ما تناولته مذكّرة التفاهم الأميركيّة الإيرانيّة بشأن وقف النار في لبنان، حوّله إلى ميدان التحدّي الأوّل لإنجاح أو فشل ما يليها من تفاوض. الستّون يوماً المقبلة قد تكون حبلى بالمفاجآت إذا كانت الدولتان ستتبادلان الضغوط، أو التنازلات قبل الاتّفاق. فتح إيران مضيق هرمز البند الوحيد الذي بدأ تنفيذه، لكنّ إصرارها على مواصلة الإمساك بورقة لبنان، يقابله تصعيد إسرائيل وتيرة عمليّاتها ورفضها الانسحاب. يضع ذلك دونالد ترامب أمام تحدّي لجم بنيامين نتنياهو. لذلك يطرح أفكاراً “تجريبيّة” بالتوازي مع “المناطق التجريبيّة” للانسحاب الإسرائيليّ، من نوع إقحام دمشق في لبنان. عدم التجاوب مع تلويحه بذلك يحوّل وظيفة اقتراحه الفعليّة إلى وسيلة ضغط على طهران وتل أبيب ليوحي لهما بأنّ لديه بدائل عنهما.
بعيداً عن السجال المملّ عن “انتصار” إيران أو هزيمتها، يقضي التدقيق في نصوص مذكّرة التفاهم وبين أسطرها التساؤل عمّا اتُّفِق عليه تحت الطاولة في المفاوضات الطويلة بين واشنطن وطهران. البند الثامن فيها أبرز المؤشّرات، فهو ينصّ على أنّ “مصير الموادّ المخصّبة ومصير جميع القضايا الأخرى المتعلّقة بالملفّ النوويّ والمتّفق عليها بين الطرفين، بما في ذلك الاحتياجات النوويّة لإيران، ستتمّ معالجته بشكل وافٍ في الاتّفاق النهائيّ. وسيعمل الاتّفاق النهائيّ على تأكيد أحكام هذه المادّة”.
ما تناولته مذكّرة التفاهم الأميركيّة الإيرانيّة بشأن وقف النار في لبنان، حوّله إلى ميدان التحدّي الأوّل لإنجاح أو فشل ما يليها من تفاوض
تحت الطّاولة وما بين السّطور؟
يشي هذا النصّ بوجود اتّفاق ضمنيّ على المعالجة التي لم تُذكر في نصّ التفاهم، وسيجري تكريسها في الاتّفاق النهائيّ. وقال مسؤول أميركيّ لـ”سي إن إن”: “تأكّدنا من أنّنا لن نضطرّ إلى تقديم أيّ شيء حتّى يقدّموا كلّ شيء”.
في لبنان تبقي كلّ من إسرائيل وإيران الميدان مشتعلاً تحسّباً لما هو مقبل. وفي حين قالت تل أبيب بوضوح إنّها لن تنسحب من جنوب لبنان، ولن توقف ضرباتها لـ”الحزب”، أبقت إيران يدها على الزناد في الجنوب تعويضاً لها عن ورقة مضيق هرمز الموجعة، إذا احتاجت إلى أيّ تصعيد عسكريّ بحال تعثّر التفاوض في سويسرا. وأمّا باقي العناوين الرئيسة لأسباب الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة ضدّ إيران فيحتاج إلى مفاوضات مضنية أيضاً، سواء تلك المتعلّقة ببرنامج الصواريخ الباليستيّة أو الدور الإقليميّ لإيران أو رفع العقوبات والإفراج عن أرصدة إيران الماليّة، وهي محفوفة بتعقيدات لا تحصى، وتتشابك مع مواقف دوليّة لا تنحصر بالجانب الأميركيّ، بل إنّها تفرض على فريقَي المذكّرة حسابات إزاء المجتمع الدوليّ، وبعضها متّصل بمواقف دول الجوار الإيرانيّ أيضاً.
يقتضي ذلك عودة الاتّحاد الأوروبيّ والدول السبع إلى لعب دور في كلّ هذه العناوين، وهو ما يحتّم تراجع ترامب عن توتير علاقاته معها. وقد مهّد لذلك بتوقيعه مذكّرة التفاهم في مدينة إيفيان الفرنسيّة، بحضور الدول السبع الصناعيّة، وهذا الأمر له دلالة في هذا السياق، ويفرض أيضاً على طهران العودة عن سياسة الازدراء، التي مارستها تجاه الدول الأوروبيّة طوال المرحلة السابقة، ما دامت تصرّ على أن يتمّ إقرار الاتّفاق النهائيّ المفترض في مجلس الأمن، وإذا كانت تطمح إلى إزالة عقوبات دول أوروبا الأقسى من عقوبات أميركا عنها. لكنّ كلّ هذه الدول تطلب من طهران ترك لبنان وشأنه وسحب سلاح “الحزب”.
