مذكرة التّفاهم: تُنعش إيران وتُفخخ لبنان

مدة القراءة 10 د

كرّست مذكّرة التفاهم الموقّعة بين الولايات المتّحدة وإيران حالة التباس في موازين القوى التي انتهت إليها جولة الحرب التي انطلقت في 28 شباط وتوقّفت في 8 نيسان. هذا الالتباس ناجم عن فشل الحرب الأميركيّة ـ الإسرائيليّة في تحويل نجاحاتها التكتيكيّة إلى نتائج استراتيجيّة تُترجم في اتّفاق كان يُراد له، كما تخيّله دونالد ترامب في بدايات الحرب، أن يكون استسلاماً غير مشروط.

 

تقول القراءة الواقعيّة للمذكّرة إنّ اللاءات التي انطلق منها ترامب في حربه على إيران، أي لا سلاح نوويّاً، لا تخصيب، لا باليستيّ، ولا أذرع، لم يحصل على أيّ منها حتّى الآن إلّا بصيغة مؤجّلة في ما يتعلّق بالسلاح النوويّ وكمّيّة اليورانيوم المخصّب. في المقابل، تضمن الوثيقة لإيران برنامجاً نوويّاً للأغراض السلميّة تحت الرقابة الدوليّة، أي ما يشبه الوضع الذي كان قائماً قبل أن يمزّق ترامب اتّفاق أوباما، ولا تمسّ بترسانتها من الصواريخ الباليستيّة، ولا بأذرعها التي يبدو أنّها ستبحث عن إعادة توظيفها في معادلة تحفظ لطهران نفوذها في الإقليم تحت مظلّة حوار على مستقبل الأمن الإقليميّ مع جيرانها.

الأكثر دلالة أنّ إيران تحصل، قبل أن تجلس إلى طاولة التفاوض النهائيّ، على رفع فوريّ للعقوبات عن تصدير النفط، فكّ حظر عن بعض أصولها المجمّدة، ووعود مشروطة بصندوق إعادة إعمار بقيمة 300 مليار دولار لكن الأخطر هو في منح البنك المركزيّ الإيرانيّ حقّ تقرير وجهة صرف هذه الأموال داخل إيران والجهة النهائيّة المستفيدة منها. وهذا ما لم تكن الإدارات الأميركيّة تسمح به سابقاً عند تحرير الأصول أو تحويل الأموال، إذ كانت تشترط دائماً عدم وصولها إلى مؤسّسات أو أشخاص مشمولين بالعقوبات. أمّا هنا فالصيغة تفتح فعليّاً الباب أمام مؤسّسات الحرس الثوريّ وقادته وأذرعه المعاقَبين دوليّاً للوصول إلى هذه الأموال بغطاء أميركيّ.

كرّست مذكّرة التفاهم الموقّعة بين الولايات المتّحدة وإيران حالة التباس في موازين القوى التي انتهت إليها جولة الحرب التي انطلقت في 28 شباط وتوقّفت في 8 نيسان

حتّى الالتزام الإيرانيّ لفتح مضيق هرمز بلا رسوم مقابل رفع الحصار الأميركيّ لا يبدو نهائيّاً. فهو يسري، على مدّة الستّين يوماً أو ما يمدّد لها، على أن تتفاوض إيران لاحقاً مع عُمان ودول الخليج على صيغة مشتركة لإدارة حركة العبور، أي أنّ المذكّرة لا تعيد بالضرورة المضيق إلى وضعيّة ما قبل 28 شباط، بل تفتح باباً تفاوضيّاً جديداً على شريان الطاقة العالميّ.

