لا تُقاسُ في بغداد السلطة بمدى اتّساع كُرسيّها، بل بمدى ضيق الممرّ المؤدّي إليها. أن يدخل رئيس الوزراء إلى المنطقة الخضراء لا يعني أنّه عبر إلى دولةٍ ثابتةٍ ومستقرّة، بل إلى غرفةِ عمليّاتٍ مفتوحة على احتمالات متناقِضة: تسوية مؤقّتة أو انفجار مؤجّل أو إعادةُ تدويرٍ للأزمةِ نفسها بأسماء جديدة؟
حينَ دخَلَ علي الزّيديّ إلى باحة القصر الجمهوريّ ليُكلّف بتشكيل الحكومة، لم يكُن يسيرُ على بساطٍ أحمرَ، بل كان يمشِي فوق حقلِ ألغامٍ زرعه أسلافهُ وأحزابٌ مُتناحرةٌ واشتباكٌ أميركيّ – إيرانيّ لم يهدأ منذ شهرَيْن بالتّمام والكمال.
التكليف أشبه بـ”حكمِ إعدامٍ مؤجّلٍ” أو “مهمّة انتحاريّة” في توقيتٍ قرّرت فيه الجُغرافيا أن تشتعلَ، والتاريخ أن يغلقَ أبوابَه.
لحظة الرّعب
لا يبدو علي فالح كاظم الزّيديّ، الآتي من عالمِ المالِ والإدارةِ، استثناءً في هذه القاعدةِ السّياسيّةِ العراقيّةِ القاسية، بل منذُ لحظةِ تكليفهِ الأولى كان كَمن يَدخلُ إلى وظيفةٍ تُشبِهُ أكثر ما يُسمّيه البعض “المُهمّة المستحيلة” في بلد يقفُ عند حافّة الهاوية منذ الإطاحة بنظام صدّام حسين في 2003.
لم يأتِ الزّيديّ لرئاسة الوزراءِ لأنّ الأحزابَ السّياسيّة اتّفقت على برنامجٍ لإعادة الإعمار أو النّهوض الاقتصاديّ، بل لأنّ “لحظة رعبٍ” مركّبة فرضته:
1- “رُعب إيران” أن تفقِدَ نفوذها ومعه أموالها ورئتها الاقتصاديّة.
2- “رُعب أميركا” من تغوّل إيرانيّ في العِراق.
3- “رُعب ساسةِ” العراق من عقوبات توم بارّاك ومُسدّسُ إسماعيل قاآني، أو أيّ أحدٍ آخر ممّن يعملون معه في العراق. لا فرق.
في هذه اللّحظةِ تحديداً، رُميَ بالزّيديّ إلى الواجهة.
لا يمنحُ العراق أحداً الوقتَ الكافي للاختبار، إمّا أنْ ينجَحَ بسرعةٍ أو يُستهلك بسرعةٍ
وضعت إدارة دونالد ترامب التي لا ترحم فصائلَ العِراق تحت “مقصلةِ العقوبات”، من بينها قوائمُ تُطارِدُ السّاسة وتُنذرُ بمطاردة المصارفِ، وخناقٌ يشتدّ على الدّولار الذي يُغذّي رئتَيْ الدّولة وإيران معاً. كان المطلوبُ رئيساً للوزراء يفهمُ “لغة الخِزانة الأميركيّة” ويجيد في الوقت عيْنه “الهمسَ في أذن طهران”. الزيديّ هو ذلكَ الرّجل الذي طُلبَ منهُ أن يرقصَ في حفلِ زفافٍ يتشاجر فيه المدعوّون بالكراسي والطّاولات.
لا يُستقبلُ رؤساء الحكوماتِ في بِلاد الرّافديْن بالتّصفيق فقط، بل بالتّرقّبِ، وكأنّ بغداد تسألهم منذُ اللحظةِ الأولى: هل أنت حلٌّ مؤقّت أم فصلٌ جديدٌ من المشكلةِ نفسها؟
مِن خارج “هندسة السّياسة”
لا ينتمِي عليّ الزّيديّ إلى المدرسة التقليديّة التي خرجَ منها أكثرُ نُخَبِ الحُكمِ في عِراق ما بعد صدّام حسين. لا خلفيّة “فصائليّة” أو “ميليشياويّة” له مثل نوري المالكيّ، ولا تاريخ يذكرهُ في صفحات الأجهزةِ الأمنيّةِ مثل مصطفى الكاظميّ، ولا مسارَ طويلاً في التّنظيمات السّياسيّة الصّلبة مثل محمّد شيّاع السّوداني.

