من “الميكانيزم” إلى واشنطن: شروط إسرائيلية قاسية!

مدة القراءة 6 د

يطغى الستاتيكو السلبي، بعد الجولة الثالثة للمفاوضات المباشرة، في سياق مرحلة استنزاف قد تكون طويلة، لم يَكسر من حدّتها سوى الموقف النوعي الصادر عن الرئيس نبيه بري، الذي كرّره في أكثر من وسيلة إعلامية، بحديثه عن ضرورة توافر “مظلة ضمانات سعودية- إيرانية- أميركية” لأي اتفاق محتمل بين لبنان وإسرائيل، مع إعلان رفضه المستمرّ للمفاوضات المباشرة “وعندما ننتهي سيكون لي كلام”.

 

تصبّ زيارة مستشار وزير الخارجية السعودي الأمير يزيد بن فرحان الثانية إلى بيروت الذي انتشر خبر حصولها من عدة مصادر رسمية وغير رسمية إنما لا شيء مؤكد حتى الآن بخاصة أن المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان قادم إلى لبنان دون معرفة ما إن كانت زيارته ستكون قبل عطلة عيد الأضحى أو بعد العطلة.

في ظل الموجة التي خلّفتها المفاوضات لا يزال  تموضع الرؤساء الثلاثة على حاله، والحزب رافض للمفاوضات شكلاً ومضموناً، والتمديد المُعلن للهدنة لـ 45 يوماً، ليس سوى تمديداً لستاتيكو الاستنزاف: إسرائيل توسّع عدوانها والحزب يتصدّى.

بعكس كل تسريبات محيط بعبدا، خلال المفاوضات في جولتها الثالثة وما بعدها، أجهضت إسرائيل كل الآمال اللبنانية بالتزامها بوقف النار بشكل نهائي والتوقف عن استهداف منشآت مدنية ومدنيين، كما طلب لبنان في المفاوضات الأخيرة.

تصبّ زيارة مستشار وزير الخارجية السعودي الأمير يزيد بن فرحان الثانية إلى بيروت الذي انتشر خبر حصولها من عدة مصادر رسمية وغير رسمية إنما لا شيء مؤكد حتى الآن

هكذا عُقِدت المفاوضات بين الطرفين، وبدأ اليوم الأول لهدنة الـ 45 يوماً، والعمليات العسكرية “شغاّلة” من جانب إسرائيل التي توسّع رقعة اعتداءاتها باتّجاه البقاع وتوسّع حزام جوّها الناري في الجنوب، وإنذارات الإخلاء وصلت إلى شمال الزهراني وقرى قضاء صيدا، فيما الحزب يكثّف استهدافاته لشمال إسرائيل والمناطق المحتلة.

يقول مصدر مطلع لـ “أساس”: “تقصّد المحيط الرئاسي لرئاسة الجمهورية بثّ مناخات إيجابية خلال ساعات التفاوض على مدى يومين، وبعده، إلى حدّ الإيحاء بأنّ موقف الحزب الذي بُلّغ إلى الرئيس نبيه بري حول توقّف الحزب عن إطلاق النار إذا التزمت إسرائيل، انعكس إيجاباً على اجتماعات واشنطن”.

مع العلم، وفق المصدر، “أن الرئيس بري نقل هذا الجواب سابقاً إلى رئاسة الجمهورية، وهو ليس بالأمر الجديد خصوصاً أنّ مطلب وقف إطلاق النار هو مطلب أول للحزب، وسيلتزم به إذا التزمت إسرائيل، مقروناً ببدء الانسحاب الإسرائيلي من الشريط المحتلّ”.

بعدها، عَكَس بيان الوفد اللبناني إلى التفاوض أيضاً إيجابية لا مكان لها لصعوبة تحقيقها، خصوصاً بحديثه عن “تقدّم المسارين السياسي والأمني”، رافعاً المفاوضات إلى مستوى أعلى عبر تأكيد “عمل الولايات المتحدة بشكل مباشر على تسهيل وتعزيز قنوات التواصل والتنسيق العسكري بين لبنان وإسرائيل، من خلال مسار أمني من المقرّر إطلاقه في 29 أيار في البنتاغون”.

بين عون وبري

تقول معلومات “أساس” أن اتصالات حصلت بين رئيسيّ الجمهورية ومجلس النواب عقب انتهاء المفاوضات، وجرى فيها شرح للموقف اللبناني خلال التفاوض، وأهداف المسار الأمني المنوى إطلاقه نهاية الشهر الجاري وهو يرتبط بروزنامة الانسحاب، والترتيبات الحدودية، وانتشار الجيش وفق مبدأ يريده لبنان خطوة مقابل خطوة”.

وفق العارفين، لم يبد بري الذي قرأ البيانات الصادرة عن وزارة الخارجية اللبنانية ولبنان وإسرائيل ارتياحاً للمسار الراهن، خصوصاً أن رئيس الجمهورية كرّر في العديد من المناسبات بأن “لا مفاوضات مباشرة قبل وقف إطلاق النار بشكل نهائي”، كما أن الهدنة الممدّدة 45 يوماً، برأي بري، ليست سوى صك ممنوح لرئيس الوزراء الإسرائيلي باستباحة الجنوب، مع التخوّف من فرض شروط قاسية على لبنان خلال الهدنة الممدّدة وبعدها، كون المسار الأمني حافل بالألغام، واللغم الأكبر فيه مرتبط مباشرة بدور الجيش اللبناني”.

يكفي أن بري كان يُطالب بتفاوض غير مباشر من خلال لجنة “الميكانيزم”، ليجد نفسه محاطاً رئاسياً بطروحات عن مسارين أمني وسياسي مع إسرائيل، من دون أدنى ضمانات في شأن وقف نهائي لإطلاق النار، وانسحاب إسرائيل، وعودة الجنوبيين إلى قراهم، وبدء إعادة الإعمار. يبدو الأمر، بالنسبة لقريبين منه، أقرب إلى اتفاق 17 أيار جديداً، ورفض بري تلقائياً فرض وقائع سياسية وأمنية تحت النار. أمّا الحزب، فيتحدّث عن “محاولات إعادة إنتاج ما هو أخطر من اتفاق 17 ايار”.

معلومات “أساس”: اتصالات حصلت بين رئيسيّ الجمهورية ومجلس النواب عقب انتهاء المفاوضات، وجرى فيها شرح للموقف اللبناني خلال التفاوض، وأهداف المسار الأمني المنوى إطلاقه نهاية الشهر الجاري

شروط قاسية

هكذا، فإن تقديرات جهات سياسية مطلعة لن تكون أقلّ مستوى من خلاصة ما استنتجه رئيس وفد التفاوض سيمون كرم إثر المحادثات التي أجراها ضمن إطار الميكانيزم والتي وصّفها قبل أشهر بالقول: “إسرائيل تضع شروطاً قاسية جداً، ولا اعتقد أنّه يمكن للبنان السير بها”.

قال كرم هذا الكلام قبل نحو شهر تقريباً من تجدّد الحرب في 2 آذار، أي قبل انخراط الحزب مجدداً في العمليات العسكرية، وفي الوقت الذي كانت فيه إسرائيل “تتنعّم” بحريّة حركة أتاحها وجود ملحق سريّ لاتفاقية وقف الأعمال العدائية عام 2024، وباحتلالها لخمس نقاط فقط في جنوب لبنان.

يومها قال الموفد الإسرائيلي ما معناه: “الانسحاب من النقاط الخمس غير مطروح قبل صدور إعلان رسمي من الدولة اللبنانية بانتهاء حالة العداء، وتوقيع اتفاقيات أمنية تثبّت هذا الإعلان، وكل ذلك فوق ركام سلاح الحزب. ومن سيعود إلى قرى الجنوب يجب أن لا يكون منتمياً إلى الحزب”.

راهناً، تجنّدت واشنطن لتأمين “حريّة مشروعة” لإسرائيل بالتحرّك ضد أي نوع من التهديد لأمنها، بموجب بيان-اتفاق صدر أيضاً عن الخارجية الاميركية في 16 نيسان، حيث أطلقت يدّ إسرائيل في الجنوب، وكل لبنان. وهو اتفاق، قالت واشنطن أنّ حكومتيّ لبنان وإسرائيل وافقتا عليه، من دون صدور أي موقف رسمي لبناني حياله.

إقرأ أيضاً: قانون العفو في محرقة البازار الطّائفيّ!

وأتى تمديد الهدنة “الساقطة” ليمنح إسرائيل مزيداً من الوقت لفرض شروطها على الأرض، تحت عنوان “تعزيز المسار السياسي في التفاوض وإطلاق المسار الأمني”.

أي مسار من هذا النوع، برأي مطلعين، قد يعني “دفناً” للمنطق اللبناني في البحث عن خيار عملي للموازاة بين وقف إطلاق النار بشكل شامل، وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، ودفع إسرائيل للانسحاب وإعادة الأسرى وعودة الجنوبيين إلى قراهم، وإعادة الإعمار قبل توقيع اتفاق سلام تحدّث عنه صراحة رئيس الحكومة نواف سلام، كبديل عن التطبيع”. فيما الأساس لا يزال يتركّز على ما يدور بين واشنطن وطهران، ومصير هدنة “العملاقين”.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@MalakAkil

مواضيع ذات صلة

لبنان بين معادلتين: الضّاحية مقابل الشّمال وإسرائيل مقابل الضّاحية

في لحظة إقليميّة حرجة جدّاً تتقاطع فيها الحرب مع المفاوضات، عاد لبنان ليظهر مجدّداً بوصفه إحدى أهمّ أوراق الاشتباك بين إيران وإسرائيل. أعاد التصعيد الأخير…

رومان غوفمان: رجلُ نتنياهو في قمرةِ “الموساد”

يكفي أن تتأمّل في ملامِحِهِ الحادّة ونظراتِهِ التي تختزنُ صرامةَ شتاءِ أوروبا الشّرقيّة لتعرِفَ أنّه ينتمي إلى فصيلةٍ خاصّةٍ من الرّجال، أولئكَ الذينَ لا يَصنعونَ…

الشرع إلى واشنطن؟ عطر ترامب ورائحة الاتفاق مع إسرائيل

في السياسة، لا تكون الهدايا دائمًا تفصيلًا عابرًا. أحيانًا تقول زجاجة عطر ما لا تقوله البيانات الرسمية. هكذا بدت الهدية التي أرسلها الرئيس الأميركي دونالد…

التّصعيد العسكريّ يتقدّم مجدّداً

تجاوزت إسرائيل كل المحرّمات باستهداف آلية عسكرية على طريق الخردلي-كفرتبنيت يوم السبت أدّت إلى استشهاد ضابطين وعسكري، ثم شنّت أمس غارة استهدفت مبنيين في الضاحية الجنوبية،…