يتميّز الشرق الأوسط عن الأنظمة الإقليميّة الأخرى بخصوصيّة غير مألوفة لجهة الطموحات التوسّعيّة لعدد من دوله.
في حقبة الحرب الباردة، انشطرت أوروبا والعالم بين المعسكرين الغربيّ والشرقيّ. بعد الحرب العالميّة الثانية تصالحت فرنسا وألمانيا، وبعد سنوات سقط جدار برلين وتفكّك الاتّحاد السوفيتيّ بلا حروب.
في المقابل، شهد الشرق الأوسط، بالتزامن مع انتهاء الحرب الباردة وبعدها، حالات توسّع بدافع فائض القوّة والتسلّط، باسم القوميّة أو الدين. اجتاح صدّام حسين الكويت عام 1990 وألغى الدولة والمجتمع وضمّ البلاد إلى العراق لتكون محافظة إداريّة، علماً أنّ الكويت والمملكة السعوديّة ودول الخليج قدّموا دعماً ماليّاً ضخماً للعراق في الحرب مع إيران. ظنّ الرئيس العراقيّ أنّ الاكتفاء بإلغاء الكويت من دون اجتياح المملكة السعوديّة سيكون كافياً لقبول العالم بالأمر الواقع، ويعطيه القدرة على التحكّم بثروات الخليج النفطيّة وأنظمة الحكم، وبالتالي تمدّد النفوذ على الساحة الدوليّة.
يتميّز الشرق الأوسط عن الأنظمة الإقليميّة الأخرى بخصوصيّة غير مألوفة لجهة الطموحات التوسّعيّة لعدد من دوله
من التّوسّع إلى النّوويّ
جاء الردّ مخالفاً لحسابات صدّام حسين، فتمّ تحرير الكويت، بعد قيام تحالف واسع برعاية دوليّة وقيادة أميركيّة، وأُلحقت الهزيمة بالجيش العراقيّ وقائده الذي كان توعّد واشنطن بفيتنام جديدة. أنتج زخم تحرير الكويت مفاوضات عربيّة – إسرائيليّة برعاية أميركيّة أواخر عام 1991. من تداعيات الحدث إطلاق يد حافظ الأسد في لبنان عقب مشاركة سوريا في التحالف العسكريّ في حرب تحرير الكويت، وتردّي علاقات ياسر عرفات مع دول الخليج إثر موقفه الداعم للعراق.
من جهته، سلك نظام البعث في سوريا طريقه التوسّعيّ باتّجاه لبنان بأسلوب متدرّج لأسباب تخصّ الداخل اللبنانيّ وأخرى مرتبطة بمنظّمة التحرير الفلسطينيّة. وقعت ثلاثة صدامات عسكريّة بين الأسد وعرفات في لبنان: في 1976 وفي 1983 في طرابلس، ثمّ حرب المخيّمات في بيروت منتصف الثمانينيّات. بعد انتهاء الحرب عام 1990، مارست دمشق سيطرة كاملة على لبنان بغطاء إقليميّ ودوليّ، وبات لإيران نفوذ واسع في لبنان عبر “الحزب” الذي احتكر المواجهات العسكريّة مع إسرائيل في الجنوب.
حالة أخرى من التوسّع الإقليميّ أطلقتها إيران بدوافع دينيّة لا باسم القوميّة المعهودة. مع الثورة الإسلاميّة جاءت “صادرات” إيران تحت راية ولاية الفقيه. سرعان ما اصطدمت بدول الجوار، لا سيما المملكة السعوديّة ومصر والأردن وسواها، وتحالفت مع سوريا وهادنت تركيا. أمّا فلسطين فكانت في صلب الاهتمامات. أيّدت إيران ياسر عرفات ثمّ عارضته بعد اتّفاق أوسلو، ودعمت الحركتين الإسلاميّتين المعارضتين للسلطة الوطنيّة، حركتَي حماس والجهاد الإسلامي، وكذلك “الحزب” في لبنان والحركات الشيعيّة المعسكرة في العراق واليمن. استفادت إيران من ظروف ملائمة فأقامت قواعد صلبة من النفوذ الإقليميّ في سوريا ولبنان والعراق وفلسطين واليمن.