هو أقربُ إلى رجلٍ تشكّل في “حلبات” الاقتصاد والقانون والإدارة، حيثُ الأرقام تُعامل كحقائقَ ثابتة لا كآراء، وابن مُحافظة ذي قار الجنوبيّة. هذا ليسَ تفصيلاً. دائماً ما كان جنوب العِراق على تماسٍّ مباشرٍ مع فكرةِ الدّولة وغِيابِها في الوقتِ نفسِهِ. هنُاك حيثُ تقاطعت الهَشاشَة مَع الاحتجاجِ غير المُنقطع منذ عام 1990، تَشكّلَ وَعيهُ الأوّل: فكرة الدّولةِ ليْسَت مُعطىً ثابتاً، بل مشروع دائماً ما يكونُ غير مكتمل.
دَمَجَ بيْنَ القانونِ والإدارةِ بشقّيْها التّقليديّ والماليّ. تنقّل بيْنَ المؤسّساتِ الاستثماريّة والعملِ الأكاديميّ. رَسمَ الزّيدي مساراً يوحي برجلٍ يُفضّل البُنية على الفوضَى، والنّظامِ على الارتجالِ. لكنّهُ مثل كلّ من يدخل “المنطقة الخضراء”، سيكتِشفُ أنّ النّظامَ هناكَ ليْسَ قاعدةً بل استثناء هَشّ.
ليست خلفيّة الزّيديّ الاقتصاديّة تفصيلاً شخصيّاً عابراً، بل هي عنصرٌ أساسيٌّ في فهم الرّهان عليه
ساحة الاشتباك المفتوح
تتعاملُ واشنطُن مع بغداد باعتبارها عقدة أمنيّة وماليّة في حربها مع طهران ينبغي ضبطُها عبر العقوباتِ والضغط على النّظام الماليّ والمصرفيّ، ومُحاولِة ضبط حركةِ المالِ ونفوذ إيران المُتزايد. أمّا طهران فَترى في أرضِ الرّافدَيْن عمقاً استراتيجيّاً لا يُمكنُ التنازل عَنْه بسهولةٍ ولا بصعوبةٍ. لا تفصلُ بينَ أمنِها القوميّ وتوازنات السّاحة العراقيّة.
بينَ هذيْن الخطّيْن المُتوازيَيْن، لا يستطيع العِراق، مهما فعلَ، أن يكونَ وسيطاً بل ساحة. في قلبِ هذه السّاحة، يُطلب من رئيس الوزراءِ أن يكونَ أكثر مِن إداريّ واختصاصيّ: أن يكون مُعادِلَ توازنٍ بيْن قطبَيْن، ورجُلَ إطفاءٍ، ومفاوضاً دائماً بين قوى لا تتفاوض مباشرة على الطّاولات في أكثرِ الأحيانِ، بل على الأرض العراقيّة.
هنا يُصبحُ منصب الزّيديّ أشبه بِمن يقف على خطّ تماسٍّ مفتوحٍ لا وظيفة سياسيّة تقليديّة.
تعقيدات الدّاخل
الخارجَ وحده لا يفسرُّ تعقيدَ المَهمّة، بل قد تكونُ السّاحة الدّاخليّة أكثر تعقيداً في كثيرٍ من الأحيان. في العراقِ لا توجدُ سُلطةٌ واحدةٌ مُتمَاسكةٌ، بل شبكة سلطاتٍ مُتدَاخِلةٍ: أحزابٌ سياسيّة رسّخت شبكاتِ نفوذها داخل مُؤسّساتِ الدّولة، وفصائل مسلّحةٍ تمتلكُ نفوذاً أمنيّاً وسياسيّاً، ومصالح اقتصاديّة وماليّة عابرة للحُدُودِ، وبرلمان يتحرّك في أكثر الأحيانِ بِمنطقِ التوازناتِ لا بمنطقِ التّشريعِ.