أصبحت المذكّرة الآن مساراً رسميّاً شائكاً، لكنّها فتحت أيضاً باب التسويف الذي قد يناسب الجميع. فما دام الكلّ يجلس إلى الطاولة، يبقى تدفّق النفط الإيرانيّ وغير الإيرانيّ مفتوحاً عبر هرمز، وتجني إيران أرباحاً نفطيّة بالأسعار الرسميّة لا بأسعار النفط المهرّب عبر أسطول الظلّ إلى الصين وغيرها، وتنخفض الأسعار العالميّة، ويرتاح الاقتصاد العالميّ الذي كان على شفا موجة تضخّم وركود غير مسبوقة في التاريخ. يناسب هذا الوضع إيران التي دخلت الحرب بأزمة اقتصاديّة خانقة هدّدت أسس النظام وستحصل بموجب هذه المذكّرة على جرعة الأوكسيجين المناسبة التي ستمكّنها من إعادة ترتيب بيتها الداخليّ ووضعها الاقتصاديّ من دون أن تعطي أيّ شيء جوهريّ في المقابل. بالقدر نفسه يبدو أنّ هذا الوضع يناسب ترامب، الذي اعتمد على رضى الأسواق، هبوط أسعار النفط وفتح هرمز كمؤشّرات كافية للنجاح متّكئاً على تعهّد إيرانيّ أجوف بعدم تصنيع سلاح نوويّ لطالما قالت طهران إنّها لا تسعى اليه. أمّا الباقي، بالنسبة إليه، فتفاصيل تتفاوت في تفاهتها.

هذه التفاصيل التافهة لا تقيسها السوق، فهي لا تقيس السيادة، لا تسأل عن حدود إسرائيل، ولا عن سلاح “الحزب”، ولا عن الصواريخ الباليستيّة وأمن الحلفاء الخليجيّين، ولا عن موقع الدولة اللبنانيّة. تقيس السوق الخطر بالبرميل لا بالدم، ومن هنا قد يعلن ترامب نجاح الاتّفاق في اللحظة نفسها التي تبدأ ألغامه السياسيّة بالانفجار.

الالتزام الإيرانيّ لفتح مضيق هرمز بلا رسوم مقابل رفع الحصار الأميركيّ لا يبدو نهائيّاً. فهو يسري، على مدّة الستّين يوماً أو ما يمدّد لها

لبنان … تفصيل يفخّخ الاتّفاق والإقليم

من التفاصيل “التافهة” في عقل ترامب، الحرب في لبنان، التي وصفها بالجبهة الصغرى، ووصف فيها حليفه نتنياهو بالشريك الصغير جدّاً المتعثّر في إنجاز المهمّة. والأسوأ أنّه تحدث، في أكثر من إطلالة على هامش قمّة مجموعة السبع، إلى أنّ هذه المهمّة قد تُهدى إلى حصانه الرابح الجديد في سوريا، الرئيس أحمد الشرع، الذي أوصله إلى السلطة بمساعدة صديقه رجب طيّب إردوغان، كما قال. في الحقيقة ما يصفه ترامب بالتفاصيل التافهة إنمّا ينمّ عن جهل فاقع بطبيعة التشابكات التاريخيّة والسياسيّة والدمويّة التي يحملها طرح كهذا يهدّد بإعادة وصل ما انقطع من خطّ طهران بيروت عبر بغداد ودمشق، وبعودة شلّال الدم الطائفيّ العابر للحدود، فيتأجّج من جديد فكر السلفيّة الجهاديّة وتترسّخ سرديّة “الحزب” للتمسّك بسلاحه في مواجهة ما سوّق له دائماً من خطر وجوديّ محدق بالشيعة.

يبدو ترامب مرتبكاً في لحظة يحتاج فيها بشدّة الى الخروج من المغطس الإيرانيّ بأيّ ثمن، ويعتقد أنّ بند “إنهاء الحرب على جميع الجبهات بشكل فوريّ ودائم” سيعني مباشرة سلاماً من الأنواع التي يعتقد أنّه يحترف صناعتها والتي يمكن أن تنهي حروباً وجوديّة بجرّة من قلمه. قد تكلّف لحظة الارتباك الأميركيّة هذه لبنان والإقليم حرباً جديدة أكثر عنفاً من الحرب الدائرة الآن إن لم يتمّ التقاط الدفّة من يد الأميركيّين بقيادة عربيّة إقليميّة دوليّة فاعلة للملفّ اللبنانيّ توقف العبث الأميركيّ والصلف الإيرانيّ والتغوّل الاسرائيليّ.