إلّا أنّ طموحات إيران الإسلاميّة تجاوزت النطاق الإقليميّ لتصل إلى السلاح النوويّ، فأصبحت في مواجهة مباشرة مع أميركا ودول أخرى. قبل ذلك، حاول صدّام حسين تطوير قدرات نوويّة، سرعان ما قضت عليها إسرائيل بعمليّة عسكريّة عام 1981. مأزق إيران أنّ محاولة دخولها النادي النوويّ جاءت متأخّرة، بعد الهند وباكستان وكوريا الشماليّة وإسرائيل والدول الكبرى. لكن خلافاً لدول إقليميّة توسّعيّة أخرى لم تقف إيران عند حدود الممكن، بل تجاوزته حتّى باتت مصدر خطر على جهات خارج المنطقة، إلى أن وقعت الحرب مع أميركا ترامب.
أولويّة إسرائيل، التي تعتمد على دعم أميركا في السياسة والعسكر والاقتصاد، محورها فلسطين وغايتها القضاء على حلّ الدولتين ومواجهة إيران
ساحة للنّزاعات؟
أمّا إسرائيل فهي درّة تاج المشاريع التوسّعيّة في المنطقة. تأتي في صدارة حالات التوسّع الإقليميّ منذ أن أطلقت الحركة الصهيونيّة مشروع التوسّع الاستيطانيّ في فلسطين في عشرينيّات القرن الماضي. لم يكن ممكناً للمشروع الصهيونيّ أن يرى النور إلّا على حساب غيره وبوسيلة القوّة والاعتداء. بعد إعلان الدولة في 1948 اعترفت الدول الكبرى بإسرائيل، لا سيما الاتّحاد السوفيتيّ والولايات المتّحدة. لم توفّر إسرائيل فرصة لمواجهة الأعداء، من جمال عبدالناصر في حرب السويس، مروراً بمنظّمة التحرير، وصولاً إلى المرحلة الراهنة.
أمّا اليوم فالأوضاع مختلفة. أولويّة إسرائيل، التي تعتمد على دعم أميركا في السياسة والعسكر والاقتصاد، محورها فلسطين وغايتها القضاء على حلّ الدولتين ومواجهة إيران. لا تسعى إسرائيل إلى الانخراط الكامل في المحيط الإقليميّ، وتعلم أنّه بعيد المنال، بقدر ما تسعى إلى تحييده، مثلما حصل عندما سارت بمعاهدتَي السلام مع مصر والأردن. سلام إسرائيل المنشود هو تطبيع بالحدّ الأدنى مع المحيط العربيّ بهدف إخراج خيار الدولة الفلسطينيّة من المعادلة.
إقرأ أيضاً: الأميركيّ والإيرانيّ شريكان في الابتزاز!
بدورها تسعى تركيا رجب طيّب إردوغان إلى التوسّع الإقليميّ، ولا توفّر فرصة للتدخّل في أيّ مكان، إلّا أنّها سارت أخيراً بتسوية الممكن مع الأكراد في سوريا بوساطة أميركيّة. التوسّع الإسرائيليّ والإيرانيّ والتركيّ لجهة السيطرة والنفوذ، على اختلاف الغايات والأساليب، ساحته العالم العربيّ. حتّى السلاح النوويّ الذي استحال استعماله من قبل الجبّارين زمن الحرب الباردة، ليست الجدوى منه سوى الاستقواء، علماً أنّ المواجهة النوويّة وصفة أكيدة للدمار الشامل.
الواقع أنّ الطموحات التوسّعيّة في المنطقة انطلقت مع نشوء الدول، إلّا أنّها ظلّت ضمن ضوابط فرضتها الدول الكبرى. يبقى أخيراً أنّ الشرق الأوسط ساحة نزاعات لأغراض توسّعيّة دافعها فائض القوّة وغايتها تسلّط الحكّام وضحاياها المحكومون، وإن اختلفت الغايات والشعارات بين حقبة وأخرى.
