من بيروت إلى طهران: تعميم نموذج الأزمات المفتوحة؟

مدة القراءة 4 د

في خضم التصعيد الأميركي–الإيراني–الإسرائيلي، تتزايد التساؤلات حول مآلات حرب تبدو مفتوحة على احتمالات متعددة، من الحسم العسكري إلى التسويات الرمادية. وبين هذه السيناريوهات، يطفو نموذج لبناني قديم على السطح: “لا غالب ولا مغلوب”. فهل يتحول هذا الشعار إلى إطار إقليمي لإدارة النزاعات؟ وما موقع لبنان من معادلة كهذه؟

 

تدور الحرب الحالية في منطقة تعيش أصلاً على حافة الانفجار، ما يجعل أي قراءة لنتائجها محكومة بدرجة عالية من اللايقين. فلا مسار واضحاً للحسم، ولا مؤشرات حاسمة على نهاية قريبة، بل ضبابية تحكم المشهد، وتعقيد يزداد مع تضارب الاستراتيجيات بين الأطراف المتصارعة.

في هذا السياق، تبدو إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب متأرجحة بين التصعيد والانكفاء. فهو يحتفظ بخياراته مفتوحة، ويستخدم خطاباً متناقضاً يجمع بين التهديد والتفاوض. وقد كسر تقليداً أميركياً راسخاً حين أعلن صراحةً التنسيق العسكري المباشر مع إسرائيل، متخلياً عن سياسة الفصل التقليدي بين العمليات.

في المقابل، تعتمد إيران أسلوباً مركباً يجمع بين الصمود والمناورة، مستندة إلى خطاب أيديولوجي يرفض الاعتراف بالخسارة، حتى في ظل ضربات قاسية طالت بنيتها العسكرية ومراكزها الحيوية. أما إسرائيل، فتمضي في استراتيجية هجومية مفتوحة، مستفيدة من التفوق العسكري، وتسعى إلى إعادة رسم قواعد الأمن الإقليمي بما يخدم مصالحها بعيدة المدى.

تدور الحرب الحالية في منطقة تعيش أصلاً على حافة الانفجار، ما يجعل أي قراءة لنتائجها محكومة بدرجة عالية من اللايقين

حرب بلا حسم: توازن هش بين الخسارة والادعاء بالانتصار

تُظهر مجريات المواجهة أن كل طرف يسعى إلى تسويق نفسه كمنتصر، رغم الخسائر المتبادلة. فالولايات المتحدة تتحدث عن نجاحات عسكرية واستراتيجية، وإسرائيل ترى أنها أضعفت خصمها الإيراني بشكل كبير، فيما تركز طهران على بقاء النظام كدليل على الانتصار.

لكن خلف هذه السرديات المتناقضة، تتبلور فرضية أكثر واقعية: حرب طويلة بلا حسم واضح، تنتهي على الأرجح بتسوية مؤقتة تحت ضغط دولي متزايد، خصوصاً مع تفاقم تداعياتها على الطاقة والممرات البحرية.

هذا النمط من الحروب، الذي لا يفضي إلى انتصار حاسم، يعزز احتمال العودة إلى وقف إطلاق نار هش، يشبه ما شهدته المنطقة في محطات سابقة، حيث ينسحب الجميع من دون اعتراف صريح بالخسارة، مع احتفاظ كل طرف بسرديته الخاصة.

يبرز نموذج “لا غالب ولا مغلوب” كأحد السيناريوهات المحتملة لإنهاء الحرب. هذا الشعار، الذي نشأ في لبنان كصيغة لتفادي الانفجار الداخلي

لبننة” الشرق الأوسط: تسوية مؤقتة أم وصفة لأزمات متجددة؟

في ظل هذا المشهد، يبرز نموذج “لا غالب ولا مغلوب” كأحد السيناريوهات المحتملة لإنهاء الحرب. هذا الشعار، الذي نشأ في لبنان كصيغة لتفادي الانفجار الداخلي، قد يتحول إلى إطار إقليمي لإدارة النزاعات، يقوم على تسويات مرحلية لا تعالج جذور الصراع.

غير أن تعميم هذا النموذج يحمل في طياته مخاطر جدية. فهو، بطبيعته، لا يحسم النزاعات بل يؤجلها، ويُبقي على أسباب التوتر كامنة تحت السطح. وفي حال تطبيقه على مستوى إقليمي، قد يؤدي إلى سلسلة من الاتفاقات الهشة التي تعيد إنتاج الأزمات بشكل دوري.

بالنسبة للبنان، تبدو المفارقة أكثر حدّة. فبينما يُطرح نموذجه كحل، يبقى هو نفسه الحلقة الأضعف في المعادلة. إذ إن التجربة اللبنانية أظهرت أن هذا الشعار، حين يُطبّق بطريقة مشوّهة، يؤدي إلى إضعاف الدولة وتعزيز منطق المحاصصة، على حساب المؤسسات والشرعية.

يبقى السؤال الأساسي: هل تنتهي هذه الحرب بتسوية جزئية تُرضي الجميع ظاهرياً، أم أنها ستفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراعات؟ وفي الحالتين، يظل لبنان أمام اختبار صعب: إما الاستفادة من أي تهدئة لتعزيز الدولة، أو الاستمرار في دفع كلفة التسويات الهشة التي لا تنتج استقراراً حقيقياً.

إقرأ أيضاً: لا فرق لدى إيران بين العدوّ والصّديق!

مواضيع ذات صلة

“عقل” لا يهمّه مصير المواطن الجنوبيّ

سواء دخلت المعادلة الجديدة المتمثّلة في وقف قصف “الحزب” لشماليّ إسرائيل حيّز التنفيذ، في مقابل امتناع الدولة العبريّة عن مهاجمة الضاحية الجنوبيّة، أم لم يحصل…

رفع سوريا من قائمة الإرهاب: هل يفعلها ترامب؟

أعاد الاتّصال الهاتفيّ الأخير بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع ونظيره الأميركيّ دونالد ترامب ملفّ العقوبات إلى الواجهة، بعدما طلب الشرع إزالة ما بقي من القيود…

من دمشق إلى بغداد: ما المهمّة الإقليميّة الجديدة لتوم بارّاك؟

ما بدا في البداية أنّه تعديل إداريّ على مهمّة توم بارّاك الدبلوماسيّة، تحوّل سريعاً إلى مؤشّر إلى إعادة ترتيب أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع…

1982 لا راية بيضاء فوق قلعة الشقيف

في حزيران عام 1982 سأل رئيس الوزراء الإسرائيليّ مناحيم بيغن أحد الجنود الإسرائيليّين في قلعة الشقيف، أمام عدسات التلفاز: “هل كانت لديهم بنادق؟”، فأجاب الجنديّ:…