هندسة “الدولة الصّلبة”: هل ينجح انقلاب الزّيديّ؟

مدة القراءة 8 د

لا يمكن قراءة التغييرات الهيكليّة الجسيمة التي أجراها رئيس الوزراء العراقيّ عليّ الزيديّ في بنية الدولة ومراكز ثقلها السياديّ، بمعزل عن “المعادلة الإقليميّة” التي تتشكّل من جديد في الشرق الأوسط، ولا بمعزل عن معركة “تفكيك الدولة الموازية” في بلاد الرافدين. العراق، الذي دائماً ما تمترس في خندق “الاستيعاب السلبيّ” للأزمات وارتدادات الصراعات الدوليّة، يبدو اليوم وكأنّه يغادر هذه المنطقة الرماديّة ليدخل بقرار مركزيّ في مرحلة “التكيّف الاستراتيجيّ الاستباقيّ”.

 

إنّ الإطاحة المتزامنة بأسماء وازنة في العراق كانت تشغل مفاصل الأمن القوميّ، المصرف المركزيّ، جهاز الأمن الوطنيّ، وهيئة الاستثمار ليست تعديلات إداريّة أو مناورة لامتصاص غضب الشارع فقط، بل هي “جراحة قيصريّة” لانتزاع الدولة من مخالب المحاصصة وضبط “بوصلتها السياديّة” في بحر إقليميّ هائج.

لا تنفصل هذه التغييرات عن الإعداد لزيارة عليّ الزيديّ للولايات المتّحدة المرتقبة في شهر تمّوز المقبل، بحسب ما يذكر مصدر عراقيّ لـ”أساس”. إذ يريد الزيدي أن يذهب بـ”عُدّة عمل” جديدة إلى البيت الأبيض، تناسب المرحلة من جهة، ومن جهة أخرى تعطي انطباعاً بأنّ بغداد تسعى إلى إعادة بناء الثقة المفقودة مع المجتمع الدوليّ أمنيّاً وماليّاً.

الإطاحة المتزامنة بأسماء وازنة في العراق كانت تشغل مفاصل الأمن القوميّ، المصرف المركزيّ، جهاز الأمن الوطنيّ، وهيئة الاستثمار ليست تعديلات إداريّة أو مناورة لامتصاص غضب الشارع فقط

تحطيم “الفيتو الحزبيّ” وتفكيك “شبكات النّفوذ

قبل العبور إلى ما وراء الحدود، يكمن الزلزال الحقيقيّ في الداخل العراقيّ. تمثّل هذه التغييرات إعلاناً صريحاً ومباغتاً بانتهاء صلاحيّة “عقيدة الترضية” و”المحاصصة المكوّناتيّة” التي حكمت بغداد منذ الإطاحة بصدّام حسين في 2003 تحت مسمّى “التوافقيّة”.

حين يطيح الزيدي برموز مدعومة من قوى “الإطار التنسيقيّ” والفعاليات السياسيّة الشيعيّة والسنّيّة التقليديّة، يخوض مغامرة سياسيّة وجوديّة بكلفة عالية. إذ لا يستبدل موظّفين تكنوقراط، بل يقوّض شبكات نفوذ ماليّ وأمنيّ متجذّرة كانت ترى في هذه المناصب حصصاً حصريّة لا يمكن المساس بها.

كانت الرسالة السياسيّة الداخليّة هنا حاسمة وصادمة: “شرعيّة الإنجاز وبناء الدولة تتقدّم على شرعيّة الولاء والترضية الحزبيّة”. رهان يضع السلطة التنفيذيّة في مواجهة مباشرة مع قوى “الدولة العميقة” وقوى السلاح التي اعتادت قضم مفاصل الدولة، ويؤسّس لمفهوم جديد لمركزيّة القرار يرفض الخضوع لـ”الفيتو الحزبيّ” المسبق.

إعادة صياغة “العقيدة الأمنيّة”

إنّ القراءة الجيوسياسيّة المتعمّقة تفيد بأنّ صانع القرار في بغداد قد استوعب الدرس الإقليميّ القاسي: الدولة التي تفتقر إلى السيطرة المركزيّة الصارمة على أجهزتها الصلبة تتحوّل تلقائيّاً إلى “صندوق بريد” لتبادل الرسائل الدامية بين المحاور المتصارعة. فقد فرضت التحوّلات المتسارعة في التوازنات بين طهران وواشنطن، والارتباك الميدانيّ والسياسيّ المحيط بالعراق، وضغوط الأمن الحدوديّ والمائيّ، على العراق أن يتصرّف كـ”قوّة استقرار” تمتلك زمام المبادرة، لا كـ”ساحة لتصفية الحسابات”.

