جولة قاسية من الحرب… لبنان ساحتها الرئيسة

مدة القراءة 7 د

يتوقّع الكاتب السياسيّ الإيرانيّ حميد رضا عزيزي، الباحث في “المعهد الألمانيّ للشؤون الدوليّة والأمنيّة” و”مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدوليّة”، أن يندلع نوع مختلف من الحرب في حال استئناف الأعمال العدائيّة بين إيران والولايات المتّحدة الأميركيّة قد يكون أقصر وأشدّ وأكثر تكاملاً إقليميّاً من الجولة السابقة، ويرى أنّ لبنان لن يكون مسرحاً هامشيّاً بل ساحة معركة رئيسة في الجولة المقبلة من القتال لأنّه يمثّل عنصراً أساسيّاً في الموقف التفاوضيّ الإيرانيّ وفي الاستراتيجية الحربيّة المستقبليّة لطهران.

 

يصف عزيزي وقف إطلاق النار الحاليّ بين إيران والولايات المتّحدة وإسرائيل بأنّه ليس خطوة نحو تسوية سياسيّة دائمة بل هدنة مؤقّتة في صراع لا تزال ديناميّاته الأساسيّة عالقة. إذ إنّ العمليّة الدبلوماسيّة متعثّرة بسبب اختلافات هيكليّة عميقة بين الجانبين. لا تزال الولايات المتّحدة تعطي الأولويّة للملفّ النوويّ، ساعيةً إلى الحدّ من مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب، وتقييد بنيتها التحتيّة النوويّة، والحفاظ على نفوذها من خلال تخفيف العقوبات تدريجاً. في المقابل، تؤطّر إيران أيّ اتفاق باعتباره جزءاً من تسوية إقليميّة أوسع.

يشير عزيزي إلى أنّ مطالب طهران تشمل إنهاء الحرب على جميع الجبهات، رفع العقوبات، الحصول على تعويضات، والأهمّ من ذلك ضمان إدراج لبنان في إطار وقف إطلاق النار. يرى أنّ الملفّ اللبنانيّ يجعل الأمر أكثر تعقيداً، فمن منظور طهران سيؤدّي أيّ اتّفاق يخفّف الضغط عنها بينما يترك “الحزب” مكشوفاً إلى تفكيك ما يسمّى “وحدة الساحات”، ويسمح لإسرائيل بإضعاف الشبكة الإقليميّة الإيرانيّة تدريجاً.

لهذا السبب يواصل المسؤولون الإيرانيون والمعلّقون المقرّبون من الدولة التأكيد أنّ لبنان لا يمكن فصله عن البنية الأوسع لوقف إطلاق النار.

تجزئة الملفّات

أمّا بالنسبة إلى الولايات المتّحدة وإسرائيل، تجزئة الملفّات هي الهدف الأساسيّ تحديداً. التعامل مع إيران، “الحزب”، مضيق هرمز، والملفّ النوويّ كقضايا منفصلة يمنحهما مرونة أكبر لممارسة الضغط حيثما تريان فائدة في ذلك، بينما يهدف الموقف الإيرانيّ إلى حرمانهما من هذه المرونة.

تهيّئ الولايات المتّحدة الظروف للتصعيد وتُبقي على خيار شنّ حملة سريعة وفعّالة

يعتقد عزيزي في هذا السياق أنّ لبنان أصبح عاملاً حاسماً في تحديد نجاح الدبلوماسيّة، ويوضح أنّ إيران تنظر إلى أيّ اتّفاق يستثني لبنان على أنّه غير مستقرّ بطبيعته لأنّه سيعيد تهيئة الظروف لاستمرار المواجهة. في الوقت نفسه، يشير استمرار الضغط الإسرائيليّ على لبنان خلال فترة وقف إطلاق النار إلى عدم قبول إسرائيل بإطار إقليميّ شامل، وهو ما يعزّز اعتقاد طهران بأنّ الدبلوماسيّة قد تُستخدم لعزل “الحزب” وإضعافه.