الولايات المتّحدة التي سعت، ليلة وقف إطلاق النار مع إيران في 8 نيسان، إلى فتح خطّ تفاوضيّ مباشر بين لبنان وإسرائيل في واشنطن هدفه تكريس فصل المسار الإيرانيّ عن المسار اللبنانيّ، جاءت في البند الأوّل من المذكّرة لتعيد ربط الملفّين وتمنح إيران فيتو صريحاً على القرار اللبنانيّ. “تعلن الولايات المتّحدة الأميركيّة والجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، إلى جانب حلفائهما في الحرب الحاليّة، عند توقيع مذكّرة التفاهم، إنهاء فوريّاً ودائماً للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك في لبنان، وتتعهّدان من الآن فصاعداً بعدم شنّ أيّ عمل عدائيّ بعضهما ضدّ بعض والامتناع عن التهديد باستخدام القوّة أو استخدامها، وضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته. وسيؤكّد الاتّفاق النهائيّ الإنهاء الدائم للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك في لبنان، والأحكام الأخرى الواردة في هذه الفقرة”.

لو أخذنا هذا النصّ بجديّة تفترض أنّه تمّ التوصّل إلى صياغته بعد تشاور مع عواصم وازنة في الإقليم والعالم، يصبح سلاح “الحزب” أمام سؤال لم يعد يمكن تأجيله إلى ما بعد ظهور المهديّ ولا إلى ما بعد تحرير فلسطين كلّها. إذا كانت إيران، المرجعيّة الكبرى لمحور المقاومة، تعلن نهاية فوريّة ودائمة للحرب على كلّ الجبهات بما فيها لبنان، فبأيّ معنى يبقى سلاح “الحزب” سلاح مقاومة إقليميّة؟ وبأيّ حقّ تبقى الحرب قراراً عابراً للدولة؟ هنا تصبح مدّة الصلاحية التي طالما قيل إنّها لا تنتهي قبل نهاية الزمان، مسألة سياسيّة قابلة للتفاوض والقياس والجدولة. صحيح أنّ السلاح لا يسقط بالبلاغة، لكنّ سرده يتصدّع، وهذا السرد يأتي من صاحب السلاح ومرجعيّته السياسيّة والروحيّة، وهذه بداية كلّ تحوّل كبير. غير أنّ التفسير الإيرانيّ لهذه الفقرة تحديداً قد لا يستسيغ هذا التفسير ويكتفي بإعلان نيّته ربط النزاع بلا بحث لمستقبل السلاح إيماناً منه بأنّ إسرائيل ستتكفّل هي نفسها بإفشال هذا البند.

هذه ليست لحظة مجاملات دبلوماسيّة. إنّها لحظة ارتباك أميركيّ ونشوة إيرانيّة وفراغ لبنانيّ خطِر. إن لم يدخل العرب والأوروبيّون بوضوح، قد يتحوّل لبنان إلى مستنقع جديد للدماء السوريّة ـ اللبنانيّة

هنا يصبح لبنان أوّل لغم في الاتّفاق. فإسرائيل حتّى الآن ترفض المذكّرة لأنّها لم تشارك في صياغتها، ولا تبدي استعداداً للانسحاب أو للتخلّي عن المنطقة العازلة وحرّية النار، وهي غير معنيّة أصلاً بتصفير ما تعدّه إنجازات استراتيجيّة بإقامة أحزمة عازلة حولها هي في صلب عقيدتها العسكريّة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الثاني، خاصّة في توقيت حسّاس لنتنياهو عشيّة انتخابات مصيريّة في الخريف المقبل.

من جهته سارع “الحزب” عبر أمينه العامّ إلى ترجمة هذا البند في الداخل. “إنهاء الحرب” يقتصر بمفهومه على “الأمن المتبادل” مع إسرائيل، وأمّا الانسحاب الإسرائيليّ، استعادة الأسرى، عودة الأهالي، وإعادة الإعمار فهي قضايا يعتقد “الحزب” أنّ إيران منحته إيّاها بهذا الاتّفاق، من خلال تسليط العصا الغليظة الأميركيّة على إسرائيل، من دون أن يضطرّ إلى تسليم سلاحه الى الدولة اللبنانيّة، لا بل إنّ نبرة مسؤوليه وكواليس اجتماعاته تشير إلى أنّه يبحث عن “تكييش” هذا الانتصار الإيرانيّ في السياسة الداخليّة من خلال طرح تعديل حكوميّ، وربّما تصحيح توازنات، وفرض شراكة في إدارة ما بعد الحرب، وتحويل سؤال السلاح مرّة أخرى إلى سؤال حصص وصولاً الى الطموح لعزل رئيس الجمهوريّة.

