للمرّة الأولى منذ بدء “حياكة” البنود التفصيليّة للاتّفاق الأميركيّ-الإيرانيّ، ثمّ الإعلان الرسميّ لدخوله حيّز التنفيذ يوم الجمعة الماضي بعد توقيع الرئيسين دونالد ترامب ومسعود بزشكيان عليه، تبوّأ لبنان مركزاً متقدّماً جدّاً على طاولة كبار الوسطاء، لناحية محاولة فرض وقف إطلاق النار “بشكل شامل ونهائيّ” بين لبنان وإسرائيل، تمهيداً لفتح النافذة التفاوضيّة على ملفّات النزاع بين واشنطن وطهران لمدّة 60 يوماً.
عَكس نائب الرئيس الأميركيّ جي دي فانس أقوى الإشارات للانغماس الأميركيّ في أزمة لبنان حين أشار صراحة، قبل ساعات قليلة من انطلاق مفاوضات بورغنستوك في سويسرا، إلى التركيزعلى ملفّين رئيسَين: الملفّ النوويّ، و”إحراز تقدّم في ملفّ لبنان”، فيما تحدّثت وزارة الخارجيّة الباكستانيّة عن “محادثات تقنيّة (انطلقت) أمس الأحد في سويسرا”.
من عليّ الطاهر في النبطيّة، إلى بورغنستوك السويسريّة، مروراً بمضيق هرمز وواشنطن وباكستان وبعض دول الخليج، كان صعباً فصلُ المسارات، وتجاهلُ واقع أنّ “كوكب الكرة الأرضيّة يُفاوِض عن لبنان”. وذلك بعدما فرضت العقدة اللبنانيّة نفسها على طاولة كبار المفاوضين الأميركيّين والإيرانيّين، بحضور باكستانيّ على مستوى رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير، إضافة إلى الحضور القطريّ، وبعدما كادت بعض تفاصيل الاتّفاق، وارتفاع وتيرة الاعتداءات الإسرائيليّة الوحشيّة في جنوب لبنان، الأكثر عنفاً منذ 2 آذار، أن “ترحّل” المفاوضات إلى أجل غير مسمّى، وتعرّض مضيق هرمز مجدّداً لخطر الإغلاق. هذا ما كان أعلنه الحرس الثوريّ فعلاً “إذا لم توقف إسرائيل هجماتها في لبنان”، لكن من دون أن يقود ذلك إلى تعطيل الملاحة فيه.
سيعطي هدوء الجبهة جنوباً، وفق مصدر مطّلع، دفعاً كبيراً لمفاوضات واشنطن، سيّما لجهة التخلّص من عبء التفاوض على “وقف النار الشامل”، وبدء الحديث عن خارطة الانسحاب الإسرائيليّ التدريجيّ
التّمايز الأميركيّ – الإسرائيليّ
كان من أهمّ انعكاسات استئناف جدول أعمال الاتّفاق في سويسرا للغوص في البنود العالقة، تبلور مسار التمايز الأميركيّ-الإسرائيليّ أكثر، عبر الضغط الأميركيّ على تل أبيب لعدم عرقلة اتّفاق إسلام آباد، وتأكيد جي دي فانس قرار الرئيس ترامب “إعطاء المفاوضات فرصة خلافاً لرغبة الحكومة الإسرائيليّة”، فيما ارتفعت أصوات إسرائيليّة أمس تطالب “بعدم التفاوض مع الحكومة اللبنانيّة ما دام “الحزب” داخلها”، وتكشف عن “ضغوط أميركيّة كبيرة على تل أبيب للانسحاب من لبنان”.
هواجس لبنانيّة
حتّى لحظة جلوس المفاوضين إلى طاولة “المباحثات التقنيّة” في سويسرا، كان لبنان الرسميّ مُتوجّساً من أكثر من مطبّ وعقدة، فالاتّصالات الرئاسيّة التي تكثّفت في الأيّام الماضية للجم تدهور الوضع الأمنيّ جنوباً، وتثبيت وقف النار المُعلَن في البند الأوّل من اتّفاق إسلام آباد، وتحديد سقف يقي مفاوضات واشنطن المباشرة بين لبنان وإسرائيل من خطر الاهتزاز أو السقوط، لم تحجب القلق الرئاسيّ من بقاء “القتال في الجنوب” خارج السيطرة، حتّى بعد إعلان القناة 12 الإسرائيليّة ليل السبت “إيعاز رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس لوقف إطلاق النار، من دون الانسحاب من المناطق المحتلّة”.
المعادلة التي تجهد تل أبيب لإرسائها بالغة الخطورة وغير مستوفية للشروط، وستكون بنداً أساسيّاً في مفاوضات سويسرا، وواشنطن الثلاثاء المقبل، وهي: “التزام وقف إطلاق النار خارج بقعة الاحتلال، أمّا أيّ “تهديد”، كما تصفه، يعرقل حرّيّة حركتها داخل مناطق سيطرتها عسكريّاً جنوب الليطاني وشماله، سيدفعها إلى الردّ”.
هنا تقول مصادر مطّلعة إنّ “الرئيس نبيه برّي الذي تابع بدقّة مسار الاتّصالات في الأيّام الماضية كان واضحاً بنقل رسالة إلى كلّ المعنيّين في الداخل والخارج: “لن يوقف “الحزب” عمليّاته إذا أبقت إسرائيل على حرّيّة الحركة في الجنوب، وكلّ لبنان”. تزامن ذلك مع تقاطع كلّ المعطيات عند الإشارة إلى أنّ بند لبنان تقدّم أمس بنود النزاع بين واشنطن وطهران، خصوصاً مضيق هرمز والبرنامج النوويّ، باعتباره شرطاً لانطلاق آمن للتفاوض الأميركيّ-الإيرانيّ على كلّ البنود الخلافيّة.
المعادلة التي تجهد تل أبيب لإرسائها بالغة الخطورة وغير مستوفية للشروط، وستكون بنداً أساسيّاً في مفاوضات سويسرا، وواشنطن الثلاثاء المقبل
نكسة عليّ الطّاهر
نكسة إسرائيل الكبرى أنّها أوقفت، منذ فجر الأحد حتّى يوم أمس، تقدّمها باتّجاه مرتفع عليّ الطاهر، قبل أن تحكم سيطرتها عليه، وهو ما كبّدها خسائر كبيرة في صفوف جنودها، من دون أن تحقّق هدفها الاستراتيجيّ. ويواجهها موقف إيرانيّ واضح يطالب بوقف “حرّيّة الحركة” التي استفاد الجيش الإسرائيليّ منها منذ تشرين الثاني 2024 من دون أيّ رادع، وهو شرط لإنجاح مفاوضات سويسرا.
أعلن الجيش الإسرائيليّ صباح أمس “حدوث تغيير كبير في سياسة العمليّات العسكريّة، عبر تقييد شبه كامل للقصف جنوب لبنان”، وبقي هذا المسار تحت الرصد بالتزامن مع انطلاق اجتماعات سويسرا.
فقد ساد الهدوء على جبهة الجنوب منذ مساء السبت، مع استمرار بقاء قوات الإحتلال الإسرائيلي في محيط كفرتبنيت، من دون تسجيل أي تقدّم أو أعمال عسكرية، باستثناء تحليق المسيّرات الإسرائيلية فوق الجنوب وبيروت، وإطلاق إسرائيل بعض الرشقات الصاروخية باتجاه بيوت السيّاد وحداثا، في مقابل التزام الحزب بوقف النار.
أمّا عن حدود تقدّم الجيش الإسرائيليّ لحظة التزامه وقف النار، يقول مصدر عسكريّ لـ”أساس”: “لا معلومات مؤكّدة ودقيقة، لكن يرجّح أن يكون قد وصل الإسرائيليّ إلى “كعب” عليّ الطاهر، وبالتالي فشل في السيطرة عليها واحتلالها، إضافة إلى منطقة واسعة من محيط كفرتبنيت، لكنّ المؤكّد عسكريّاً أن لا وجود ثابتاً ومحصّناً للإسرائيليّ في كامل هذه البقعة، حيث اعتمد دائماً تكتيك الدخول إلى القرى ثمّ التراجع، خصوصاً شمال الليطاني”.
سيعطي هدوء الجبهة جنوباً، وفق مصدر مطّلع، دفعاً كبيراً لمفاوضات واشنطن، سيّما لجهة التخلّص من عبء التفاوض على “وقف النار الشامل”، وبدء الحديث عن خارطة الانسحاب الإسرائيليّ التدريجيّ بالتزامن مع انسحاب عناصر “الحزب” جنوب الليطاني. مع العلم أنّ هذا الانسحاب، وفق المصدر، يُفترض أن يبدأ من المواقع التي تجاوزتها إسرائيل نحو شمال الليطاني، تحديداً محيط كفرتبنيت في القطاع الشرقيّ، وأجزاء من مجدل زون وبيوت السيّاد في القطاع الغربيّ، وأجزاء من حداثا وبرعشيت في القطاع الأوسط.
إقرأ أيضاً: لبنان بين إيران وإسرائيل: لا وقف لإطلاق النار
المناطق التّجريبيّة
هذه نقطة أساسيّة سيطرحها لبنان في مفاوضات واشنطن من خلال “المناطق التجريبيّة”، التي لا يزال “الحزب” يرفضها باعتبارها تُخضِعه هو والجيش معاً لحقل تجارب لا ضوابط إسرائيليّة فيه، ولأنّها تُمهّد لفرض الشروط على مصير السلاح وعودة الجنوبيّين إلى القرى، فيما أفتى الرئيس برّي بـ”الانسحاب المتزامن من الأقضية”، وهو ما وافق عليه “الحزب”، واقتصار ذلك على جنوب الليطاني فقط، تحت سقف وقف إطلاق نار نهائيّ وشامل، على أن تترك البنود الأخرى المرتبطة بالسلاح، شمال الليطاني، ومناطق وجود “الحزب”، لحوار داخليّ لبنانيّ.
لمتابعة الكاتب على X:
