يبدو الصراع بين إسرائيل وإيران في ظاهره مواجهة سياسيّة وعسكريّة على النفوذ والأمن والمصالح، لكنّه يحمل في عمقه بعداً عقائديّاً ورمزيّاً يجعل منه أشبه بصراع الآلهة في الشرق الأوسط الحديث. فالدولة العبريّة تستند إلى رواية توراتيّة ترى في أرض إسرائيل محوراً للوعد الإلهيّ، فيما تستند الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة إلى عقيدة ولاية الفقيه التي تعتبر نفسها حامية للمستضعَفين وقائدة لمحور “المقاومة” في مواجهة إسرائيل والغرب.
تاريخيّاً، لم تكن العلاقة بين اليهود والفرس علاقة عداء. فالتوراة تنظر بإيجابيّة إلى الملك الفارسيّ كورش الكبير الذي سمح لليهود بالعودة من السبي البابليّ وإعادة بناء الهيكل في أورشليم. وعلى مدى قرون طويلة، عاش اليهود في بلاد فارس في ظلّ ظروف أفضل من تلك التي عرفوها في أماكن أخرى كثيرة. لكنّ هذه العلاقة التاريخيّة تصدّعت جذريّاً بعد الثورة الإسلاميّة عام 1979، مع صعود ولاية الفقيه وتأسيس الحرس الثوريّ الذي جعل من مواجهة إسرائيل عبر الروافد الشيعيّة في شرق المتوسّط، ركناً أساسيّاً في استراتيجيته الإقليميّة.
على الرغم من محاولات الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب تثبيت وقف إطلاق النار واحتواء التصعيد عبر الحديث المتكرّر عن صفقات وتسويات مرتقبة، تبدو جذور النزاع أعمق من أن تعالجها الوعود اليوميّة. فالصراع لم يعد خلاف حدود أو مصالح، بل أصبح مواجهة بين مشروعين متناقضين ورؤيتين متصارعتين للمنطقة.
لهذا تبدو الحرب مؤجّلة أكثر ممّا هي منتهية. وقد تنجح الدبلوماسيّة في تهدئة الجبهات لبعض الوقت، لكنّ أسباب الانفجار ما تزال قائمة، وهو ما يجعل عودة المواجهة احتمالاً قائماً كلّما تعثّرت السياسة أو تبدّلت موازين القوى.

في قلب المواجهة يبقى مضيق هرمز، الشريان الحيويّ لتجارة الطاقة العالميّة. فكلّ تهديد بإغلاقه لا يشكّل حصاراً على خصوم إيران فحسب، بل يفتح الباب أمام “حصار الحصار”، فتتحوّل الضغوط الاقتصاديّة والعسكريّة المتبادلة إلى خطر يهدّد الاقتصاد العالميّ بأسره.
يبدو الصراع بين إسرائيل وإيران في ظاهره مواجهة سياسيّة وعسكريّة على النفوذ والأمن والمصالح، لكنّه يحمل في عمقه بعداً عقائديّاً ورمزيّاً
إيران بعد المرشد
لا تبدو التحدّيات في الداخل الإيرانيّ أقلّ خطورة من المواجهات الخارجيّة. فغياب المرشد علي خامنئي أو الانتقال إلى مرحلة ما بعده فتح الباب أمام صراع مكتوم بين مراكز النفوذ المتعدّدة داخل النظام، من المؤسّسة الدينيّة إلى الحرس الثوريّ والتيّارات السياسيّة المتنافسة. ومع غياب شخصيّة جامعة تمتلك الكلمة الفصل، قد تتفاقم المنافسة على السلطة وتتّسع الهوّة بين الأجنحة المختلفة.
تواجه إيران اقتصاديّاً ضغوطاً هائلة نتيجة العقوبات المزمنة، تراجع الاستثمارات، وارتفاع معدّلات التضخّم والبطالة، إضافة إلى تآكل القدرة الشرائيّة للطبقة الوسطى. وتزداد المخاوف من أن يتحوّل التدهور الاقتصاديّ إلى أزمة اجتماعيّة واسعة، وخصوصاً بين فئة الشباب التي تشكّل النسبة الكبرى من السكّان.
إقرأ أيضاً: ترامب يُفكّك الدّولة العميقة: الولاء قبل الكفاءة؟
في حال تزامن التوتّر السياسيّ الداخليّ مع استمرار الضغوط الخارجيّة، سيجد النظام نفسه أمام اختبار تاريخيّ صعب: كيف يحافظ على تماسكه الداخليّ فيما تتراجع موارده وتتزايد مطالب المجتمع؟
عندئذٍ قد لا يصبح التحدّي الأكبر لإيران في مواجهة خصومها خارج الحدود، بل في إدارة التوازنات الدقيقة داخلها ومنع انتقال الأزمة من السياسة والاقتصاد… إلى الشارع!
