يجدُ الباحث عن ترجمة اسم “قاليباف” من الفارسيّة إلى العربيّة أنّه ينقسمُ إلى جزءين: “قالي” و”باف”. الأولى تعني “حائكاً” والثّانية ترادف “السّجّاد”، وهكذا تكون التّرجمة الحَرفيّة لاسم “قاليباف” حائك السّجّاد.
محمّد باقر قاليباف، أو محمّد باقر “حائك السّجاد”، رئيس مجلس الشّورى الإسلامي في إيران، أحد أبرز رجالات نظام الجمهوريّة الإسلاميّة، ضابطٌ سابقٌ في “حرس الثّورة الإسلاميّة”، وقريبٌ ومُقرّبٌ من أسرة خامنئي ورفيق دربِ الجنرال قاسم سُليْماني.
عايشَ قاليباف كلّ تجربة المُؤسّسات في إيران، بدءاً من خنادق الحربِ مع إيران، التي جمعته بسليْماني، وصولاً إلى رئاسة البرلمان، ومروراً بتسلّم منصبِ عُمدة العاصمة طهران.
يُشبه قاليباف النّظام، أو ربّما النّظام يُشبهه. يستثمر النّظام شديدي الولاء ويمنح الفرص للنّاجين من معارك الدّاخل والخارج، وهكذا هو قاليباف.
يُعتبر محمّد باقر قاليباف أحد أبرز رجالات مؤسّسة الحرس الثّوريّ، وهي المؤسّسة القابضة على الحُكمِ في إيران بشكلٍ كاملٍ منذ لحظة اغتيال المُرشد علي خامنئي
أصول مهنة “القاليباف”
لا تُعتبر مهنة “حياكة السّجّاد” مهنة في الوجدان الفارسيّ وحسب، بل هي صورة تاريخيّة – ثقافيّة لها عمقها الضّارب في جذور الثّقافة المجتمعيّة في إيران. إذ تجمعُ هذه المهنة بين 3 عناصر، يُمكن إسقاطها على مهمّة التفاوض مع الولايات المُتّحدة التي باتت من مسؤوليّة محمّد باقر قاليباف بعد اغتيال أمين مجلس الأمن القوميّ علي لاريجاني:
- الصّبر الاستراتيجيّ: تحتاجُ مهنة حياكة السّجّاد إلى صبرٍ طويلٍ، إذ يجلس “الحائك” لأشهر طويلة وهو يحوكُ العقدة تلوَ الأخرى لإتمام اللوحة الأخيرة. واليوم مهمّة محمّد باقر قاليباف هي غزلُ خيوط أيّ اتّفاقٍ مُحتمل يضمن “النّسيج” النّهائيّ من التمزّق أو التّنصّل.
- تشابك العقد: ليسَت المفاوضات مع واشنطن خطّاً مستقيماً، بل مجموعة “عقد” مُتشابكةٍ من المصالح والمطبّات عنوانها: المصالح، العقوبات، والضّمانات. هناك يأتي دور “الحائك السّياسيّ” ليعرفَ متى يشدّ الخيْطَ ومتى يرخيه، ويختارَ الألوان التي تتناسبُ مع هويّة السّجّادة.
مهمّة قاليباف اليوم هي أن يختبِرَ متانة الخيوط التي بين يديه. بالنسبة للنظام الإيرانيّ، أيّ اتّفاقٍ لا يضمنُ وقف الحربِ ورفع العقوباتِ كاملة ويوقف الضّغوط، هو خيطٌ واهنٌ لا يصلحُ للحياكة.
- النّتيجة النّهائيّة: لا تُعتبر المفاوضات بالنّسبة لقاليباف ورقة سياسيّة لتوقيعها وحسب. هل هي “لوحة سجّادةٍ” ينبغي أن تكونَ متوازنة الأركانِ، تماماً كما هو حال “السّجّاد الإيرانيّ” الذي تزداد قيمتهُ كُلّما كانَت حياكتهُ مُتقنةً أكثر في أدقّ تفاصيلها، فالخطأ في غرزةٍ واحدةٍ كفيلٌ بإفساد التّصميم كاملاً.
لا تدير إيران تبادل الرّسائل مع واشنطن بصيغةِ “نعم” أو “لا”، بل هي عمليّة “حياكة سياسيّة” يقودها نهجٌ اسمه “قاليباف” يرى أنّ الاتّفاقَ النّاجح هو الذي يُنسج ببطءٍ وأعصابٍ باردة ليتوافق مع القياسات التي تُريدها طهران.
ميزة “الشّرعيّة”
يجمعُ محمّد باقر قاليباف بين 3 ميزاتٍ تمنحهُ “الشّرعيّة” لإبرام أيّ اتّفاقٍ مع الولايات المُتّحدة، وتتيحُ له إمّا “التّراجع التكتيكيّ” أو حتّى “التّنازل الاستراتيجيّ”، الذي يُشبه “تجرّع كأس السّمّ” الذي استطاع المؤسّس روح الله الخمينيّ حملَ “وزره” لوقف الحرب مع العراق:
- يُعتبر محمّد باقر قاليباف أحد أبرز رجالات مؤسّسة الحرس الثّوريّ، وهي المؤسّسة القابضة على الحُكمِ في إيران بشكلٍ كاملٍ منذ لحظة اغتيال المُرشد علي خامنئي. صعدَ في صفوف “الحرسِ” منذ مشاركته في الحرب العراقيّة – الإيرانيّة، وتدرّج بصفوف الحرس حتّى باتَ من أصغرِ قادته سنّاً. لعبَ دوراً أساسيّاً في برنامج الصّواريخ البالستيّة. ونسجَ علاقةً متينة بقاسم سليماني بعد علاقةٍ شخصيّة بدأت بين الرّجليْن بخنادق الحربِ مع صدّام حسين حين جمعتهما “الفرقة 21 إمام رضا”.
لم يقف دوره في الحرس الثّوريّ عند حدود “العسكر”. إذ ساهمَ في تمدّد الحرس اقتصاديّاً وسياسيّاً بعد انتهاء الحربِ مع العراق، على عكس الآلاف الذين غادروا صفوف “الحرس” بعد انتهاء الحرب. في هذا الإطار، تولّى قيادة “مجمّع خاتم الأنبياء” الذّراع الاقتصاديّة للحرس الثّوريّ ونقله من مؤسّسة هندسيّة تُعنى بإعادة الإعمار، إلى أهمّ إمبراطوريّة ماليّة – اقتصاديّة في إيران.
تبادل الرّسائل لا يزال في إطار “جسّ النّبض” أكثر منه مساراً تفاوضيّاً واضحاً. هذا يعني أنّ أيّ انتقالٍ فعليّ نحوَ عمليّة التسوية سيبقى رهينة توافر الحدّ الأدنى من الثّقة المفقودة بين الأطراف
- تربطهُ علاقة قرابةٍ لجهة زوجته بأسرة خامنئي، التي تنحدرُ مثلَ قاليباف وزوجته زهراء مشير من مدينة مشهد. لا تُعتبر مشهد مدينة دينيّة في إيران وحسب، بل هي خزّان النّخب الإيرانيّة، وفيها تتقاطع المؤسّسة الدينيّة مع مؤسّسات الحرس الثّوريّ. في بلدٍ مثل إيران لا تُعتبر العلاقة العائليّة بأسرة المُرشد علاقة عاديّة، بل هي “حصانة” كاملة وشرعيّة ثوريّة ودينيّة، وهذا ما يُفسّر نجاة قاليباف من تورّطه في ملفّات فساد أثناء تولّيه عمدة طهران.
أُثير جدل حول دور مؤسّسات مرتبطة بأسرتِهِ، ومنها جمعيّة خيريّة كانت زوجته زهراء من القائمين عليها، وحول اسم نجلهِ في ملفّات أخرى، حتّى ظهرت فضيحة “سيسموني غيت” في 2022 لتضيف إلى صورته عبئاً جديداً، حين أُثيرت ضجّة واسعة حول رحلة عائليّة إلى تركيا لشراء مستلزمات غالية الثّمن. على الرّغم من عدم وصول القضيّة إلى مآلات قانونيّة، عزّز تراكم شُبهات الفساد الانطباع بأنّ قاليباف نموذج عن صورة السياسيّ الذي تحيط به شبكات المصالح والامتيازات، بعيداً عن “تضحياته الجهاديّة” وشخصيّته “الثّوريّة”.
- رئاسة البرلمان الإيرانيّ، حيث استطاع محمّد باقر قاليباف أن يكونَ “المُترجم” لما يريده “الحرس” من تشريعات وقوانين، مثل “قانون العمل الاستراتيجيّ لرفع العقوبات” الذي أُقِرّ في إطار الرّدّ على انسحاب الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب في 2018 من “خطّة العمل المُشتركة” أو “الاتّفاق النّوويّ” المُوقّع في 2015. يشمل مشروع القانون السّماح بتخطّي النّسب والكميّات التي يُحدّدها الاتّفاق بشأن تخصيب اليورانيوم.
تجعل هذه الميزات قاليباف من الشّخصيات القليلة القادرة على موازنة طموحات الحرس الثّوريّ وفيلق القُدس وبيت المُرشد الجديد مع متطلّبات الدّبلوماسيّة الدّوليّة. لذلكَ أيّ اتّفاقٍ أو مفاوضاتٍ تحملُ توقيع قاليباف تعني أنّ:
- الحرس الثوريّ راضٍ عن الاتّفاق لأنَّ قاليباف شريكه الماليّ والعسكريّ.
- المُرشد مجتبى خامنئي منح الضّوء الأخضر عبر قناة “الثّقة العائليّة”.
- الدّولة الإيرانيّة كجهاز بيروقراطيّ مُستعدّة للتنفيذ.
الاختبار ثمّ تبادل الرّسائل
بعد اغتيال علي لاريجاني، اختبرَت الولايات المُتّحدة قدرة قاليباف الدّاخليّة، فكانَت أن أرسلت عبر باكستان طلباً إلى قاليباف للسّماح بمرورِ 4 ناقلات تحمل النّفطَ والغاز عبر مضيق هرمز. وهذا ما حصلَ وكشفَ عنه الرّئيس دونالد ترامب.
لكنّ حقيقة الأمر أنّ ما جرى ليسَ خوفاً أميركيّاً من مواجهةٍ بحريّة، بل اختبار لمدى قدرة قاليباف على القرار والسيطرة داخل مؤسّسة الحرس الثّوريّ. وما إن عبرت النّاقلات بسلامٍ، ووقفت تحرّكات الحرس في “المضيق” لحين عبورها، ثبت لدى الإدارة الأميركيّة أنّ قاليباف يُمسكُ بخيوط الحربِ والسّلمِ في طهران، فكانَ الضّوء الأخضر لبدءِ تبادل الرّسائل.
يُشبه قاليباف النّظام، أو ربّما النّظام يُشبهه. يستثمر النّظام شديدي الولاء ويمنح الفرص للنّاجين من معارك الدّاخل والخارج، وهكذا هو قاليباف
لم يصل تبادل الرّسائل إلى حدّ المفاوضات السّياسيّة المباشرة. تتعاطى إيران بحذرٍ مع العرض الأميركيّ خشيةَ أن يكونَ فخّاً أميركيّاً إلى حين تحضير مفاجأة عسكريّة، وذلك انطلاقاً من تجربتَيْ ما قبل جولة الـ12 يوماً في حزيران الماضي، والحرب الحاليّة، خصوصاً أنّ واشنطن تُعزّز حضورها العسكريّ في المنطقة بالتّزامن مع الحديث عن تبادل الرّسائل لخفض التصعيد.
تحملُ الطّلبات الأميركيّة الـ15 الكثير من النّقاط، التي في حال قبلت بها إيران تكون كمن يُوقّع على هزيمةٍ مكتملة الأركان، ومنها طلب تدمير منشآت “فوردو” و”نطنز” و”أصفهان” وتسليم اليورانيوم المخصّب الذي قد يُستخدم عسكريّاً، ومدى الصّواريخ البالستيّة ومسألة الهيمنة على مضيق هرمز.
جاءَ الرّدّ الإيرانيّ سلبيّاً، بحسب ما نقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول إيرانيّ رفيع. لكنّ إيران لم تُغلق الباب نهائيّاً، ومن جهتها تشدّدت أيضاً بمطالبها، وهي:
- الإقرار بنفوذ إيران على منطقة مضيق هرمز، وأعطت إشارة إلى نيّتها خفض التصعيد عبر إعلانها السّماح بمرور النّاقلات “غير المعادية” في المنطقة.
- رفع العقوبات بشكلٍ كاملٍ، وفصلها عن مسألة التعويضات، إذ كانت واشنطن قد اقترحت أن يكون رفع العقوبات بشكلٍ كاملٍ بمنزلة التعويضات التي تطالب بها طهران.
- وجود ضمانات أميركيّة لعدم تكرار الهجمات الإسرائيليّة، ووقفها بأيّ اتّفاقٍ مع أميركا، لا أن يستمرّ هجوم إسرائيل.
- وقف الحرب الإسرائيليّة على “الحزبِ” في لبنان ضمن أيّ اتّفاقٍ لوقف الحرب مع إيران.
إقرأ أيضاً:
يزيدُ الوضعَ ضبابيّةً غيابُ التأكيد الإيراني الرسميّ للمفاوضات أو تبادل الرسائل، وقد يجعل انعدام الثّقة الإيرانيّين أكثرَ حذراً. فيما قلق إسرائيل من الاتّفاق الذي لا يضمن مخاوفها الأمنيّة والسّياسيّة قد يدفعها إلى إفشال المسار السّياسيّ.
في المحصّلة يمكن القول إنّ تبادل الرّسائل لا يزال في إطار “جسّ النّبض” أكثر منه مساراً تفاوضيّاً واضحاً. هذا يعني أنّ أيّ انتقالٍ فعليّ نحوَ عمليّة التسوية سيبقى رهينة توافر الحدّ الأدنى من الثّقة المفقودة بين الأطراف، وكذلكَ خفض مستوى التصعيد، وهذا ما لا يبدو مُتحقّقاً بالحدِّ الأدنى حتّى السّاعة.
