بيروت الكبرى منزوعة السّلاح.. اليوم وليس غداً

مدة القراءة 5 د

ما حصل في عائشة بكّار وسط العاصمة بيروت مساء الخميس الفائت لا يمكن النظر إليه على أنّه حادث فرديّ أو إشكال عابر يمكن لعاصمة أو بلد أن يبتلعه وكأنّ شيئاً لم يحصل. الدماء التي نُزفت على رصيف المنطقة والرعب الذي عاشه أهلها لساعات بمنزلة نداء للسلطة برأسَيها، رئيس الجمهوريّة جوزف عون ورئيس الحكومة نوّاف سلام، بضرورة الذهاب فوراً إلى إعلان بيروت الكبرى مدينة منزوعة السلاح تخضع للدولة وقانونها.

 

تطرح كميّة السلاح التي صادرها الجيش اللبنانيّ من المقرّ الرئيس للجماعة الإسلاميّة في عائشة بكّار تساؤلات تبدأ ولا تنتهي.

لماذا تغيب الدولة عن كلّ هذه المشهديّة؟ السلاح الذي تمّت مصادرته موجود في كثير من النقاط والمناطق والشوارع في بيروت وضواحيها، أي في بيروت الكبرى. ما الذي يمنع الدولة أن تبدأ بفرض هيبتها وسلطتها من هناك، بحيث يكون هذا التحرّك رسالة للداخل والخارج أنّ الدولة مصمّمة على استعادة دورها وسيادتها على كلّ الأراضي اللبنانيّة؟

ما حصل في عائشة بكّار وسط العاصمة بيروت مساء الخميس الفائت لا يمكن النظر إليه على أنّه حادث فرديّ أو إشكال عابر يمكن لعاصمة أو بلد أن يبتلعه وكأنّ شيئاً لم يحصل

العالم يراقبنا

العالم يراقب، ينتظر من الدولة أن تمارس مهامّها بتطبيق القوانين وفرض الهيبة وضبط الأمن وتحقيق الاستقرار. لا تشكّل بيروت الكبرى، التي تمتدّ من خلدة وصولاً إلى ضبيّة، أيّ أهميّة استراتيجيّة عسكريّة أو أمنيّة لأيّ طرف مسلّح على الأراضي اللبنانيّة. لا تصلح جغرافيّاً أن تكون منصّة للصواريخ، ولا جدوى من اعتمادها منطلقاً للمسيّرات المزوّدة بألياف ضوئيّة أو غير المزوّدة. أيّ سلاح في بيروت الكبرى ما هو إلّا سلاح عبثيّ، أضراره أكثر من فوائده، إلّا إذا كان حامله أو المحتفظ به في مقرّاته المعروفة وغير المعروفة يسعى إلى ضرب الدولة وقيامها وبسط سيادتها وإعاقة عمل مؤسّساتها.

لا يحتاج إعلان بيروت الكبرى إلى حرب أهليّة، ولا إلى مفاوضات سرّيّة يُجنّد لها المستشارون والنوّاب وزعماء الشوارع والأزقّة، بل يحتاج إلى قرار سياسيّ رسميّ حاسم، وإلى أجهزة أمنيّة تقوم بواجباتها المنصوص عليها في الدستور بتطبيق القرارات السياسيّة التي تصدرها الحكومة اللبنانيّة. الدولة بحاجة إلى عزيمة وقناعة بأنّها قادرة على القيام بدورها، قناعة يحتاج إليها الوطن ويحتاج إليها العالم كي يثق أنّ هناك أملاً لإنقاذ هذا الوطن.

أيّ تأخّر أو تلكّؤ بإعلان بيروت الكبرى منزوعة السلاح هو تلكّؤ بإعلان قيامة لبنان وحفظ ثقة العالم بالسلطة اللبنانيّة وفعّاليّتها. إنّ تحرير الجنوب يبدأ من نموذج بيروت الكبرى، لأنّ النجاح هنا في العاصمة شهادة للعالم أنّنا قادرون على النجاح في عدم إعادة الدولة إلى القرى الجنوبيّة وحسب، بل ربما إلى قرى الحافة التي تبدو اليوم كصحراء خالية من الحجر والبشر.

سقط القناع

في عائشة بكّار مساء الخميس سقطت أقنعة كثيرة:

1- قناع الدولة بأجهزتها، وتحديداً وزارة الداخليّة التي يبعد مقرّها عن مكان الحادثة دقائق معدودة سيراً على الأقدام، التي تغيب عن أمن بيروت وعن ضبط الاستقرار فيها.

2- قناع الجماعة الإسلاميّة المطالَبة بأجوبة عن سبب وجود كلّ هذه الأسلحة في مقرّها الرئيس، الذي يحمل لافتات تقول إنّه مقرّ سياسيّ واجتماعيّ وثقافيّ. هل باتت القنابل اليدويّة والرشّاشات الخفيفة والمتوسّطة جزءاً من الثقافة والعمل الاجتماعيّ؟

بوجه من هذا السلاح

3- قناع أصحاب مقولة الحرص على السلم الأهليّ والخوف من حرب أهليّة، فإذا بشرارات الحرب تُظهر قدرة على الاشتعال في وسط بيروت بدقائق وليس بساعات.

كان لافتاً أنّ الاشتباك في عائشة بكّار بين حرّاس مقرّ الجماعة الإسلاميّة وشباب المنطقة حصل بعد ساعة واحدة على بيان “الجماعة” الرافض لقرار وقف إطلاق النار الصادر من واشنطن، وكأنّ في الاشتباك مآرب أخرى أرادها البعض لإيصال رسائل باتّجاهات متعدّدة.

ليس إعلان بيروت الكبرى مدينة منزوعة السلاح حركة سياسيّة دعائيّة ولا ترفاً سياسيّاً يمكن التمهّل في التفكير فيه، بل واجب ملحّ يشكّل حاجة سياسيّة ومجتمعيّة في بيروت العاصمة

ما حصل في عائشة بكّار سبقته سلسلة إشكالات بين حرس مقرّ الجماعة الإسلاميّة وشباب المنطقة، فيما كانت الأجهزة الأمنيّة غائبة عن مراقبة ورصد هذه الإشكالات وتقويم مخاطرها وتداعياتها، التي تُرجمت للأسف إلى دماء سُفكت على قارعة تلك الطرقات.

واجب وطنيّ

ليس إعلان بيروت الكبرى مدينة منزوعة السلاح حركة سياسيّة دعائيّة ولا ترفاً سياسيّاً يمكن التمهّل في التفكير فيه، بل واجب ملحّ يشكّل حاجة سياسيّة ومجتمعيّة في بيروت العاصمة. يبدأ الأمن من بيروت، وتبدأ الحرب في بيروت، ولا يمكن أن يبدأ بسط سلطة الدولة إلّا من بيروت.

فلتكن دعوة عاجلة من قبل رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون إلى اجتماع لمجلس الدفاع الأعلى في قصر بعبدا، يحضره كلّ الأعضاء من رئيس الحكومة إلى آخر مسؤول أمنيّ تنصّ القوانين على وجوده في اجتماع كهذا، وليخرج هذا الاجتماع بقرار واحد: “إعلان مدينة بيروت الكبرى منزوعة السلاح”. بذاك الإعلان تعود الناس إلى الضاحية الجنوبيّة آمنة مطمئنّة، ولا تعود تلك العائلات قابضة على حقائبها بانتظار إنذار جديد من أفيخاي أدرعي. تعود الحركة الاقتصاديّة إلى بيروت وضاحيتها، فينتعش الناس بمعيشتهم وأرزاقهم. تعود فكرة الدولة إلى الحياة، فيشعر أهل العاصمة بنبضها، وعندما يُستشعر النبض تتأكّد الحياة وتعمّ الطمأنينة على المستقبل.

بيروت الكبرى منزوعة السلاح اليوم اليوم وليس غداً. لا نملك ترف الوقت ولا نملك ميزة التردّد. الوقت قاتل في بلد أُتخم بالقتل والموت والدماء.

 

إقرأ أيضاً: هذا هو قاتل الرّشيد

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ziaditani23

مواضيع ذات صلة

في طلب تدخّل عربيّ عاجل

لم يكن مفاجئاً أن يتّخذ “الحزب” موقفاً معادياً للاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ. سبق موقف أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم موقف صادر عن إسماعيل قاآني قائد فيلق…

مرجع لبنانيّ لـ”أساس”: ترامب وروبيو متفهّمان لموقفنا

البيان الصادر عن الولايات المتّحدة ولبنان وإسرائيل بعد جولة التفاوض الأخيرة في واشنطن يربط تنفيذ الاتّفاق على وقف النار بـ”إخلاء جميع عناصر “الحزب” من جنوب…

“الصلابة” الكويتية تهدم “الغدر” الإيراني

أثبتت الاعتداءات الإيرانية الممنهجة والمتكررة على الكويت والعديد من دول الخليج، وجود مخطط ممنهج لدى “الحرس الثوري”، بخلاف الرواية المستهلكة عن الرد على هجمات أميركية…

مصر وتركيا: الكابوس الجديد لإسرائيل

عندما حذّر الجاسوس الإسرائيليّ الأميركيّ السابق جوناثان بولارد من أنّ “العاصفة آتية”، ودعا إسرائيل إلى الاستعداد لحرب مستقبليّة قد تكون مع تركيا ومصر بعد إيران،…