إذاً ليس الخطر أن تفشل المذكّرة فقط. الخطر أن تنجح إيرانيّاً وتفشل لبنانيّاً. أن تخرج طهران من الحرب بتدفّق نفطيّ ومال محرّر ونفوذ محفوظ، فيما يتحوّل لبنان إلى ساحة تعويض: إسرائيل تجعل حرب الفناء التي شنّتها على جنوبه وضعاً دائماً، و”الحزب” يترجم النصر الإيرانيّ فائض قوّة جديداً في الداخل، يخنق به بيئته الشيعيّة أوّلاً، ويتسلّط به على باقي المكوّنات ثانياً، ويعيد للنظام السياسيّ الهشّ كلّ شروط الابتزاز التي خسر بعضها خلال السنتين الماضيتين أو أن يجد لبنان نفسه أمام نسخة جديدة من قوّات الردع العربيّة المطعّمة بكلّ الأحقاد المذهبيّة والعقائديّة تنهش ما بقي من نسيجه الاجتماعيّ الممزّق.

إقرأ أيضاً: تمسّك لبنان بقراره… بعيدًا من “الخبث” الإيراني

لذلك لم يعد يكفي انتظار واشنطن المرتبكة. المطلوب انخراط عربيّ وإقليميّ وأوروبيّ أوضح في ملفّ لبنان، لا بوصفه هامشاً في مذكّرة أميركيّة ـ إيرانيّة، بل بوصفه خطّ دفاع عن وجود الدولة نفسها. المملكة السعوديّة، مصر، قطر، تركيا، فرنسا، والاتّحاد الأوروبيّ، وكلّ من يتحدّث على رعاية الاستقرار في لبنان، مطالبون الآن بالخروج من اللغة العامّة إلى ضمانات محدّدة: انسحاب إسرائيليّ كامل، وقف دائم للعدوان، عودة الأهالي، حصر السلاح جنوب الليطاني بيد الجيش، وربط أيّ إعمار أو دعم بمسار سياديّ لا بمكافأة منطق الميليشيا.

هذه ليست لحظة مجاملات دبلوماسيّة. إنّها لحظة ارتباك أميركيّ ونشوة إيرانيّة وفراغ لبنانيّ خطِر. إن لم يدخل العرب والأوروبيّون بوضوح، قد يتحوّل لبنان إلى مستنقع جديد للدماء السوريّة ـ اللبنانيّة، وقد تصبح حرب الفناء على الجنوب ترتيباً دائماً، وقد يُترجم النصر الإيرانيّ نصراً لـ”الحزب” على الدولة. عندها لا تكون المذكّرة قد أنهت حرباً وجوديّة، بل أعادت تفجير لبنان من جديد.

 

* كاتبة صحافيّة وإعلاميّة لبنانيّة حاورت شخصيّات عربيّة وعالميّة خلال عملها في شبكة “بي بي سي نيوز عربيّ”. تخصّصت في دراسة مكافحة الإرهاب والجماعات المسلّحة. 

 

لمتابعة الكاتبة على X:

@MalakJaafarA

مواضيع ذات صلة

إسرائيل بعد الاتّفاق: “لو كنّا نعلم” لما دخلنا الحرب

تتفاعل تداعيات التفاهم المبدئي الأميركيّ – الإيرانيّ داخل إسرائيل كعاصفة سياسيّة وأمنيّة وعسكريّة، تحوّلت في الخطاب الإسرائيليّ إلى ما يشبه “تسونامي” ضرب مراكز صنع القرار،…

ما بعد هرمز: الأردن بوّابة التّجارة والطّاقة؟

بينما انشغل الشرق الأوسط خلال الأشهر الماضية بالحرب والصواريخ والهدن، كانت مراكز التفكير الغربيّة تبحث في سؤال آخر: ماذا بعد انتهاء هذه المرحلة؟ وكيف تُعاد…

حكومة الصّمود السّياسيّ: إسقاطها كسرٌ للدّولة

ليست المشكلة في الحكومة الحاليّة، بل في الميل المزمن داخل الحياة السياسيّة اللبنانيّة إلى التعامل مع كلّ أزمة باعتبارها فرصة لإعادة تأسيس السلطة من جديد….

تمسّك لبنان بقراره… بعيدًا من “الخبث” الإيراني

في انتظار معرفة من يجب أن نصدّق في ما يخصّ نصّ مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، يمكن ملاحظة ذلك التركيز الإيراني على لبنان وكونه جزءًا…