يتوقّع عزيزي أنّه في حال فشل المفاوضات، ستختلف المرحلة التالية من الصراع اختلافاً كبيراً عن الحرب السابقة، ويرى أنّ المواجهة المتجدّدة، بدلاً من العودة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، من المرجّح أن تتّخذ شكل حملة عسكريّة قصيرة وعالية الكثافة. يعتبر أنّ الولايات المتّحدة وإسرائيل تميلان بشكل متزايد إلى تسريع وتيرة التصعيد، باستخدام قوّة عسكريّة مركّزة لتغيير التوازن الاستراتيجيّ بسرعة، وتوليد مستوى من الضغط عجزت الأدوات الأبطأ، مثل العقوبات والحصار، عن تحقيقه.

يستبعد عزيزي أن تكرّر إيران نهجها المدروس السابق، فخلال الحرب السابقة، عدّلت عمليّاتها الصاروخيّة وعمليّات الطائرات المسيّرة تحسّباً لصراع أطول، ساعيةً إلى الحفاظ على قدراتها على المدى البعيد. يعتبر أنّ استمرار الهجمات الإسرائيليّة ومحدوديّة المكاسب الاستراتيجيّة لهذا النهج دفعا طهران إلى إعادة تقويم الوضع، وأنّها قد تبادر، في مواجهة مستقبليّة، إلى توجيه ردّها عبر شنّ ضربات أكثر كثافة وتنسيقاً منذ البداية، بهدف إعادة ترسيخ الردع بسرعة وفرض تكاليف فوريّة على إسرائيل.

تطوّر الحرب جغرافيّاً

في ظلّ هذا التحوّل المتوقَّع، يرجّح عزيزي أن تتطوّر الحرب المقبلة على جبهات متعدّدة مترابطة، بدلاً من أن تبقى محصورة جغرافيّاً. يشير إلى أنّ إيران ستفعّل شبكتها الإقليميّة بصورة أكثر تزامناً، رابطةً عمليّاتها العسكريّة بعمليّات حلفائها في المنطقة.

سيلعب لبنان في هذا السياق دوراً عمليّاتيّاً محوريّاً، ولن يبقى “الحزب” جبهة ثانويّة، بل من المرجّح أن يُدمج في المراحل الأولى من التصعيد، فيتحوّل لبنان إلى ساحة رئيسة في تحديد مسار الصراع.

إيران تنظر إلى أيّ اتّفاق يستثني لبنان على أنّه غير مستقرّ بطبيعته لأنّه سيعيد تهيئة الظروف لاستمرار المواجهة

في رأي عزيزي، “تستعدّ إسرائيل لهذا الاحتمال من خلال مواصلة الضغط على “الحزب” خلال فترة وقف إطلاق النار”. يفسّر التحرّكات الإسرائيليّة على أنّها محاولة لإضعاف دور لبنان في أيّ مواجهة مستقبليّة قبل اندلاعها. يرى أنّ هذه الديناميّة تزيد من احتماليّة أن يصبح لبنان ساحة معركة رئيسة في الجولة المقبلة من القتال، بدلاً من كونه مسرحاً ثانويّاً.

أشكال أوسع من الضّغط

يتوقّع عزيزي أن تتجاوز المواجهة المتجدّدة التبادلات العسكريّة التقليديّة، بحيث تجمع الحرب المقبلة بين الضربات المباشرة على البنية التحتيّة النوويّة والعسكريّة وقطاع الطاقة، وأشكال أوسع من الضغط، بما في ذلك تعطيل الطرق البحريّة، ولا سيما في مضيق هرمز، وجهود محتملة لزعزعة الاستقرار الداخليّ في إيران. يعكس هذا المزيج تحوّلاً نحو شكل أكثر تكاملاً من الحرب، تتداخل فيه الأبعاد العسكريّة والاقتصاديّة والداخليّة تداخلاً وثيقاً.

وفقاً لعزيزي، تهيّئ الولايات المتّحدة الظروف للتصعيد وتُبقي على خيار شنّ حملة سريعة وفعّالة. تهدف هذه الاستراتيجية إلى إضعاف البنية التحتيّة الإيرانيّة، ومنع استعادة قدراتها العسكريّة، وفرض تنازلات فشلت الدبلوماسيّة في تحقيقها. يحذّر من أنّ هذا النهج قد لا يحقّق النتائج المرجوّة، بل على العكس قد تدفع زيادة الضغط إيران إلى توسيع نطاق الصراع بدلاً من قبول شروط غير مؤاتية.

في مثل هذا السيناريو، يمكن لطهران توسيع رقعة المعركة عبر تكثيف عمليّاتها على جبهات متعدّدة، بما في ذلك لبنان والخليج وغيرهما. من شأن ذلك أن يعرّض الأطراف الإقليميّة لمخاطر أكبر، ويزيد من احتمالات اندلاع مواجهة أوسع وأكثر خطورة.

يؤكّد عزيزي أنّ التصعيد قد لا يؤدّي إلى حلّ المأزق الاستراتيجيّ القائم. لقد تسبّبت الحرب السابقة بأضرار جسيمة، لكنّها لم تُفضِ إلى نتيجة حاسمة، وقد تكرّر جولة جديدة من القتال هذا النمط بمستوى أشدّ.

يواصل المسؤولون الإيرانيون والمعلّقون المقرّبون من الدولة التأكيد أنّ لبنان لا يمكن فصله عن البنية الأوسع لوقف إطلاق النار

لبنان بؤرة اشتعال

في هذا التحليل الأوسع، يبرز لبنان ركيزةً استراتيجيّةً وبؤرة اشتعال محتملة، فهو محور استراتيجية الردع الإيرانيّة، لكنّه في الوقت نفسه شديد التأثّر بتداعيات تجدّد الصراع. يرى عزيزي أنّ مصير لبنان لا ينفصل عن مسار المواجهة الأوسع. يعكس إصرار إيران على إشراك لبنان في أيّ اتّفاق سعيها الأوسع إلى الحفاظ على وحدة موقفها الإقليميّ ومنع عزل حلفائها.

إقرأ أيضاً: نتنياهو: 30 عاماً في السّلطة… استراتيجية انقسام المجتمع..

في المقابل، يجعل الفشل في حلّ هذه القضيّة دبلوماسيّاً لبنان أكثر عرضة لأن يصبح ساحة مركزيّة في نوع مختلف من الحرب يتّسم بالسرعة والحدّة والترابط الإقليميّ، لكنّه قد يُبقي جوهر الصراع من دون حلّ.

مواضيع ذات صلة

نتنياهو: 30 عاماً في السّلطة… استراتيجية انقسام المجتمع..

صادف يوم 29 أيّار مرور ثلاثين عاماً على تولّي بنيامين نتنياهو رئاسة الوزراء الإسرائيليّة، وهو ما يتّخذه الكاتبان الإسرائيليّان نوعام غيدرون، أستاذ العلوم السياسيّة في…

ترامب وفنّ الاتّفاقيات الهشّة: لبنان نموذجاً

يرى الباحث في صحيفة “نيويوركر” سودارسان راغافان أنّ وقف إطلاق النار في لبنان تحوّل إلى النموذج الأكثر وضوحاً لطريقة إدارة دونالد ترامب للصراعات في الشرق…

فريدمان لـ”النّاتو”: تدخّلوا لتحرير هرمز

يعتبر الكاتب والمحلّل السياسيّ في صحيفة “نيويورك تايمز” توماس فريدمان أنّ على حلف شمالي الأطلسيّ أن يتدخّل، ويجمع قوّاته البحريّة ويتوجّه فوراً إلى الخليج العربيّ…

الاستراتيجية الأميركيّة 2026: الشرق الأوسط و”مسلميه” الأكثر خطراً

تحدّد استراتيجية مكافحة الإرهاب الأميركيّة لعام 2026، الصادرة في ظلّ الإدارة الثانية للرئيس دونالد ترامب، إيران باعتبارها الخطر الأكبر على الولايات المتّحدة الأميركيّة في الشرق…