سوريا؟

أظهرت أحداث قرية عابدين بريف درعا الغربيّ انتقال النشاط الإسرائيليّ من الاقتراب الدوريّ من القرى إلى محاولة التحكّم بالطرق والمواقع المرتفعة في حوض اليرموك. فقد…

إيران – أميركا: أول الغيث 300 طائرة بوينغ لإيران

صفقة شراء إيران أكثر من 300 طائرة بوينغ أميركيّة حديثة الطراز، مع برامج تدريب للطيّارين وتعاون تقنيّ طويل الأمد، ليست عقداً تجاريّاً عابراً وحسب، بل…

الاتفاق الإطاري: ضعف التهدئة وتحديات التنفيذ (2/2)

يستعرض الجزء الثاني واقع التأييد الإسرائيلي لبقاء قوات الدولة العبرية في جنوب لبنان وتأثيره على فرص تنفيذ الاتفاق الإطاري، حيث يظهر استطلاع أن 73% من…