مفاوضات واشنطن على “الساعة السّويسريّة”

مدة القراءة 7 د

منذ يوم أمس انضبطت مفاوضات واشنطن اللبنانيّة- الإسرائيليّة تحت سقف لم يعد بالإمكان تجاوزه، كرّسه مسار مفاوضات Lucerne في سويسرا، لجهة معطيَين أساسيَّين: الأوّل، إنشاء آليّة تنسيقيّة أميركيّة – إيرانيّة – قطريّة – لبنانيّة في ما يخصّ لبنان. الثاني، سلاح “الحزب” واستقرار الجنوب يحتاجان إلى حوار معمّق مع الإيرانيّين، واستطراداً الملفّ اللبنانيّ بات جزءاً، بمباركة دوليّة – خليجيّة، من التفاهمات الإقليميّة الأوسع.

 

جلس الوفدان اللبنانيّ والإسرائيليّ مجدّداً أمس إلى طاولة التفاوض في واشنطن، برعاية أميركيّة، مزوّدين باقتراح “مسبق الدفع” في سويسرا قائم على إنشاء خليّة مراقبة أميركيّة – إيرانيّة – قطريّة لتثبيت وقف إطلاق النار في لبنان تمهيداً لوضع جدول زمنيّ لانسحاب القوّات الإسرائيليّة، والإفراج عن الأسرى اللبنانيّين بالتزامن مع انسحاب “الحزب” من المناطق التي سيُتّفق عليها.

توسّع إطار “التفاوض المباشر” اللبنانيّ – الإسرائيليّ فعليّاً نحو إشراك إيران وقطر، بالتنسيق مع المملكة السعوديّة وباكستان، ضمن آليّة خفض التصعيد وتثبيت الاستقرار على جانبَي الحدود، على أن يكون المدخل الأوسع للبحث في الترتيبات الأمنيّة المرتبطة بالانسحاب الإسرائيليّ الشامل، وتسليم” الحزب” سلاحه، وعودة الجنوبيّين إلى قراهم، وبدء إعادة الإعمار.

هي المرّة الأولى، منذ انطلاق مفاوضات واشنطن في 16 نيسان، التي تُعقد فيها الاجتماعات اللبنانيّة – الإسرائيليّة وسط وقف إطلاق نار جدّيّ وشبه شامل ترافق مع إعلان إسرائيليّ رسميّ عن “تقييد العمليّات العسكريّة”، ووقف التقدّم البرّيّ، مع التلويح بورقة البقاء في المنطقة الأمنيّة العازلة، وهي تتجاوز جنوب الليطاني نحو شماله.

جلس الوفدان اللبنانيّ والإسرائيليّ مجدّداً أمس إلى طاولة التفاوض في واشنطن، برعاية أميركيّة، مزوّدين باقتراح “مسبق الدفع” في سويسرا

لكن أعادت إسرائيل أمس رفع وتيرة ردّة فعلها على الاتّفاق من خلال البيان المشترك لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان أيال زامير الذي أعلن “مواصلة العمل بحزم لإحباط تهديدات “الحزب”، والحفاظ على المنطقة الأمنيّة في جنوب لبنان”، إضافة إلى تهديد نتنياهو بأنّ “المعركة مع إيران ووكلائها لم تنتهِ بعد”، مشيراً للمرّة الأولى إلى ضرورة “التحرّر من الاعتماد على التسليح الأميركيّ”. في المقابل، كان وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي يؤكّد أنّ “الخليّة الوقائيّة لإدارة النزاعات في لبنان”، كما وصفها، ستكون أوّل اختبار حقيقيّ (للاتّفاق الأميركيّ- الإيرانيّ).

