روسيا والصين في العقل الأميركي

مدة القراءة 4 د

في 11 آب 1984 كانت محطّة إذاعية أميركية تُجري مقابلة مع الرئيس رونالد ريغان. قبل بدء التسجيل الرسمي طلب المذيع من الرئيس أن يقول أيّ شيء لاختبار الصوت والتأكّد من سلامة التسجيل، فقال ريغان: “أحبّائي الأميركيين يسعدني أن أخبركم أنّني وقّعت للتوّ على تشريع يُلغي وجود روسيا إلى الأبد. إنّ القصف سوف يبدأ بعد خمس دقائق”.

 

العقل الأميركي الباطن

تعبر هذه المزحة عن عمق ما في العقل الباطني الأميركي. وهي تعبّر اليوم عن عمق ما في عقل الرئيس جو بايدن الذي لم يخفِ مشاعره ورغبته في أن يرى الاتّحاد الروسي دولة تُضاف إلى مجموعة غرب آسيا فحسب.

حتى نهاية عهد الرئيس الأسبق رونالد ريغان كان الاتحاد السوفييتي، ثمّ الاتحاد الروسي، العقبة الأخيرة في وجه الهيمنة الأميركية المطلقة على العالم. كانت أوروبا في الحضن. وكانت الصين تعاني من الفقر والجهل والانقسامات الداخلية. وكانت باقي دول العالم الكبرى حليفة مطيعة للعمّ سام.

اعتمد الرئيس جو بايدن استراتيجية معاكسة: أعاد الاعتبار إلى حلف شمال الأطلسي وتمكّن فعلاً من توسيعه  ورفع مستوى تسلّحه وتعزيز عصبيّته من موقع العدوّ للاتّحاد الروسي

لكن عندما بدأ المارد الصيني يطلّ برأسه من قمقمه، سارع الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون إلى بكين لاحتوائها مبكّراً بهدف قطع الطريق أمام أيّ تحالف صيني – سوفييتي (أو صيني – روسي) يمكن أن يفرض واقعاً جديداً على المعادلات الدولية. لم ينجح نيكسون فقط في الانفتاح الاحتوائيّ للصين، لكنّه نجح أيضاً في غرس مسمار في قلب العلاقات الصينية – الروسية. ولذلك صنّفه وزير خارجيّته كيسنجر (عمره الآن قرابة مئة سنة) في كتابه “القائد”، الذي صدر قبل أسابيع فقط، بين الرؤساء السبعة في العالم الذين تركوا بصمة تغييرية في التاريخ المعاصر.

كانت الاستراتيجية الأميركية تقوم حتى ذلك الوقت على أساس قطع الطريق على أيّ تحالف روسي – صيني. ولم يكن الهدف احتواءهما في نظام عالمي تتزعّمه الولايات المتحدة فحسب، بل كان الهدف أيضاً امتلاك عناصر اللعبة التي تستعدي أحدهما على الآخر، تحقيقاً للهدف الذي أعرب عنه الرئيس ريغان مازحاً.

لم تعِش هذه المعادلة طويلاً. فالصين خرجت من القمقم بعد عقود طويلة من محاولات الخنق والاختناق. وبدلاً من احتواء الصين، أدّت سياسة الرئيس جو بايدن إلى استعدائها، ثمّ إلى دفعها نحو التعاون مع روسيا. فكانت النتيجة التي تواجهها الولايات المتحدة اليوم: استعداء قوّتين نوويّتين معاً بدلاً من استعداء إحداهما على الأخرى.

بايدن الأطلسي وروسيا

اعتمد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب استراتيجية تقوم على قاعدتين: الأولى هي حلّ حلف شمال الأطلسي وإقامة تحالف إنكلو – سكسوني مع بريطانيا. الثانية هي التخلّي عن التحالفات الأميركية مع دول شرق آسيا (اليابان وكوريا الجنوبية) واعتماد استراتيجية تعاون مع دول المحيط الباسيفيكي. لم تكد هذه الاستراتيجية تخرج إلى النور حتى انهارت بسبب فشل ترامب في العودة إلى البيت الأبيض.

اعتمد الرئيس جو بايدن استراتيجية معاكسة: أعاد الاعتبار إلى حلف شمال الأطلسي وتمكّن فعلاً من توسيعه (شمالاً بضمّ الدول الاسكندينافية) ورفع مستوى تسلّحه وتعزيز عصبيّته من موقع العدوّ للاتّحاد الروسي.

ويعمل الرئيس بايدن الآن على تكوين ما يشبه هذا الحلف في الشرق الأقصى مع حلفاء الولايات المتحدة التقليديين: اليابان وكوريا الجنوبية والفيليبين حتى أستراليا.

هكذا تتولّى دول حلف شمال الأطلسي الأوروبية مواجهة روسيا من بوّابة أوكرانيا، فيما تتولّى دول الحلف المشابه له في الشرق الأقصى مجابهة الصين من بوّابة تايوان.

فُتح الباب الأوّل على مصراعيه، فمتى يُفتح الباب الثاني؟

 

مواضيع ذات صلة

رسائل انخراط محدود: أين اختفى حلفاء إيران؟

تواجه إيران اليوم اختباراً مزدوجاً: الحفاظ على نفوذها عبر أذرعها الإقليميّة، وفي الوقت نفسه التعامل مع الضغوط الداخليّة والخارجيّة التي أصبحت هذه الأذرع أحد أسبابها….

موسكو والحرب: الوجود الأميركيّ لم يحمِ الخليج

مثلما تورّطت إيران وإسرائيل في حرب روسيا مع أوكرانيا، بانحياز كلّ منهما تباعاً، الأولى لموسكو بتزويدها بالمسيّرات، والثانية بمنحها كييف أسلحة، تنظر القيادة الروسيّة إلى…

فخامة الرّئيس…. ” مش ماشي الحال”

قبل الدخول في حيثيّات الحكم الصادر عن المحكمة العسكريّة أمس بقضيّة عناصر “الحزب” الثلاثة الذين تمّ توقيفهم خلال نقلهم لأسلحة وصواريخ غير مرخّصة، والذي فرض…

برّي “يحفر” بالتراكم وسلام باستثنائية جرأته..

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس القرارات بالقدرة الفورية على تنفيذها، بل بما تُحدثه من تغيير معنوي وسياسي مؤكد وعميق. هكذا يمكن قراءة قرار الحكومة…