بين مقابلة الشرع وزيارة الشيباني

مدة القراءة 5 د

ثمة مشهدان متزامنان يكشفان معاً ما لا يكشفه كلٌّ منهما منفرداً.

المشهد الأول هو الرئيس السوري أحمد الشرع في مقابلة تلفزيونية قرر أن يخصصها للعلاقات اللبنانية ـ السورية، وقال فيها، بلغة هادئة ومدروسة إن سوريا الجديدة لن تتدخل في لبنان، وإن دورها سيكون “من خلال المؤسسات اللبنانية والدولة اللبنانية”، وإن عهد الوصاية طُوي إلى غير رجعة.

المشهد الثاني هو وزير خارجيته أسعد الشيباني في بيروت، يجول على رؤساء أحزاب ورؤساء طوائف، ويزور حواضر بعينها، متنقلاً على خريطة لبنان الطائفية والسياسية بطلاقة من يحفظ مفردات القاموس القديم للعلاقات بين البلدين.

بين المشهدين مسافة لا يمكن تجاهلها.

تحمل زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في الشكل المبالغ فيه، ملامح من السلوك السوري القديم تجاه لبنان، وتكشف عن فجوة يصعب القفز فوقها

حاجة سوريا ولبنان إلى بعضهما البعض

الجديد الأبرز في خطاب الشرع هو قطيعته الواضحة مع منطق الوصاية. حين رفض التدخل العسكري في لبنان رغم وجود غطاء أميركي صريح أتاحه تصريح الرئيس دونالد ترامب. قال الشرع إن سوريا الجديدة لا تسعى إلى استعادة أدوار الماضي بأثواب جديدة. لهذا الموقف ثقله السياسي الاستثنائي بصرف النظر عن الظروف الموضوعية لقدرات سوريا الراهنة التي لا تسمح موضوعياً بمثل هذا التدخل.

الجديد الثاني هو رؤيته الاقتصادية للعلاقة بين البلدين، فحين قال إن بيروت هي الواجهة البحرية لدمشق وطرابلس هي الواجهة البحرية لحمص، كان الشرع يعيد تأطير العلاقة مع لبنان من زاوية الشراكة والتكامل الاقتصادي لا من زاوية النفوذ السياسي والهيمنة الأمنية والعسكرية. فسوريا التي تتموضع اليوم كعقدة ربط استراتيجية بين الشرق والغرب تحتاج منافذ لبنان البحرية، ولبنان الذي يبحث عن إعادة إنتاج دور اقتصادي يحتاج إلى العمق السوري.

الجديد الثالث هو براغماتيته في ملف “الحزب” والعلاقة بالطائفة الشيعية. إعلانه الاستعداد للجلوس مع الحزب إذا خدم ذلك لبنان، مع إدانته الواضحة لتدخل الحزب في سوريا، يعكس تفكيراً سياسياً ناضجاً ومسؤولاً يفصل بين محاسبة التاريخ وإدارة الحاضر.

لبنان دولة تتوزع سلطتها الفعلية على زعماء طوائف وأمراء أحزاب ومناطق نفوذ. ومن يريد أن يبني علاقة مع لبنان الحقيقي لا لبنان الرسمي الهشّ، يجد نفسه مضطراً إلى سلوك الشيباني لا إلى بروتوكول الشرع

القديم اللبناني نحو سوريا الجديدة

في المقابل تحمل زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في الشكل المبالغ فيه، ملامح من السلوك السوري القديم تجاه لبنان، وتكشف عن فجوة يصعب القفز فوقها.

الشرع قال في مقابلته إن الدور السوري في لبنان يجب أن يكون “من خلال المؤسسات اللبنانية والدولة اللبنانية”، لكن الشيباني جال في يوم واحد على رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب والمفتي والبطريرك الماروني وقادة احزاب، قبل أن يختتم لقاءاته بزيارة شعبية حاشدة إلى طرابلس. تتجاوز خارطة الزيارة  البروتوكول الدبلوماسي وترسم شبكة نفوذ كاملة مع الزعيم والشيخ والمدينة والطائفة.