هدنة طويلة 

يمكن في هذا الإطار تسجيل المعطيات الآتية:

– يعمل كلّ الوسطاء في الملفّ اللبنانيّ على أساس بدء الدخول في هدنة طويلة وثابتة، وأنّ الإسرائيليّ لم يعد بإمكانه الاستفادة من “امتياز” حرّيّة الحركة، بغطاء أميركيّ، بالتزامن مع الترتيبات المُعلنة بناء على اجتماعات لوسيرن السويسريّة في شأن النزاع الأميركيّ-الإيرانيّ، وهو ما جعل من مضيق هرمز و”تحرير” النفط الإيرانيّ ورفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة ملفّاً واحداً ومترابطاً بشكل وثيق مع ملفّ لبنان والاحتلال الإسرائيليّ.

مفاوضات

– يمكن الحديث عن آليّة ميكانيزم دوليّة جديدة، من نتاج “سويسريّ”، أطاحت بالدور الفرنسيّ والأمم المتّحدة، وضمّت إيران بوصفها الممرّ الحتميّ لأيّ تفاهمات مع “الحزب”، إضافة إلى القطريّ والباكستانيّ، وهي آليّة من ضمن مهامّها التنسيق مع كلّ من لبنان وإسرائيل. هنا تتردّد معلومات عن احتمال دخول قطر على خطّ التنسيق المباشر بين إسرائيل و”الحزب”. وهو الدور الذي لا يمكن أن تلعبه واشنطن التي تؤكّد المعلومات أنّها حاولت فتح خطوط مع “الحزب” أخيراً، ومع السفارة الإيرانيّة في لبنان، بموازاة الحوار المفتوح والسرّيّ بين بعبدا و”الحزب” بمعيّة وسطاء.

يقول مصدر معنيّ بالمفاوضات إنّ كلّ الترتبيات في شأن الوضع جنوباً “ملعبها” مفاوضات واشنطن، ببعدَيها السياسيّ والأمنيّ

– شكّلت مُجمَل هذه التطوّرات ما يُشبه “الموجة الهائلة” التي قرّر رئيس الجمهوريّة جوزف عون، بالتنسيق مع رئيس الحكومة نوّاف سلام، وبدفع من رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، التموضع مع وجهتها، لكن مع إعلان سلسلة ضوابط، منها أنّ النقاشات وما سيُتفق عليه تمرّ عبر الدولة اللبنانيّة.

هنا تقول مصادر مطّلعة إنّ “هناك زيارة مرتقبة لوزير الخارجيّة الإيرانيّ لبيروت، وقد تسبق ما أعلن من جدول زيارات سيقوم بها الرئيس عون للخارج، ومنها لقطر والمملكة السعوديّة”. هذا مع العلم أنّ عراقجي كان اتّصل بعون في 15 حزيران الجاري، بعد إعلان التفاهم الأميركيّ -الإيرانيّ، الذي أدرج لبنان في بنده الأوّل، فيما بادر الأميركيّون وقطر إلى الاتّصال بعون عقب إعلان “آليّة خفض التصعيد” في سويسرا. وتشير المصادر إلى مسار موازٍ سيشهد انفراجات حتميّة على الخطّ اللبنانيّ – الإيرانيّ.

– تقول معلومات إنّ ما اتُّفق عليه في لقاءات سويسرا من “إنشاء مجموعة عمل لتفادي التصعيد تضمّ واشنطن وإيران ولبنان، بتيسير من الوسطاء، بهدف ضمان التزام وقف العمليّات العسكريّة في لبنان، وفقاً لما نصّت عليه مذكّرة التفاهم”، هو مدار نقاش بين هذه الدول المعنيّة لترتيب آليّته التنفيذيّة. وهي تقتضي فعليّاً انتداب شخصيّات ممثّلة للدول المعنيّة تشكّل مجموعة عمل تتواصل بشكل دائم من أجل مواكبة تفاصيل تثبيت وقف النار ومعالجة الخروقات لتجنّب الردّ العسكريّ من طرفَي إسرائيل و”الحزب”. وانتهكت إسرائيل أمس الاتّفاق فسقط شهداء، ولم يُعرف حتّى الساعة هل جرت مواكبة ذلك بموجب الآليّة الجديدة التي لم تُعلن “تركيبتها” التنفيذيّة بعد.

