هل تشكّل خسارة رئيس الوزراء المجريّ فيكتور أوربان هزيمةً لصديقه دونالد ترامب في أوروبا؟ هل هي تمرّد أم انشقاق؟ هل تُعدّ بداية عودة هنغاريا إلى الجماعة الاتّحاديّة أم هي انتصار للوحدة الأوروبيّة بتعدّديّتها؟
أعلن رئيس الوزراء المجريّ المنتهية ولايته فيكتور أوربان تخلّيه عن مقعده في البرلمان الوطنيّ، وذلك في أعقاب الهزيمة الساحقة التي طالت حزبه “فيدس” في الانتخابات البرلمانيّة الأخيرة. يشير هذا الانكسار إلى جملة من الدلالات، أبرزها:
1- لكمة موجعة لتيّار اليمين الشعبويّ المتشدّد، ورسالة بعودة اليمين الأوروبيّ الوسطيّ.
2- زعزعة نموذج “الديمقراطيّة السلطويّة غير الليبراليّة”، وبداية تعثّر نماذج القوميّات الانعزاليّة داخل الاتّحاد الأوروبيّ.
3- سقوط البراغماتيّة القوميّة الانتهازيّة، وتراجع الشراكة اليمينيّة في الرؤية المتطرّفة للعالم.
4- رسالة محرجة إلى الحلفاء الأوروبيّين المتشدّدين، مثل مارين لوبان في فرنسا وخيرت فيلدرز في هولندا، الذين بدؤوا الابتعاد عن السياسات الأكثر تطرّفاً لتفادي صدام مع ناخبيهم، مع تركيز متزايد على سياسات أكثر اعتدالاً واتّساقاً مع القيم الأوروبيّة.
5- ضربة جيوسياسيّة ثلاثيّة للنفوذ الروسيّ والإسرائيليّ والأميركيّ داخل الاتّحاد الأوروبيّ، إذ مثّل أوربان، إلى حدّ بعيد، نقطة تقاطع مصالح مع موسكو، وصديقاً سياسيّاً لكلّ من دونالد ترامب وفلاديمير بوتين وبنيامين نتنياهو.
6- انتكاسة لمشروع “هنغاريا العظمى”، المستعاد رمزيّاً ممّا قبل الحرب العالميّة الأولى عام 1914، بما يحمله من تصوّرات جغرافيّة توسّعيّة على حساب دول الجوار.
أعلن رئيس الوزراء المجريّ المنتهية ولايته فيكتور أوربان تخلّيه عن مقعده في البرلمان الوطنيّ
هزيمة بأعلى نسبة اقتراع شعبيّة
هُزم أوربان في انتخابات شهدت أعلى نسبة مشاركة شعبيّة، وفاز زعيم المعارضة بيتر ماجيار بنيله ثلثَي المقاعد البرلمانيّة، فباتت لديه القدرة على تشكيل الحكومة منفرداً. اعتُبرت هذه المعركة الجولة الأولى في استعادة الدولة من قبضة السلطة، في ظلّ استقطاب سياسيّ حادّ وثلاثة عناوين خارجيّة أساسيّة:
* إعادة ترميم الانسجام داخل الاتّحاد الأوروبيّ.
* استعادة حصّة هنغاريا المجمّدة من الأموال الأوروبيّة.
* توطيد الشراكة مع حلف الناتو ومجموعة فيشيغراد (تحالف ثقافيّ وسياسيّ لأربع دول في وسط أوروبا، هي التشيك، المجر، بولندا وسلوڤاكيا، لتعزيز تكاملهم الأوروبيّ).
انتكاسة لمعارضي فكرة الاتّحاد
تكشف خسارة أوربان عن حالة صدام مستمرّ بين غرب أوروبا وشرقها. لقد شكّل أوربان لسنوات خصماً لبروكسل بسياساته المناوئة للتيّار الاتّحاديّ، ومثّل أحد أضلاع ما يمكن تسميته “الرباعيّ الترامبيّ الأوروبيّ”، إلى جانب خيرت فيلدرز في هولندا، روبرت فيكو في سلوفاكيا، وأندريه بابيش في التشيك.

تفكّك هذا المحور تدريجاً مع ثلاث هزائم متتالية لتيّارات متقاربة معه، وجاءت خسارة أوربان تتويجاً لها. بدأت المؤشّرات إلى خسارة اليمين الانعزاليّ في سلوفينيا، ثمّ تراجع اليمين المتطرّف في فرنسا على المستوى البلديّ. من هنا، تنظر بروكسل إلى هذا الإقصاء بوصفه فرصةً لإعادة ترتيب العلاقة مع بودابست، وتمهيداً لمعالجة الملفّات العالقة معها.