هنا تقتضي الأمانة القول إن الشيباني لم يأتِ من فراغ، بل جاء بدعوة من لبنان الذي يطالب بأن يُعامَل كدولة ذات سيادة، ثم يبادر هو نفسه إلى فتح أبوابه الطائفية والحزبية للضيف الدمشقي. ‏الزيارة بهذا المعنى ليست تناقضاً سورياً فقط، بل هي الحقيقة الأعمق والأكثر إزعاجاً ومفادها أن لبنان كان طرفاً فاعلاً في إنتاج تفاصيلها، مكرراً بذلك عادة قديمة متجذرة: استجلاب الخارج لحل تناقضات الداخل.

الشيباني لم يأتِ إلى بيروت لأن دمشق قررت التمدد. جاء لأن أبواباً لبنانية فُتحت له، ولأن أصواتاً لبنانية رحّبت بإتساع رقعة زيارته، ولأن مدناً بعينها أرادت أن تقول لدمشق “نحن هنا، ونحن معكم”. لكن ثمة من رأى فيها تخويفاً ضرورياً للـ “الحزب” لا بد منه ولا حرج يترتب عليه.

لبنان بسلطات ومناطق نفوذ كثيرة

لو أن المؤسسات اللبنانية كانت تعمل بكامل طاقتها، ولو أن الدولة اللبنانية كانت تمتلك سلطة مركزية فعلية، لكانت الزيارة عبر البروتوكول مختلفة تماماً: وزير خارجية يلتقي وزير خارجية، ورئيس حكومة يلتقي رئيس حكومة، ومؤسسة تتحدث إلى مؤسسة.

إقرأ أيضاً: ترامب حاضر في “خلوة” برّي – الشيباني..

لكن لبنان ليس كذلك. لبنان دولة تتوزع سلطتها الفعلية على زعماء طوائف وأمراء أحزاب ومناطق نفوذ. ومن يريد أن يبني علاقة مع لبنان الحقيقي لا لبنان الرسمي الهشّ، يجد نفسه مضطراً إلى سلوك الشيباني لا إلى بروتوكول الشرع.

السؤال الكامل هو: هل قرر اللبنانيون أن يتوقفوا عن تعبيد الطرق أمام شهوات الوصاية الكامنة في كل علاقة سورية مع لبنان؟

هذا السؤال لا يُجيب عنه الشرع ولا الشيباني. يُجيب عنه اللبنانيون وحدهم، في لحظة يقررون فيها أن يبنوا دولة لا تحتاج إلى ملء فراغها من الخارج. يبدو تلك اللحظة لم تأتِ بعد. وحتى تأتي، ستظل الوصاية تُستدعى، وتجد باباً مفتوحاً، بصرف النظر عمّن يجلس في قصر المهاجرين ومن يحمل حقيبة الخارجية السورية.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@NadimKoteich

مواضيع ذات صلة

“صولة الفجر” في بغداد توقظ بيروت؟

يفتح العراق معركة طال انتظارها ضد شبكات المال. ما جرى في المنطقة الخضراء وغيرها ليس تفصيلاً قضائياً عابراً، بل زلزال سياسي نُفذ بالدبابات وضرب قلب…

الدّنيا من دون المصريّين… اكتئاب

ليس في الأمر أيّ مبالغة. فمنذ وعينا على هذه الدنيا ونحن نسمع أنّ مصر أمّ الدنيا، وأنّها ليست دولة عربيّة كبيرة وحسب، بل حالة حضاريّة…

ترامب حاضر في “خلوة” برّي – الشيباني..

أشاحت زيارة وزير الخارجيّة السوريّ أسعد الشيباني لبيروت الخميس الفائت قليلاً الانتباه عن الانقسام الداخليّ حيال الاتّفاق اللبنانيّ ـ الإسرائيليّ الآخذ في التصاعد والتفاقم. ليست…

التّوفيق بين “المذكّرة” و”الإطار”: البداية انسحاب “الحرس”

بانتظار الانسحاب الإسرائيليّ من “المناطق التجريبيّة”، التي سيتسلّمها الجيش ويفرض سلطته فيها بلا أيّ وجود مسلّح آخر، وفق “اتّفاق الإطار” اللبنانيّ الإسرائيليّ، هناك خشية من…