بنيامين نتنياهو: “السّاحر الشرير” الذي يلتهم خرائطه

مدة القراءة 8 د

​جلسَ الرّجلُ في مكتبِه المُحصّن في القدس. نظرَ إلى السّاعة، ثمّ إلى الخرائط المُمزّقة المُمدّدة أمامه كجُثثٍ جغرافيّة؛ خارطة لغزة أصدر أوامره للتو بسحقها والسيطرة على 70% من مساحتها، وأخرى لجنوب لبنان ترسم مسارات دبّاباته وهي تتوغل متجاوزةً مياه الليطاني، وثالثة تترقب مواجهة كاسرة مع “رأس الأخطبوط” في طهران. لم يكُن بنيامين نتنياهو يوماً رجلاً يبحثُ عن السّلام بقدرِ ما كان يبحثُ عن “النّجاة”. تفوح في غرفتِهِ رائحةُ الحبر والدّم والبارود، وتتداخل أصوات مُستشاريه بأصوات “اليرقات السّياسيّة” التي تُحاول قضمَ أطراف ثوبه في “الكنيست” المُهدّد بالانفجار.

دائماً ما آمن “بي بي” بأنّه ليسَ مُجرّد رئيس وزراءٍ عابرٍ في تاريخ الدّولةِ العبريّة، بل هو “الملك” الذي عليه أن يحميَ الهيكلَ من السّقوط. لكنّه في واقعِ الأمر، كانَ “السّاحر الشرير” الذي يُتقنُ إشعال الحرائق في الغرف المُجاورة ليُنسي الحاضرين الحريق الذي يلتهمُ معطفه.

 

استيقظَ السّاحر الشرير فجر السّابع من أكتوبر 2023 على كابوس آتٍ من قطاع غزّة لم تحسب له أجهزته الذّكيّة حساباً. تهاوت نظريّة “الجدار الآمن”، وتبخّرت أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر” في ساعات معدودات. كانَ يُمكن لأيّ سيّاسيّ آخر أن ينحني أمام العاصفةِ وأن يُلملِمَ خيباته ويمضي إلى بيتهِ، أو إلى المحكمة التي تنتظرهُ بملفّاتها الثّقيلة. لكنّ نتنياهو الذي ورثَ من أبيهِ المؤرّخ بن صهيون نتنياهو عقيدة “المظلوميّة اليهوديّة الأزليّة”، قرّر أن يُحوّل الهزيمة الوجوديّة إلى حربٍ عالميّة مُصغّرة لا تبدو نهايتها في الأفق.

صعدَ إلى المنبر بعينيْن حادّتيْن وصوتٍ جهوريّ صقلته استديوهات الإعلام الأميركيّ، ليُعلنَ أنّه “داوود” الذي سيقطع رأس “جالوت” الإقليمي.

تجلّى نتنياهو، في الأيّام الأخيرة،  في صورتِهِ الأكثر دقّة وخطورةً، مُستنداً إلى زخمِ “حرب لبنان 2026” التي اندلعَت لتستكملَ من حيثُ توقّفت في 2024

الهروب الأوّل إلى ضفاف الليطاني

توالت الفصول وامتدّت الشّهور. تحوّلت غزّة إلى رُكامٍ، وتكوّمت جثثُ الأطفال تحتَ الأنقاضِ، واهتزّت عواصم الغرب بصراخ الضّحايا والمُحتجّين، وظلّت محكمتا “العدل الدّوليّة” والجنائيّة الدّوليّة” تُلوّحان بمُذكرات الاعتقال. لكنّ السّاحر الشرير كانَ ينظرُ إلى مكانٍ آخر: إلى استطلاعات الرّأيّ، وإلى شريكيْه من اليمين المُتطرّف، إيتامار بن غفير وبتسلئيل سموترتيش، اللذين يُمسكان بخناق ائتلافه الحكوميّ. بالنّسبةِ لنتنياهو، الحرب هي الأوكسجين، والتّفاوض هو السُّمُ الزعاف.

حين خمدَت نيران غزّة قليلاً، نقلَ نتنياهو كرات اللهبِ إلى الجبهةِ الشّماليّة مع لبنان. اتّخذَ في أيلول 2024 قراره الكبير بتفجير جبهة جنوب لبنان. كانت “حرب الـ66 يوماً المحاولة الأولى من نتنياهو لكسر قواعد الاشتباكِ التّاريخيّة، حيث أمطرت طائراته الضّاحية الجنوبيّة لبيروت وقرى الجنوب بوابل غير مسبوقٍ من النّيران. واغتالَ قادة الصّفّ الأوّل للحزبِ، ظنّاً منهُ أنّ تدمير البنية التحتيّة وتهجير مئات آلاف اللبنانيين سيُعيد المستوطنين إلى الجليل ويمنحهُ “صكّ الغفران” الدّاخليّ. لكنّ الميدان وإن منحهُ الإنجاز، لكنّه لم يمنحه نصراً مُطلقاً، بل تحوّل إلى استنزافٍ مفتوحٍ، فقرّر السّاحر توسيع رقعة المُقامر نحوَ “رأس الأخطبوط”. فالتّاريخ لا يصعنهُ الضّعفاء، بل السّياسيّون الذين يملكون الجُرأة على تمزيقِ الوعودِ لإعادة كتابة الجغرافيا.

دحرجة النيران

لم يعُد نتنياهو يكتفي بالوكلاء. إذ كانَ بحاجةٍ إلى مقارعةٍ مباشرةٍ مع طهران لتدويل أزمتهِ. أشعلَ في حزيران 2025 فتيل الحربِ الأولى مع إيران لاثنيْ عشر يوماً، موهلاً العالم بضربات استهدفت المنشآت النّوويّة والحيويّة وشبكات الدّفاع الجوّي في عمق الأراضي الإيرانيّة. تراقصت أسعار النّفطِ، وحبست عواصم العالم أنفاسها وهي ترى الصّواريخ الباليستيّة الإيرانيّة تضيء سماءَ تل أبيب، لكنّ “بي بي” كانَ يبتسمُ في ملجأه. لقد نجحَ في جرّ واشنطن مُجدداً إلى خندقهِ.

لم تكفِ حرب حزيران لإغلاق ملفّاتهِ أو تأمين مقعده الدّائم. كرّر نتنياهو في شباط 2026 اللعبة ذاتها، لكن بضراوة أشدّ. اطلق “حربُ إيران الثّانية” لتُشكّل ذروةَ الجنون العسكريّ. تداخلت الطّائرات المُسيّرة والصّواريخ الفرط صوتيّة في حربٍ إقليميّة مفتوحة كادت تُطيح باستقرار العالم برُمّته. وفي كلّ مرّة كانت المدافع توشكُ على الصّمت، كان بنيامين نتنياهو يجدُ في التهديد الإيرانيّ الذّريعة المثاليّة لقول: “لا صوت يعلو فوق صوتِ الصواريخ. ولا محاكمة لرئيس وزراء يقودُ حرب البقاءَ للشّعب اليهوديّ”.

لخّصت ثنائية الغزو في لبنان وغزّة والاشتباك الصّامت مع إيران الاستراتيجيّة الوجوديّة للرّجل: إدامة الصّراع هي الضّمانة الوحيدة لحكمِ الشّعب اليهوديّ

لبنان 2026: 70% من غزّة

تجلّى نتنياهو، في الأيّام الأخيرة،  في صورتِهِ الأكثر دقّة وخطورةً، مُستنداً إلى زخمِ “حرب لبنان 2026″ التي اندلعَت لتستكملَ من حيثُ توقّفت في 2024. وقفَ في مؤتمرٍ عُقدَ في إحدى مُستوطنات غور الأردُن، وبدا كمن يرميَ بالاتفاقيّات الدّوليّة والقرارات الأمميّة في سلّة المُهملات. لم يكترث بـ”الخطّ الأصفر” الذي رسمتهُ التّفاهمات ولا باتفاقات وقف إطلاق النّار الهشّة.

أمسكَ بالميكروفون وأعلنَ ببرود الذّئبِ: “كنّا نسيطرُ على 50% من غزّة، ثمّ انتقلنا إلى 60%، والآن أصدرتُ أوامري للجيش بالسّيطرة على 70% من مساحة القطاع”.

لم يكن هذا التّصريح مُجرّد مناورةٍ عسكريّة – سيّاسيةّ، بل كان رصاصة رحمةٍ أطلقها على كلّ الجهودِ الدّوليّة التي حاولت صياغةَ “اليوم التّالي” للحربِ. وفي اللحظةِ نفسها التي كانَ يُعلن فيها التهام ما تبقّى من غزّة، كانت دبّابّات جيشهِ تعبر نهرَ الليطاني” وتُسيطرُ على قلعة الشّقيف، مُتوعّدة الخصوم بـ”الضّرب بقوّة” ومُتجاوزةً كلّ ما تبقّى من الخطوطِ الحمر التي رُسِمَت بالدّم والدّبلوماسيّة.

لخّصت ثنائية الغزو في لبنان وغزّة والاشتباك الصّامت مع إيران الاستراتيجيّة الوجوديّة للرّجل: إدامة الصّراع هي الضّمانة الوحيدة لحكمِ الشّعب اليهوديّ.

 وجه الساحر في المرآة

كيفُ يُمكنُ قراءةُ هذا “البورتريه” المُركّب؟

نتنياهو ليسَ مُجرّد جنزال يقودُ فيلقاً. هو أيديولوجيّ يرتدي بدلات إيطاليّة، ويتحدّث الإنكليزيّة بلكنةٍ “نيويوركيّة”، بينما يُفكّر بعقليّة قلاعِ العصورِ الوسطى. هو الذي أقنَع الإسرائيليين لسنواتٍ طوال أنّ الأمن يُمكن شراؤه عبر “إدارة النّزاع” لا حلّه. وحين انفجرَ النّزاعُ في وجهه، أقنعهُم أنّ الحلّ الوحيد هو “سحق” الآخر بالكامل، حتّى لو كلّف ذلكَ تحويل إسرائيل إلى “قلعةٍ معزولةٍ” منبوذة في المحافلِ الدّوليّة.

في صالونات تل أبيب، يُقال إنّ نتنياهو لا ينام إّلا غافياً على ملفّات القضايا التي تُلاحقه. تُرعبهُ قاعات المحكمة أكثر ممّا تخيفه صواريخ إيران أو مُسيّرات حزبها في لبنان. يُدركُ أن لحظة توقّف المدافع هي اللحظةُ التي ستبدأ فيها لجانُ التّحقيق بالبحثِ عن المسؤول عن “إخفاق أكتوبر العظيم” وعن أثمان حروب 2024 و2025 و2026 التي استنزفت اقتصاد الدّولة وأمنها.

لذلكَ يبدو مُستعدّاً لإحراق الشّرق الأوسطَ برمّتهِ، من غزّة المسحوقة إلى ضفافِ الليطاني ووصولاً إلى الهضبةِ الإيرانيّة، فقط ليضمنَ البقاء يوماً آخر في مكتبِ رئيس الوزراء في “كريات هممشلاه” أو سكنهِ في ” بيت أغيون”.

 السقوط في فخ الـ 70%

لكنّ نتنياهو، في غمرةِ “التهامهِ للخرائط”، يبدو كمن يبتلعَ السّمّ بطيئاً. إنّ السّيطرةَ على 70% من قطاعٍ مُدمّر يغصّ بملايين النّازحين، ليسَت إنجازاً عسكريّاً بقدرِ ما هي “حبل مِشنقةٍ” ديموغرافيّ وأخلاقيّ يلتفّ حولَ عنق الدّولة العبريّة. والعبور فوقَ الليطاني مُجدداً ليسَ نُزهة طويلةَ الأمد، بل غرق مُتعمّد في “المستنقع” الذي طالما ابتلعَ جنرالات إسرائيل وأحلامهم السّياسيّة.

السّيطرةَ على 70% من قطاعٍ مُدمّر يغصّ بملايين النّازحين، ليسَت إنجازاً عسكريّاً بقدرِ ما هي “حبل مِشنقةٍ” ديموغرافيّ وأخلاقيّ يلتفّ حولَ عنق الدّولة العبريّة

 قلق اللحظة الأخيرة

ينتهي اليومُ ويقتربُ الليلُ من منتصفه في هذا العام المُنهك. يبقى بنيامين نتنياهو واقفاً في مكتبهِ. يُتابع تقارير طائراته المُسيّرة التي تُحلّق في أرجاء المنطقة، وآثار حروبهِ المُتلاحقة في غزّة ولبنان وإيران. يبدو مُنتشياً بالقوّة، لكنّه مسكونٌ بالخوفِ. خوفٌ من اليوم الذي يستيقظُ فيهِ الإسرائيليّون ليكتشفوا أنّ “الملكَ” لم يجلبَ “النّصر المُطلق”، بل جلبَ حرباً مُمتدّة بلا أفقٍ، وجدراناً أعلى وعُزلةً أعمق.

لا يزال “السّاحر الشرير” يُلوّح بعصاه وسطَ النّيران، لكنّ القاعة بدأت تفرغُ، والجمهورُ بدأ يُدركُ أنّ الخدعة طالت أكثرَ ممّا ينبغي، وأنّ النّيران التي يُشعلها في المنطقةِ قد تأتي عليهِ وعلى مسرحهِ في صناديق انتخابات الكنيست في نهايةِ المطاف.

إقرأ أيضاً: المساران الأمنيّ والسّياسيّ مكبّلان بالشّروط الإسرائيليّة

 

لمتابعة الكاتب على X:

@IbrahimRihan2

مواضيع ذات صلة

ما بعد “اليونيفيل”: منطقة عازلة من دون حضور أمميّ

تقترب مهلة انتهاء مهامّ قوّات “اليونيفيل” جنوب لبنان من دون التوصّل حتّى الآن إلى الصيغة التي ترعى أيّ وجود دوليّ محتمل “يرث” قوّات الطوارئ الدوليّة…

الضاحية مقابل شمال اسرائيل.. وواشنطن على خط نتانياهو-الحزب

منذ انتهاء حرب 2024، تعاملت الولايات المتّحدة مع الساحة اللبنانيّة وفق معادلة واضحة: منح إسرائيل هامشاً واسعاً للتحرّك جنوباً، مقابل وضع “ضوء أحمر”على استهداف بيروت…

المساران الأمنيّ والسّياسيّ مكبّلان بالشّروط الإسرائيليّة

أيّام قليلة تَفصل بين اجتماع البنتاغون الأمنيّ وجولة المفاوضات “السياسيّة” الرابعة بين لبنان وإسرائيل المقرّرة غداً وبعد غد في وزارة الخارجيّة الأميركيّة. وما بين المحطتيّن، أعلن…

باراك عند تقاطع دمشق وبغداد… و”الحزب” بلا قناة

لم يكن إعلان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو انتهاء صفة السفير الأميركي لدى تركيا توم باراك كمبعوث خاص إلى سوريا نهاية لدوره في الملف السوري….