– طُبِعت جولة المفاوضات الخامسة في واشنطن بدفع أميركيّ – إيرانيّ ومباركة الوسطاء للدخول في مرحلة الترتيبات الأمنيّة الميدانيّة المرافقة لتثبيت وقف النار، وبدء الانسحاب، وإتاحة العودة التدريجيّة للنازحين إلى قراهم.

هي المرّة الأولى، منذ انطلاق مفاوضات واشنطن في 16 نيسان، التي تُعقد فيها الاجتماعات اللبنانيّة – الإسرائيليّة وسط وقف إطلاق نار جدّيّ

يقول مصدر معنيّ بالمفاوضات إنّ كلّ الترتبيات في شأن الوضع جنوباً “ملعبها” مفاوضات واشنطن، ببعدَيها السياسيّ والأمنيّ، خصوصاً أنّ الإسرائيليّ حاضر على الطاولة ومعنيّ بالردّ على الاقتراحات اللبنانيّة، بما في ذلك الاقتراح في شأن الانسحاب التدريجيّ والمتوازي بين إسرائيل و”الحزب”، وانتشار الجيش.

هل يتعطّل التّفاوض؟

لكن من هذه اللحظة لم يعد بالإمكان تجاهل واقعين:

– أيّ ترتيب يخصّ الحدود اللبنانيّة – الإسرائيليّة والانسحاب من الشريط المحتلّ لا يمكن فصله عن مرحلة ما بعد “اليونيفيل”، وفق المعادلة الآتية: هل يحصل الانسحاب الإسرائيليّ ويُسلّم السلاح جنوباً، بموجب الإشراف الأميركيّ – الإسرائيليّ (ومعه الإيرانيّ) فقط، أم بموجب مشروع أكبر تدخل على خطّه قوات دوليّة قد تَرث “اليونيفيل” في جنوب لبنان؟

إقرأ أيضاً: مواجهات لبنان تحسم توازنات مفاوضات سويسرا

– يطرح المتابعون سؤالاً جوهريّاً: هل يمكن أن تتعطّل لغة التفاوض على المسار اللبنانيّ – الإسرائيليّ، في حال تعثّر التفاوض على بنود مذكّرة التفاهم بين واشنطن وطهران؟ هل يمكن أن يتعثّر هذا التفاوض ربطاً بالعقدة اللبنانيّة؟ هذا مع العلم أنّ إسرائيل انتهكت أمس وقف النار باستهداف بلدة كفرتبنيت بقنابل صوتيّة، وحفّارة في النبطيّة الفوقا، وإطلاق نار على مواطنين في حدّاثا أدّى إلى وقوع شهداء وجرحى.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@MalakAkil

مواضيع ذات صلة

مواجهات لبنان تحسم توازنات مفاوضات سويسرا

لا شيء يحدث صدفة في عالم السياسة الدوليّة، حيث تعكس الوقائع الميدانيّة والتحرّكات الدبلوماسيّة هندسة استراتيجيّة معقّدة تتجاوز حدود الجغرافيا. ليس المشهد الحاليّ، الذي يوزّع…

حصار أميركيّ – إيرانيّ على إسرائيل!

للمرّة الأولى منذ بدء “حياكة” البنود التفصيليّة للاتّفاق الأميركيّ-الإيرانيّ، ثمّ الإعلان الرسميّ لدخوله حيّز التنفيذ يوم الجمعة الماضي بعد توقيع الرئيسين دونالد ترامب ومسعود بزشكيان…

هندسة “الدولة الصّلبة”: هل ينجح انقلاب الزّيديّ؟

لا يمكن قراءة التغييرات الهيكليّة الجسيمة التي أجراها رئيس الوزراء العراقيّ عليّ الزيديّ في بنية الدولة ومراكز ثقلها السياديّ، بمعزل عن “المعادلة الإقليميّة” التي تتشكّل…

لبنان بين إيران وإسرائيل: لا وقف لإطلاق النار

لم يكن تفصيلاً أن يتحوّل لبنان فجأة إلى إحدى العقد الأساسيّة في المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة الجارية. فبحسب ما نقلته مصادر متابعة للمسار التفاوضيّ، برز…