تحوُّل يتجاوز نتيجة انتخابيّة
لا تُختزل نتيجة الانتخابات المجريّة في بعدها الانتخابيّ، بل تمثّل منعطفاً في المسار الأوروبيّ العامّ. إنّها نهاية مرحلة سياسيّة صاغها أوربان، الذي كان أحد أبرز حلفاء الشعبويّة اليمينيّة في القارّة، ومن أكثر السياسيّين قرباً من إسرائيل داخل الاتّحاد الأوروبيّ، لا سيما عبر استخدامه المتكرّر لحقّ النقض (الفيتو).
هل تشكّل خسارة رئيس الوزراء المجريّ فيكتور أوربان هزيمةً لصديقه دونالد ترامب في أوروبا؟ هل هي تمرّد أم انشقاق؟
سيفضي غيابه إلى تغيير نسبيّ في مواقف الاتّحاد تجاه ملفّات أساسيّة، مثل الهجرة، الميزانيّة الأوروبيّة، الدعم العسكريّ لأوكرانيا، والموقف من السياسات الإسرائيليّة، وهي كلّها قضايا كانت تتقاطع بدرجات مختلفة مع الرؤية الجيوسياسيّة لترامب.
تمزّق في شبكة النّفوذ الشّعبويّ
شكّلت خسارة أوربان، الذي حكم المجر لما يقارب عقداً ونصفاً، ضربة للفكر غير الاتّحاديّ، ومؤشّراً إلى تصدّع الكتلة الشعبويّة العابرة للحدود. لقد كان بمنزلة بوّابة نفوذ للإدارة الترامبيّة، وممرّاً للتقاطعات الروسيّة داخل أوروبا.
خلال سنوات حكمه، ساهم في:
* عرقلة قرارات أوروبيّة عقابيّة ضدّ إسرائيل.
* لعب دوراً تقاطعيّاً بين سياسات ترامب وبوتين في سياق إضعاف تماسك الاتّحاد الأوروبيّ.
تمرّد أم انشقاق من الدّاخل؟
حصل المعارض بيتر ماجيار على أغلبيّة نيابيّة مطلقة تتيح له تعديل الدستور وإطلاق عمليّة إصلاح مؤسّساتيّ واسعة. مع ذلك، من غير المرجّح أن يُحدث قطيعة جذريّة مع سياسات أوربان الداخليّة، باستثناء الجوانب الاقتصاديّة والاجتماعيّة، بهدف معالجة التضخّم والركود والفساد.
سينصرف ماجيار إلى تفكيك “الاستثنائيّة الأوربانيّة”، مع تركيز أكبر على إعادة تموضع هنغاريا داخل الفضاء الأوروبيّ، وتعزيز الاندماج الاتّحاديّ، مع إعادة ضبط العلاقة مع روسيا.
ينتمي ماجيار إلى النخبة المجريّة. والده محامٍ بارز، ووالدته قاضية في المحكمة العليا، وجدّه إعلاميّ معروف، وخال والدته الرئيس الأسبق فيرين مادل. شغلت زوجته مناصب وزاريّة وأوروبيّة ضمن حزب أوربان. تدرّج في صفوف الحزب نفسه لعقدين قبل أن ينشقّ، وهو ما منحه معرفة دقيقة ببنية السلطة ومكامن قوّتها وضعفها.
لذلك يُشبَّه صعوده بصعود إيمانويل ماكرون من داخل المنظومة الفرنسيّة، مع فارق أنّ فوزه الكاسح يوحي بأنّه أقرب إلى “انشقاق من الداخل” منه إلى تمرّد خارجيّ.
تكشف خسارة أوربان عن حالة صدام مستمرّ بين غرب أوروبا وشرقها
أوروبا أمام إعادة تشكُّل
تعكس هذه التطوّرات تحوّلات بنيويّة في الخريطة السياسيّة الأوروبيّة، استجابةً لسلسلة من الأزمات الدوليّة، من التوتّر مع روسيا، إلى تداعيات الحروب، وصولاً إلى قضايا الطاقة والممرّات الحيويّة كهرمز.
لا يُنظر إلى سقوط أوربان كحادثة انتخابيّة معزولة، بل كمؤشّر إلى اختلال في توازن الشعبويّة اليمينيّة. مع ذلك، لا يعني هذا تلاشيها، بل استمرارها بزخم أقلّ.
إقرأ أيضاً: من بيروت إلى طهران: تعميم نموذج الأزمات المفتوحة؟
يبقى السؤال المفتوح: هل يتحوّل بيتر ماجيار إلى “الحصان الأسود” لعودة هنغاريا إلى الحضن الأوروبيّ؟ هل يقود نموذجاً محافظاً أقرب إلى الأطلسيّة؟ هل ينجح في ترجمة انتصاره الانتخابيّ إلى بناء مؤسّساتيّ براغماتيّ داخل الاتّحاد؟ أم تعيد الشعبويّة إنتاج نفسها بصيغة جديدة أكثر حذراً ودهاءً؟
لمتابعة الكاتب على X:
