إمارة الركام من غزة إلى النبطية: رؤية الشركاء وحيدي-نتنياهو 2030!

مدة القراءة 10 د

مع كل جولة محادثات تعقد في واشنطن بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية يزداد المنهج الإسرائيلي في التعامل مع لبنان وضوحاً: إسرائيل لا تتخذ من المفاوضات طريقاً إلى التسوية بقدر ما تستعملها كغطاء مزدوج. تمضي في مسار دبلوماسي فرضته واشنطن بغرض فصل الملف اللبناني عن الملف الإيراني، لكي تكرّس هذه المعادلة من جهة، وترضي الرئيس الأميركي دونالد ترامب من جهة أخرى.

تفرض إسرائيل شروطاً تعجيزية على المفاوض اللبناني، وعندما يفشل في تلبيتها، أو يرفضها بشكل قاطع، لأن قبولها يعني تفجير لبنان من الداخل، تستخدم إسرائيل هذه الحجة كدليل على ضرورة الاستمرار في العمل العسكري وتعميق العملية في لبنان، لأنّه “لا شريك لبناني موثوقاً” بالنسبة لها كما دأبت على تكرار هذه اللازمة في مفاوضاتها مع الفلسطينيين على مدى عقود.

 

لا تبحث إسرائيل عن “اليوم التالي” في لبنان، ولا تبحث عن سلام ولا عن تطبيع ولا حتى عن استكمال أهداف الحرب على طاولة المفاوضات. إسرائيل تطبق ما طبقته في غزة وأعطته الكثير من الأسماء، فأطلقت عليه حيناً خطة الجنرالات وأحياناً عقيدة الأنقاض وهي تعبيرات تعني شيئاً واحداً: التدمير بهدف التدمير بلا أي أفق سياسي، بلا عودة، بلا إعادة إعمار لأن أي من هذه الشروط يعني تقديم تنازلات أو تسويات وهو ما يتناقض مع عقيدة الصهيونية الدينية المتحكمة بمصير رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو السياسي.

اختبرت إسرائيل الاحتلال بهدف طرد منظمة التحرير الفلسطينية وإقامة السلام في اجتياحها للبنان عام 1982، لم تنجح في اجبار الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميل وقد كان الزعيم الأقوى للمسيحين حينها على تنفيذ تعهداته، ثم حاولت لاحقاً في اتفاق 17 أيار 1983 الذي لم يكتب له النجاح بسبب مزيج من التوازنات الداخلية والاقليمية.

لن تسمح إسرائيل بإنهاء هذه الحالة لأنها تناسبها وتخدم نتنياهو كبوليصة التأمين التي يلجأ إليها كلما اهتز رصيده السياسي

كانت إسرائيل- ما قبل نتنياهو- تفكر في أنّ هناك صيغاً تتيح لها العيش بسلام مع جيرانها العرب على حساب الفلسطينيين خاصة وأنّ تجربة كامب ديفيد مع المصريين كانت لا تزال طازجة وناجحة يمكن البناء عليها.

إلّا أنّ إسرائيل نتنياهو دفنت هذا الفكر مع اتفاق أوسلو وأرست المعادلة الأمنية البحتة في الصراع حتى أصبح لقبه الأشهر Mr. Security وطبقت عقيدة جزّ العشب كل عدة سنوات بلا أي بحث عن مسار سياسي. ونقول هنا إسرائيل نتنياهو لأن التأثير العميق لهذا الرجل طبع الأداء الإسرائيلي منذ التسعينات وحتى اليوم وكان قادراً على نسف كل المعادلات المخالفة لمنطقه حتى في الفترات التي كان فيها في المعارضة لدرجة أنّ إسرائيل التي نعرفها اليوم كمؤسسة عسكرية وأمنية وكمجتمع، هي بلا مبالغة، منتج صنعه وصقله نتنياهو إلى حد كبير.

أشد توحشاً من جزّ العشب

بعد السابع من أكتوبر فقد انتقلت إسرائيل إلى منطق أشد توحشاً من جز العشب ، فهي لم تعد مهتمة بأي اتفاق ليس استسلاماً تاماً وغير مشروط مع الفلسطينيين، والسوريين واللبنانيين، بدليل أنّ خطة غزة ولجنتها ومجلس سلامها وكل بهرجتها لم تنجز سوى إطلاق الرهائن، وهذا ما كان يريده نتنياهو، ثم توقف كل شيء.

تقاطعت مصلحة نتنياهو مع مصلحة حماس في إبقاء غزة إمارة من الركام تحكمها حماس وتتنافس معها عصابات ممولة إسرائيلياً ضد كل محاولات السلطة الفلسطينية الدفع باتجاه لعب دور فيما يعرف بلجنة غزة، ومنع أي دولة قادرة على نزع سلاح حماس كتركيا أو باكستان من لعب دور في قوة السلام العتيدة.

أما على الجبهة السورية، فرغم كل النوايا الإيجابية من قبل السلطة السورية للمضي في مسار نحو السلام مع إسرائيل، إلّا أنّ المطلوب كان يفوق قدرة رجل كالرئيس أحمد الشرع على تحمله بكل ما يحمل معه من خلفية قتالية وبعدٍ سنيّ عميق، وشرعية ثورية، ودعم عربي، واقليمي، ودولي.

منطق القوة يقول إن “الحزب” مهما ضعف في مواجهة إسرائيل سيبقى الأقوى داخلياً

توسيع المنطقة العازلة

في لبنان، ينطلق نتنياهو من فكرة توسيع المنطقة العازلة وتدمير المنطقة الفاصلة مع الحدود المأهولة بالسكان بلا أي اهتمام حقيقي بمسار سياسي ينهي الصراع، وهو غير معني بتعويم حكومة الرئيس نواف سلام ولا عهد الرئيس جوزف عون بمنحهما أي تنازل يمكن أن يخدم توجههما في الداخل.

تتقاطع هنا مصلحة نتنياهو مع مصلحة إيران و”الحزب” بتحويل جنوب لبنان إلى جمهورية من ركام يحكمها “الحزب”، تبقى كجبهة دفاع متقدمة لإيران التي لن تعدم الحيلة والوسيلة لمدها بما يلزم من السلاح لإبقائها بالحد الأدنى على قيد الحياة. وقد يزرع نتنياهو في جمهورية الركام هذه، ميليشيات أو شركات خاصة “تقوم بالمهمة” كما يفعل في غزة التي تحولت فيها بنية الشركات الخاصة الموكلة تقديم المساعدات الإنسانية، إلى بنية أمنية، لكنه بالتأكيد، لن يسمح للجيش اللبناني بعقيدته الوطنية ولا لليونيفيل ولا لأي قوة دولية لا تكون امتداداً للجيش الإسرائيلي، بالتدخل.

هذا ما يناسب “الحزب” والحرس الثوري تحت إمرة أحمد وحيدي الذي يسعى جاهداً للإبقاء على أهم ذراع خارجي أمن له ورقة تفاوضية لا يزال يحرق فيها على طاولة المفاوضات بالنار. وسيبقى مستعداً للمحافظة عليها لأنها ستكون المعيار الذي يحدد قدرته على لعب دور إقليمي أو الانكفاء إلى الداخل في المرحلة المقبلة. 

منطق القوة يقول إن “الحزب” مهما ضعف في مواجهة إسرائيل سيبقى الأقوى داخلياً وهذا يهمه ومشغليه في هذه المرحلة بدليل كلام القيادي قماطي عن “وجود عشرة في المئة من مقاتلي حزب الله فقط على الجبهة مع إسرائيل”، ما فهمه كثيرون على أنّه إشارة إلى أنّ مهمة التسعين في المئة الآخرين هي للسيطرة على الداخل.

تتقاطع مصلحة نتنياهو مع مصلحة إيران و”الحزب” بتحويل جنوب لبنان إلى جمهورية من ركام يحكمها “الحزب”

كما أن بقاء “الحزب” يعطي الذريعة الدائمة لإسرائيل لعدم الذهاب إلى أي ترتيبات مستقبلية مع لبنان، تماماً كما بقاء إسرائيل محتلة للأرض يعطي “الحزب” الوقود الكافي لإعادة انتاج سردية “المقاومة” وقمع معارضيه الشيعة وإخضاع الدولة لمنطقه خاصة إذا ما بقي الجمود في موقف زعيم حركة أمل الرئيس نبيه بري وإذا بقي العجز الدولي والعربي عن تقديم مقاربة جدية تطرح حلاً لا يتضمن موافقة “الحزب” أو إيران.

بوليصة تأمين نتنياهو

هذا تماماً ما يحدث في غزة حيث تعلن إسرائيل تدريجياً عن توسيع مناطق سيطرتها المعروفة بالخط الأصفر وحيث تمكنت حماس من إعادة انتاج قادة ميدانيين تصفيهم إسرائيل تباعاً ودخلت في حرب تصفيات ميدانية مع خصومها غداة وقف إطلاق النار، وهي تسيطر الآن على ما تبقى من غزة والغزيين بما تبقى لديها من سلاح خفيف ومتوسط.

لن تسمح إسرائيل بإنهاء هذه الحالة لأنها تناسبها وتخدم نتنياهو كبوليصة التأمين التي يلجأ إليها كلما اهتز رصيده السياسي، ولن تتنازل حماس عن هذا السلاح طالما أنّه ليس هناك قوة فلسطينية مستعدة لإزاحتها أو تسوية تضمن لها استمرار حكم القطاع.

بالعودة إلى لبنان، فإنّ إسرائيل لا تفاوض الدولة اللبنانية لتتوصل معها إلى تسوية، بل تفاوضها لتثبت أنّها عاجزة ثم تهدم ما تبقى من هذه الدولة باسم هذا العجز وتحول لبنان إلى مستنقع تحكمه الفوضى وكثير من الشركات الأمنية التي ستبدأ بالظهور تباعاً.

على المقلب الآخر تزداد شهادات الناجين من إبادة الجنوب عن وجود أعداد من المقاتلين العراقيين لا يتم الإعلان عن مقتلهم في الغارات فضلاً عن الإيرانيين من الحرس الثوري الذين وثقت التقارير الصحفية والاغتيالات الإسرائيلية وجودهم، ما يعني أنّ إيران عندما نفد مخزونها من الشباب اللبناني في الميدان بدأت بإحراق مخزونها من الشباب العراقي ثمناً بخساً لمسرح تحاول الإمسك به بأي ثمن. أي ثمن. أي ثمن.

في لبنان ينطلق نتنياهو من فكرة توسيع المنطقة العازلة وتدمير المنطقة الفاصلة مع الحدود المأهولة بالسكان بلا أي اهتمام حقيقي

الأميركي لم يتعلّم

المشكلة أنّ الراعي الأميركي الذي ما يزال أسير عقلية “اجتثاث البعث وحل الجيش العراقي”، لم يتعلم لا من تجربة العراق ولا من عشرين عاماً من تجربة مكافحة السلفية الجهادية التي علمتنا درساً أساسياً وهو أنّ الجماعات المسلحة المتطرفة لا تقيم أي وزن للحياة البشرية ولا للخسائر المادية. فهي تعيش على فكر يعد بالجنة واليوم الآخر ومستعد لتقديم القرابين بلا نهاية خدمة لهذا المشروع الذي يتغذى بشكل أساسي على أخطاء أعدائه ويستعملها في سردية تجنيد مزيد من الأتباع.

كلما طالبت الولايات المتحدة بإقالة ضباط شيعة من أجهزة الأمن أو وضعتهم على لائحة العقوبات استعمل “الحزب” هذا الاجراء للترويج لهاجس اجتثاث الشيعة وأمعن في نشر إشاعة أنّ الهدف هو “شحن الشيعة إلى العراق”.

كلما خطت الدولة خطوة نحو استعادة السيادة وقرار الحرب والسلم أمعنت الولايات المتحدة في تجريدها من شرعية تلك السردية بإملاءات من قبيل ضرورة لقاء الرئيس جوزف عون مع نتنياهو أو تشكيل لواء من الجيش اللبناني من العسكريين المنتقين أو إقامة تنسيق أمنى وعسكري بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي.

هكذا، تحاصر الدولة اللبنانية في خانة العجز والافلاس ولا تعدمها الحيلة لإغراق نفسها أكثر في مستنقع الفشل بسبب أدائها السياسي السيء، فلا يبقى لمن لا يريد للحزب أن يبقى جاثماً فوق أنفاسه سوى “الحزب”.

الخشية من انهيار العقد الاجتماعي

صحيح أنّ الأصوات المعارضة للحزب من دائرة من كانوا حتى الأمس القريب من مناصريه قد بدأت تتسع وتنضم شيئاً فشيئاً إلى الطيف المتنوع من معارضيه الشيعة، كما تقترب الطوائف الأخرى في لبنان من شبه اجماع على رفض حالته الأمنية والعسكرية وحتى السياسية إلى حد ما، إلّا أن كل هذا لن يكون بمقدوره أن ينهي المأساة المتعاظمة في الجنوب إن لم يكن هناك أحد مستعداً لأن يتحمل كلفة الدم ومسؤولية الهزيمة.

كانت إسرائيل- ما قبل نتنياهو- تفكر في أنّ هناك صيغاً تتيح لها العيش بسلام مع جيرانها العرب على حساب الفلسطينيين

الجيش اللبناني تجنّب دائماً هذه الكلفة لأنه ليس جيشاً عقائدياً كالحرس الثوري أو الباسيج يقتل أبناء جلدته بلا تردد، ولم يتم تنظيمه أصلاً لخوض حرب مفتوحة مع إسرائيل. لذلك فإنّ مطالبته اليوم بأن ينجز وحده ما عجزت عنه الحروب الاسرائيلية والإقليمية، هو وصفة لانهيار ما تبقى من العقد الاجتماعي.

ما يجري في لبنان ليس صراعاً بين مشروع دولة ومشروع ميليشيا فقط أو بين عدو خارجي ومقاومة. إنه صراع على شروط قيام الدولة نفسها. إسرائيل تهدم هذه الشروط باسم محاربة “الحزب”، و”الحزب” يستثمر في هذا الهدم باسم حماية لبنان من إسرائيل، وواشنطن تطلب من الدولة أن تنهض من بين الاثنين بلا أدوات كافية. هكذا تتغذى الأطراف من بعضها البعض.

إقرأ أيضاً: أن تكون محمد بن سلمان…

إسرائيل لا تفاوض الدولة اللبنانية لتصل إلى تسوية، بل لتثبت أن لا تسوية ممكنة معها. و”الحزب” لا يحتاج إلى أن ينتصر كي يستفيد من ذلك، يكفيه أن يبقى فوق الركام، وأن تبقى الدولة تحته. بين الاثنين، يتهدد لبنان سيناريو أكثر قتامة من الحرب نفسها: أن يتحول التدمير إلى نظام حكم، وأن تصبح الدبلوماسية مجرد الاسم المهذب لاستكمال الانهيار.

 

*كاتبة صحافية وإعلامية لبنانية حاورت شخصيات عربية وعالمية خلال عملها في شبكة “بي بي سي نيوز عربي”. تخصصت في دراسة مكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة.

مواضيع ذات صلة

“عقل” لا يهمّه مصير المواطن الجنوبيّ

سواء دخلت المعادلة الجديدة المتمثّلة في وقف قصف “الحزب” لشماليّ إسرائيل حيّز التنفيذ، في مقابل امتناع الدولة العبريّة عن مهاجمة الضاحية الجنوبيّة، أم لم يحصل…

رفع سوريا من قائمة الإرهاب: هل يفعلها ترامب؟

أعاد الاتّصال الهاتفيّ الأخير بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع ونظيره الأميركيّ دونالد ترامب ملفّ العقوبات إلى الواجهة، بعدما طلب الشرع إزالة ما بقي من القيود…

من دمشق إلى بغداد: ما المهمّة الإقليميّة الجديدة لتوم بارّاك؟

ما بدا في البداية أنّه تعديل إداريّ على مهمّة توم بارّاك الدبلوماسيّة، تحوّل سريعاً إلى مؤشّر إلى إعادة ترتيب أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع…

1982 لا راية بيضاء فوق قلعة الشقيف

في حزيران عام 1982 سأل رئيس الوزراء الإسرائيليّ مناحيم بيغن أحد الجنود الإسرائيليّين في قلعة الشقيف، أمام عدسات التلفاز: “هل كانت لديهم بنادق؟”، فأجاب الجنديّ:…