مِن هذا المُنطلق تبدأ المعضلة الحقيقيّة: كيف يمكن لرجل آتٍ من عالم المؤسّسات الماليّة أن يديرَ دَولةً تعملُ بمنطق “توزيع وتقاسم النّفوذ” أكثر مِن منطقِ “تطبيق القانون وإنفاذه”؟
اقتصاد الحرب
ليست خلفيّة الزّيدي الاقتصاديّة تفصيلاً شخصيّاً عابراً، بل هي عنصرٌ أساسيٌّ في فهم الرّهان عليه. ليس الاقتصاد في أرضِ الرّافدَيْن قطاعاً منفصلاً عن السّياسة. الدّولار ملفّ سياسيّ بحدّ ذاته، وموازنةُ الدّولة ساحة تفاوضٍ، والمصارفُ نقطة اشتباكٍ، والنّفط ليس مورداً طبيعيّاً وحسب، بل أداة توازنٍ داخليّ وخارجيّ.
العقوبات الأميركيّة، والقُيودُ على النظام المصرفيّ، والضّغط على تدفّقات وحركةِ الأموال، كُلّها تجعلُ الاقتصادَ العراقيَّ جزءاً من معادلة الصراع الإقليميّ.
يُدركُ الزيديّ تماماً أنّ إدارة الدّولة لا تشبِهُ إدارةَ “المحافظ الاستثماريّة”
يُدركُ الزيديّ تماماً أنّ إدارة الدّولة لا تشبِهُ إدارةَ “المحافظ الاستثماريّة”. في عالمِ الاستثمارِ الماليّ 1+1=2. أمّا في السّياسةِ العراقيّة، فإنّ معادلةَ 1+1 قد تُؤدّي إلى حربٍ أهليّةٍ أو اشتباكٍ أو “تسويةٍ تحت الطّاولة” قد تُطيحُ بهِ في منتصف الليل.
لا يكمنُ معيار القوّة في بغداد في قدرتكَ على توزيعِ الاستثمارات وتنويعها، بل في عددِ البنادقِ التي تستطيع تحييدَها بكلمةٍ واحدة.
إدارة الأضداد
يجد رئيسُ الحكومة العراقيّة المُكلّف نفسه أمام معادلةٍ خطرة، ربّما هربَ أكثر المُرشّحين من خوضها، وهي الحفاظ على علاقةِ عملٍ مع الولايات المُتّحدة من دون الدّخول في قطيعة مع الجارةِ إيران، والعكسُ صحيح.
تُريدُ واشنطن عراقاً مُنضبطاً ومضبوطاً اقتصاديّاً وأمنيّاً يحدّ من توسّع النفوذِ الإيرانيّ، الذي لا بُدّ منه، ويحدّ من تدفّق الأموال نحو شبكاتٍ تعتبرها جزءاً من “اقتصادِ الظّلّ” لإيران وميليشياتها.
أمّا طهران فتريد عراقاً مُتاحاً بما يكفي لتغلغلِ نفوذها، وضعيفاً بِما يَكفي أيضاً لعدم تحوّلهِ إلى خصمٍ استراتيجيّ كما كان الحال أيّام حكمِ صدّام حسين.
تكمنُ بين الرّغبتَين الأميركيّة والإيرانيّة مساحةٌ ضيّقةٌ اسمها بغداد، وهي المساحة التي لن يتحرّك فيها علي الزّيديّ لاعباً حُرّاً، بل مديرَ أزمةٍ دائماً.
إقرأ أيضاً: الانقسام الإيراني: “أعرافي” يخوض معركة خلافة للمرشد
تبدو لحظة الزّيديّ في العراق وكأنّها سؤال مفتوح أكثر منها بدايةً مُستقرّة: هل يستطيعُ “رجلُ الأرقامِ” أن يعيدَ تعريفَ الدّولةِ في بلدٍ تُدار فيه السّياسة في أكثر الأحيان خارج جُدران المؤسّسات؟ هل باستطاعته أن يُحوّلَ العراق من ساحةِ صراعٍ إلى مساحة كافيةٍ لإدارة التّوازن أم قوّة اشتباك الخارج والدّاخل ستجعلَ مِن موقعِهِ محطّةً عابرة في دورةٍ عراقيّة طويلةٍ من إعادة إنتاجِ الأزمةِ؟
لا يمنحُ العراق أحداً الوقتَ الكافي للاختبار، إمّا أنْ ينجَحَ بسرعةٍ أو يُستهلك بسرعةٍ.
لمتابعة الكاتب على X:
