شكّل الاتّصال الأوّل من نوعه بين سفيرَي لبنان وإسرائيل في الولايات المتّحدة منعطفاً أساسيّاً في النقلة التي ستشهدها طبيعة المفاوضات للمرّة الأولى في تاريخ العلاقات بين البلدَين. إذ كان الاتّصال نقطة أساس نحو الذّهاب إلى الاجتماع التحضيريّ بين السّفيرَين في الأيّام المقبلة، ومن بعدها المفاوضات المباشرة على المستوى السّياسيّ.
كان الأصل في الاتّصال وإعلان المفاوضات تزامنهما مع وصول الوفدَين الأميركيّ والإيرانيّ إلى العاصمة الباكستانيّة إسلام آباد لحضور جلسة المفاوضات الأولى من نوعها أيضاً بين البلدَين منذ قيام نظام الجمهوريّة الإسلاميّة. لكن أين لبنان من كلّ هذا المشهد؟
باتَ لبنان ساحةً متّصلةً – منفصلةً في الوقت نفسه عن مسار المفاوضات الإيرانيّة – الأميركيّة. بكلامٍ آخر تُرِكَ ورقةً تتناتشها إيران وإسرائيل، على أن تنقلبَ الولايات المتّحدة فيها إلى وسيطٍ يرعى أساس التفاوض، وقد كان “أساس” أوّل من كشفَ عن الاتّفاق الإيرانيّ – الأميركيّ على بدءِ مسار تفاوضيّ منفصلٍ بين بيروت وتل أبيب قبل أيّام.
ضغوط لحماية العاصمة؟
من حيث الشّكل ستكون الدّولة اللبنانيّة هي المفاوض المُعلَن، وستكون هي أيضاً مَن سيكون له الفضل في أيّ اتّفاقِ هدنة أو وقفٍ لإطلاق النّار في الأيّام المُقبلة، وستُشكّل هذه الخطوة إن حصلت عليها الدّولة اللبنانيّة دفعاً لمبدأ المسار الدّبلوماسيّ الذي يستطيع حماية لبنان على عكس السّلاح الذي ورّطَ لبنان في محرقة الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة مع إيران قبل أكثر من 40 يوماً.
بالطّبع لن يكونَ مسار التّفاوض سهلاً، لكنّ “الحزبَ” أيضاً موافقٌ على مبدأ التفاوض، بمعزلٍ عن التحرّكات الشّكليّة التي خرجت في محيط السّراي الحكوميّ في اليومَين الماضيَين. وذلك بدليل أنّ سياسيّي “الحزب” من وزراء ونوّاب باتوا يُطالبون بوقف إطلاق النّار قبل الذّهاب إلى المفاوضات. بكلام أوضح، باتَ “الحزبُ” يُعلّق ويتناول جدول الأعمال بدلاً من شكل التّفاوض.
من حيث الشّكل ستكون الدّولة اللبنانيّة هي المفاوض المُعلَن، وستكون هي أيضاً مَن سيكون له الفضل في أيّ اتّفاقِ هدنة أو وقفٍ لإطلاق النّار في الأيّام المُقبلة
يريد لبنان الرّسمي تحصيل هدنة أو وقفٍ للاعتداءات الإسرائيليّة، وأيضاً التفاوض على نقاطٍ تجعل الشّرعيّة اللبنانيّة خياراً وحيداً أمام اللبنانيّين، وتحديداً بيئة “الحزب”. لذلك قد تُعلن في الأسابيع المُقبلة حزمة مساعدات أميركيّة – غربيّة لدعم الجيش اللبنانيّ والقوى الأمنيّة بقيمة مئات ملايين الدّولارات، بحسب ما يذكر مصدر دبلوماسيّ غربي لـ”أساس”.
يكشف المصدر عينه أنّ إسرائيل تبحث بشكلٍ جدّيّ تحييد الضاحية الجنوبيّة لبيروت بشرطِ أن يدخلها الجيش اللبنانيّ ويبدأ حصر السّلاح فيها، قبل أن ينسحب وقف النّار على الجنوب، أي أن تنتقل خطّة الجيش التي كانت قد أُقِرّت بين “نهرَي الليطاني والأوّلي” إلى العاصمة وضاحيتها الجنوبيّة، مقابل وقف الاستهداف والسّماح بعودة النّازحين إلى منازلهم.