الإصرار الإيرانيّ على ورقة لبنان
من بعض المواقف الإيرانيّة المعلنة المؤثّرة على جبهة لبنان يمكن ذكر الآتي:
- إعلان المرشد مجتبى خامنئي أنّه كان له “رأي آخر” في شأن مذكّرة التفاهم، ولكنه وافق عليها ملقياً مسؤوليّتها على الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان.
- تجديد “حرس الثورة”، على لسان الشيخ نعيم قاسم، أنّ سحب سلاح “الحزب” غير وارد. وهو أمر يجهض مطلب لبنان انتشار الجيش لبسط السيادة مع الانسحاب الإسرائيليّ من “المناطق التجريبيّة”. إذ إنّ انتشار الجيش يعني خلوّها من “الحزب” وسلاحه، بما يعني أنّه سيصادر هذا السلاح.
- تمسّك رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون بمبدأ حصر التفاوض على إنهاء الحرب في الجنوب بالدولة اللبنانيّة برعاية أميركيّة في واشنطن، على الرغم من ترحيبه وشكره للجانبين الأميركيّ والإيرانيّ لتضمين التفاهم بينهما وقف الحرب على جبهته. ومع أنّ وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي أكّد للرئيس عون الإصرار على وقف إسرائيل حربها ضدّ البلد في اتّصاله به الذي هدف إلى “كسر الجليد” بعد الحملة الإيرانيّة عليه التي شارك هو فيها، فإنّ طهران لم تترك مجالاً للشكّ في أنّها تصرّ على الإمساك بورقة التفاوض على جبهة لبنان. وتواصل قيادة “الحزب” مطالبة السلطة اللبنانيّة بالانسحاب من مفاوضات واشنطن كي لا تضع بيضها في سلّة التفاوض الإيرانيّ الأميركيّ. أبقى “الحزب” على وتيرة قصفه للقوّات الإسرائيليّة وأنزل خسائر موجعة في وحداتها في اليومين الماضيين.
في حين قالت تل أبيب بوضوح إنّها لن تنسحب من جنوب لبنان، ولن توقف ضرباتها لـ”الحزب”، أبقت إيران يدها على الزناد في الجنوب تعويضاً لها عن ورقة مضيق هرمز الموجعة
استباق عون لما هو مقبل… وردّ نتنياهو
لم تكن مسارعة الرئيس اللبنانيّ إلى تأكيد استقلاليّة مسار واشنطن للتفاوض عن مسار التفاوض الأميركيّ الإيرانيّ، سوى استباق لربط وقف حرب لبنان باحتمال إعادة استخدام جبهته في الضغوط المحتملة بين طهران وبين واشنطن وإسرائيل.
أمّا من جهة إسرائيل فلم يترك نتنياهو مجالاً للشكّ في أنّه استعاض بوتيرة القصف العالية للمناطق الجنوبيّة وصولاً إلى البقاع عن التصريحات المعارضة لمذكّرة التفاهم الأميركيّة الإيرانيّة تفادياً لتصاعد الخلاف مع ترامب.
بيان برّي والوسيط القطريّ
علم “أساس” أنّ الحجّة الإسرائيليّة كانت أنّ “الحزب” لم يعلن التزامه قرار وقف النار وفق مذكّرة التفاهم. أدخل ذلك الجانب القطريّ على خطّ خفض التصعيد بالتنسيق مع الرئاسة الأولى ورئيس البرلمان نبيه برّي، فاستُعيض عن رفض “الحزب” مرّة جديدة إصدار إعلان التزامه وقف النار ببيان لبرّي يجدّد ضمانه التزام “الحزب” وقف النار، لكنّه ربط الأمر بالتفاوض الأميركيّ الإيرانيّ لا بمسار واشنطن في جولته الخامسة في 23 حزيران.
إقرأ أيضاً: مرجع لبنانيّ لـ”أساس”: ترامب وروبيو متفهّمان لموقفنا
من غير المرجّح أن يلتزم “الحرس” في لبنان إعلان برّي، كما حصل في 16 ثمّ في 31 أيّار الماضي، إذ إنّ “الحزب” أعلن أنّه لم يعطِ التزاماً لأيّ كان، وهو ما قاد إلى احتلال إسرائيل لقلعة الشقيف وتهديد مدينة النبطيّة.
لم يبقَ للبنان سوى المراهنة على التباين بين ترامب ونتنياهو، كي يضغط الأوّل على الثاني من أجل إخراج مفاوضات الثلاثاء المقبل من الجمود، باستخدام المناطق التجريبيّة وسيلة لانتزاع انسحابات إسرائيليّة تدريجيّة.