من هذا المنطلق، يمثّل تعيين قاسم العبودي بدلاً من قاسم الأعرجي، الذي عُيّن مستشاراً أمنيّاً خاصّاً لرئيس الوزراء، على رأس مستشاريّة الأمن القوميّ، محاولة جادّة لصياغة “عقيدة أمنيّة جديدة” تغادر عقليّة التوازنات السياسيّة المحصّنة إلى عقليّة التنسيق الاستراتيجيّ المحترف القائم على قراءة التهديدات غير التقليديّة (كالطائرات المسيّرة، الأمن السيبرانيّ، واختراق الحدود).

يسعى العراق اليوم إلى أن يكون طرفاً في “صناعة الأمن الإقليميّ” وجزءاً من طاولة الحلول. وهذا يتطلّب طاقماً أمنيّاً يمتلك قدرة عالية على التنسيق مع الأطراف الإقليميّة والدوليّة الفاعلة من موقع “الندّ السياديّ”، من دون الوقوع في فخّ الاستقطاب أو التبعيّة لأيّ محور.

تجفيف “النّوافذ الرّماديّة” وحصانة الدّينار

تبدو المعركة على مستوى الجبهة الاقتصاديّة أكثر شراسة وتعقيداً. إذ يعكس إجراء إزاحة محافظ البنك المركزيّ علي العلاق وتكليف نزار ناصر العامري، بالتزامن مع إقالة رئيس هيئة الاستثمار حيدر مكيّة، إدراكاً حكوميّاً عميقاً لكون “المال والاستثمار” قد تحوّلا إلى أدوات لتهديد الأمن القوميّ العراقيّ وربطه بأجندات خارجيّة.

لقد استُنزفت العملة الصعبة في العراق لسنوات طويلة عبر “نوافذ رماديّة” لتهريب الدولار وغسل الأموال لتمويل صراعات إقليميّة بالوكالة أو الالتفاف على العقوبات الدوليّة، وهو ما جعل الاقتصاد العراقيّ بأكمله رهينة للمقصلة الماليّة والخزانة الأميركيّة.

تكليف نزار ناصر العامري، بخلفيّته التخصّصيّة الصارمة في مكافحة غسل الأموال وإعادة ترتيب بيت الاستثمار، هو بمنزلة إعلان “حرب استقلال اقتصاديّ”.

يحاول العراق هنا إرسال إشارات طمأنة واضحة إلى المجتمع الماليّ الدوليّ إلى أنّه شريك موثوق يلتزم المعايير العالميّة، وليس “خاصرة رخوة” و”مرتعاً” لتمرير وغسل الأموال المشبوهة. إنّ الحصانة الاقتصاديّة وإصلاح المنظومة المصرفيّة هما الركيزتان الأساسيّتان اللتان بدونهما لا يمكن حماية القرار السياسيّ العراقيّ من الابتزاز أو الضغوط الخارجيّة.

 لن يكون الاختبار الحقيقيّ في إصدار قرارات الإقالة والتعيين، بل في قدرة الحكومة على حماية خياراتها الجديدة من محاولات الاحتواء أو التعطيل أو إعادة إنتاج منظومة النفوذ السابقة بأسماء مختلفة

في السياق التكامليّ نفسه، يأتي تغيير قيادة جهاز الأمن الوطنيّ وإيكالها إلى باسم محمّد البدري. كانت الاختراقات الأمنيّة ومحاولات الاغتيال وأنشطة الجريمة المنظّمة، التي شهدتها بغداد وبعض المحافظات في الأشهر الأخيرة، بمنزلة مؤشّرات حمر إلى أنّ “الأمن الداخليّ” تعرّض للترهّل نتيجة تداخل الصلاحيّات والولاءات الفرعيّة العابرة للحدود.

الربط هنا جوهريّ وعضويّ. إذا أراد الزيدي أن ينجح في العراق ويحوّله إلى وسيط إقليميّ مقبول وموثوق (كما ظهر في محاولته السابقة لتقريب وجهات النظر والوساطة بين الرياض وطهران)، فعليه أوّلاً وقبل أيّ شيء آخر أن يملك جبهة داخليّة صلبة وجهازاً استخباريّاً محترفاً ينتمي إلى “الدولة” حصراً. إنّ الجهاز اليوم أمام مسؤوليّة تاريخيّة لتفكيك عقليّة “الصندوق الأسود” للأحزاب والميليشيات، وحصر السلاح والقرار الاستخباريّ بيد رئيس الوزراء، أي القائد العامّ للقوّات المسلّحة.

السّبيل الوحيد لإنقاذ الدّولة

غير أنّ الطريق إلى هذا التحوّل البنيويّ لن يكون معبّداً بالقرارات الإداريّة وحدها. فالقوى التي راكمت نفوذها داخل مفاصل الدولة العراقيّة طوال العقدين الماضيين لا تنظر إلى هذه التغييرات بوصفها إعادة تنظيم مؤسّسيّة، بل باعتبارها تهديداً مباشراً لمصالحها السياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة.

من هنا، لن يكون الاختبار الحقيقيّ في إصدار قرارات الإقالة والتعيين، بل في قدرة الحكومة على حماية خياراتها الجديدة من محاولات الاحتواء أو التعطيل أو إعادة إنتاج منظومة النفوذ السابقة بأسماء مختلفة. أثبت التاريخ السياسيّ العراقيّ مراراً أنّ معارك بناء الدولة لا تُحسم عند أبواب المؤسّسات، بل تبدأ فعليّاً من داخلها.

إقرأ أيضاً: الضاحية – سويسرا: مساران للحظة إقليميّة واحدة

إنّ ما يُقدم عليه عليّ الزيديّ عبر “هذه الحزمة الاستراتيجيّة” يمثّل محاولة تاريخيّة لإعادة تعريف “الهويّة السياسيّة والسياديّة” للعراق في المنطقة. وبدلاً من أن يكون العراق ملعباً مستباحاً، يسعى إلى أن يكون لاعباً محايداً بإرادة صلبة وبنية مؤسّساتيّة صلبة لا تتأثّر بالهزّات الارتداديّة للصراعات الإقليميّة. ويتطلّب التوجّه المتوازن نحو تعزيز الشراكة مع واشنطن، والانفتاح على المحيط العربيّ، والحفاظ على علاقات الجوار مع إيران وتركيا وسوريا وفق مبدأ “الندّ للندّ”، واجهات مؤسّساتيّة نظيفة، كفوءة، ومحترفة تتحدّث لغة الدولة لا لغة الفصيل.

نقف بلا شكّ أمام لحظة فاصلة في تاريخ العراق الحديث. فإمّا أن تتحوّل هذه التغييرات الجراحيّة الجريئة إلى حجر زاوية متين في بناء “الدولة المقتدرة” التي تقف على قدميها في قلب الشرق الأوسط. وإمّا أن تنجح قوى الأمر الواقع والموازين التقليديّة في الالتفاف عليها وإفراغها من محتواها السياديّ. ليس النجاح هنا مضموناً مئة في المئة، والبدلاء الجدد يخوضون حقل ألغام سياسيّاً وأمنيّاً حقيقيّاً، لكنّه يبقى السبيل الوحيد لإنقاذ مفهوم “الدولة” في ظلّ عواصف إقليميّة ومحليّة عاتية لا ترحم الكيانات الضعيفة أو القيادات المتردّدة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@IbrahimRihan2

مواضيع ذات صلة

حصار أميركيّ – إيرانيّ على إسرائيل!

للمرّة الأولى منذ بدء “حياكة” البنود التفصيليّة للاتّفاق الأميركيّ-الإيرانيّ، ثمّ الإعلان الرسميّ لدخوله حيّز التنفيذ يوم الجمعة الماضي بعد توقيع الرئيسين دونالد ترامب ومسعود بزشكيان…

لبنان بين إيران وإسرائيل: لا وقف لإطلاق النار

لم يكن تفصيلاً أن يتحوّل لبنان فجأة إلى إحدى العقد الأساسيّة في المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة الجارية. فبحسب ما نقلته مصادر متابعة للمسار التفاوضيّ، برز…

ثلاثاء واشنطن: ترتيبات أمنيّة تحت النّار؟

أعاد تأجيل المحادثات الأميركيّة-الإيرانيّة أمس في سويسرا خلط الأوراق دوليّاً وإقليميّاً، وقد يعرّض جولة التفاوض الخامسة في واشنطن بين وفدَي لبنان وإسرائيل لمزيد من الضغوط…

أنقرة تطمئن بيروت: الشرع لن يدخل لبنان

لم تكن زيارة نائب رئيس الحكومة طارق متري لتركيا تفصيلاً عابراً في روزنامة العلاقات اللبنانيّة ـ التركيّة. فبعد غياب شبه كامل للتواصل منذ تشكيل الحكومة،…