يؤكّد المصدر أنّ المملكة العربيّة السّعوديّة ومصر وباكستان لعبوا دوراً محوريّاً وأساسيّاً في الضّغط على الولايات المُتّحدة لتحييد العاصمة بيروت عن دائرة الاستهداف بعد هجمات يوم الأربعاء. لكنّ الجانب الإسرائيليّ لم يعطِ أيّ ضمانة تتعلّق بالاغتيالات في العاصمة، إلّا أنّ المساعي الدبلوماسيّة مستمرّة لمنع استهداف بيروت بشكلٍ تامّ، مقابل بدء الجيش والأجهزة الأمنيّة بتنفيذ قرار مجلس الوزراء حصر السّلاح فيها وبسط سلطة الدّولة بكلّ الأحياء والمناطق في الفترة المُقبلة.
فانس VS قاليباف
ليسَ تفصيلاً اختيارُ الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب لنائبه جي.دي. فانس لتمثيل بلاده. وكذلك اختيار المُرشد الإيرانيّ مجتبى خامنئي لقاليباف ليس تفصيلاً عابراً أيضاً. إذ إنّ فانس هو أرفع مسؤول أميركيّ يحاور إيران منذ 1979، وكذلكَ قاليباف. يعني اختيار كلتا الشّخصيّتَين أنّ ترامب وخامنئي يتفاوضان وجهاً لوجهٍ، وفي الوقت عينه يحميان نفسَيهما من احتمال فشل المفاوضات.

إذا نجحَ فانس وقاليباف في إبرام الاتّفاق، يكونُ ذلك نجاحاً لترامب ومجتبى خامنئي، وإذا فشلا فسيكون الفشل من نصيب فانس وقاليباف. لكن ماذا يعني اختيار فانس وقاليباف للتفاوض؟
باتَ لبنان ساحةً متّصلةً – منفصلةً في الوقت نفسه عن مسار المفاوضات الإيرانيّة – الأميركيّة
– اختيار فانس، وهو من أكثر الشّخصيّات قُرباً من الرّئيس ترامب، يعني تفويضاً رئاسيّاً أميركيّاً على أعلى مستوى. هذا ويُعتبر نائب الرّئيس الأميركيّ من أكثر الشّخصيّات الرّافضة لمبدأ استمرار الحربِ مع إيران والداعية الى التّوصّل لاتّفاقٍ معها انطلاقاً من سياسته الانعزاليّة على مستوى السّياسة الخارجيّة، إذ إنّ فانس من أكثر المؤيّدين لتيّار “MAGA” في الولايات المتّحدة الذي يحمل شعار “أميركا أوّلاً”، وهو من دعاة تصفير الحروب من أجل التفرّغ للصّراع التجاريّ – الاقتصاديّ مع الصّين لأربعة عقودٍ مُقبلة.
– يعني اختيار فانس أنّ صلاحيّة الوفد أوسع في هذه المفاوضات منها في سلسلة الجلسات التي عُقِدَت في سلطنة عُمان وإيطاليا وسويسرا بين نيسان وحزيران 2025 وشباط 2026.
– إنّه رسالة من الرّئيس الأميركيّ بأنّ أولويّته ليست العودة إلى الحربِ بل إبرام اتّفاق، لكنّ هذا لا يعني بالضّرورة أنّه لن يعودَ إليها، وهذا ما بدا واضحاً بضمّ الوفد لصهره جاريد كوشنير المُقرّب من اللوبي الإسرائيليّ في الولايات المُتّحدة.
أمّا اختيار قاليباف فهو يعني الآتي:
– أنّ المرشد مجتبى خامنئي هو من يخوض هذه المفاوضات بشكلٍ مباشر، ومعه جنرالات الحرس الثّوريّ، الجهة الوحيدة في إيران القادرة على إنجاح وتنفيذ أيّ اتّفاقٍ أو إفشاله. وذلكَ على عكس التيّار الإصلاحيّ الذي يُمثّله الرّئيس مسعود بزشكيان والرّئيس الأسبق حسن روحاني ونائب الرّئيس السّابق محمّد جواد ظريف. إذ لم يعد لهذا التيّار بعد صعود “الحرس” إلى سدّة الحكم بشكلٍ مباشرٍ أيُّ تأثير على الاتّفاق، حتّى آليّات التنفيذ فقدوا التأثير عليها.
إقرأ أيضاً: للمرة الأولى: الحرس الثوري على طاولة المفاوضات
– يتطابق اختيار قاليباف مع مواصفات فانس لجهة الصّلاحيّات، على اعتبار قاليباف رئيساً لمجلس الشّورى، علاوة على قرابته وقربه من أسرة خامنئي، وتحديداً من المُرشد الجديد.
لمتابعة الكاتب على X:
