نتنياهو: 30 عاماً في السّلطة… استراتيجية انقسام المجتمع..

مدة القراءة 8 د

صادف يوم 29 أيّار مرور ثلاثين عاماً على تولّي بنيامين نتنياهو رئاسة الوزراء الإسرائيليّة، وهو ما يتّخذه الكاتبان الإسرائيليّان نوعام غيدرون، أستاذ العلوم السياسيّة في الجامعة العبريّة في القدس، ويوتام مارغاليت، أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة تل أبيب، مناسبةً لتقويم نهجه السياسيّ الطويل وتأثيره في إسرائيل، والكيفيّة التي أعاد بها تشكيل المجتمع الإسرائيليّ من خلال ترسيخ نمط من الاستقطاب الحادّ قسّم المجتمع إلى معسكرين متواجهين.

 

يرى الكاتبان أنّ سرّ بقاء بنيامين نتنياهو في صدارة السياسة الإسرائيليّة طوال ثلاثة عقود لا يكمن أساساً في شعبيّته الشخصيّة أو في التحوّلات الديمغرافيّة داخل المجتمع الإسرائيليّ، بل في تبنّيه ما يصفانه بـ”السياسة المانويّة” القائمة على تقسيم الحياة السياسيّة إلى معسكرين متواجهين.

وفقاً للكاتبين، رسّخ نتنياهو استراتيجية حكم تهدف إلى تعميق الاستقطاب وإقناع أنصاره بأنّ خصومه ليسوا منافسين سياسيّين فقط، بل يمثّلون تهديداً لمصالح إسرائيل وهويّتها. من خلال هذا التحوّل، نجح في بناء ولاء سياسيّ وعاطفيّ متين داخل معسكره مكّنه من الحفاظ على نفوذه على الرغم من اتّساع دائرة معارضيه وتزايد الانقسام داخل المجتمع الإسرائيليّ.

بالتالي لا يتمثّل الإرث الأهمّ لنتنياهو في طول مدّة بقائه في الحكم فقط، بل في إعادة تشكيل قواعد المنافسة السياسيّة والديمقراطيّة في إسرائيل، وتحويلها إلى صراع وجوديّ بين أنصاره وخصومه.

سرّ البقاء في السّلطة

لا يرى الكاتبان أنّ هيمنة نتنياهو تعود إلى التحوّلات الديمغرافيّة أو إلى شعبيّته الشخصيّة. صحيح أنّ المجتمع الإسرائيليّ شهد نموّاً في أوساط المتديّنين اليهود، غير أنّ نسبة تمثيل الأحزاب “الحريديّة” كانت أعلى في أواخر التسعينيّات ممّا هي عليه اليوم، وهو ما يعني أنّ العامل الديمغرافيّ وحده لا يفسّر استمرار نتنياهو في السلطة. إلى ذلك لم تُظهر استطلاعات الرأي يوماً أنّ غالبيّة الإسرائيليّين أحبّوا نتنياهو بصورة استثنائيّة.

عندما عاد إلى الحكم عام 2009، بدأ تدريجاً ببناء خطاب سياسيّ جديد

بالاستناد إلى بيانات دراسات الانتخابات الوطنيّة الإسرائيليّة منذ أوائل التسعينيّات، يرى الكاتبان أنّ ما تغيّر ليس حجم التأييد لنتنياهو بقدر ما تغيّر حجم الكراهية والانقسام حوله. فقد تراجعت نسبة الإسرائيليّين الذين ينظرون إليه بإعجاب كبير من نحو 35% عام 1996 إلى نحو 15% عام 2025.

ارتفعت في المقابل نسبة الذين ينظرون إليه بسلبيّة شديدة من 28% إلى نحو 39%. مع ذلك، بقي نتنياهو الشخصيّة السياسيّة الأكثر تأثيراً في إسرائيل. يُفسَّر هذا التناقض بقدرته على بناء ولاء عاطفيّ قويّ داخل معسكره السياسيّ، وليس عبر توسيع قاعدة التأييد له بين الناخبين المتردّدين.

نتنياهو

لم يحدث هذا التحوّل دفعة واحدة، في رأي الكاتبين، إذ بدأ نتنياهو مسيرته السياسيّة بمنطق مختلف تماماً. في انتخابات عام 1996، سعى إلى استقطاب الناخب الوسطيّ الذي كان يخشى الإرهاب لكنّه لا يرفض فكرة السلام. رفع شعار “صنع سلام آمن”، وانتقد سياسات منافسه شمعون بيريز، لكنّه تعهّد في الوقت نفسه باحترام اتّفاقات أوسلو الموقّعة مع الفلسطينيّين. بعد فوزه بفارق ضئيل، وقّع اتّفاقات إضافيّة مع السلطة الفلسطينيّة، بينها بروتوكول الخليل ومذكّرة واي ريفر، وقَبِل بانسحابات محدودة من الضفّة الغربيّة.

لم يكسب الوسط

لكنّ خسارته الانتخابات عام 1999 شكّلت نقطة تحوّل في تفكيره السياسيّ. استنتج، بعد ثلاث سنوات في الحكم، أنّ محاولة كسب الناخب الوسطيّ كانت فخّاً سياسيّاً، إذ أغضبت قاعدته اليمينيّة من دون أن تُكسبه ثقة اليسار أو الوسط. من ثَمّ بدأ يتبنّى استراتيجية مختلفة تقوم على عدم التوجّه إلى الوسط، بل على تعميق الانقسام السياسيّ بحيث يصبح الخصم غير مقبول أخلاقيّاً ووطنيّاً في نظر أنصاره.

حزب الليكود بزعامة نتنياهو اتّجه منذ منتصف العقد الماضي نحو شيطنة أشدّ للمعارضين السياسيّين، وتبنّى رؤية مناهضة للتعدّديّة السياسيّة ولحقوق الأقليّات

عندما عاد إلى الحكم عام 2009، بدأ تدريجاً ببناء خطاب سياسيّ جديد. لم يعد اليسار الإسرائيليّ يُقدَّم بوصفه منافساً سياسيّاً عاديّاً، بل كجهة معادية وغير وطنيّة مرتبطة بجهات أجنبيّة أو متحالفة مع العرب أو غير مكترثة بالأمن الإسرائيليّ. تحوّلت وسائل الإعلام من مؤسّسات ناقدة إلى جهات متّهَمة بالعمل ضدّ الشعب، بينما صُوِّرت منظّمات المجتمع المدنيّ والاحتجاجات الشعبيّة على أنّها محاولات لتقويض إرادة الناخبين. هكذا بدأ بإعادة تعريف المجال السياسيّ الإسرائيليّ على أساس معسكرين متواجهين.

انتخابات 2015: اللّحظة الحاسمة

في رأي الكاتبين الإسرائيليَّين، كانت اللحظة الحاسمة عام 2015. مع مواجهة احتمال الهزيمة في الانتخابات التشريعيّة، خاض نتنياهو واحدة من أكثر الحملات الانتخابيّة رسوخاً في الذاكرة السياسيّة الإسرائيليّة. نشر مقطع فيديو حذّر فيه من أنّ الناخبين العرب سيتوجّهون إلى صناديق الاقتراع “بأعداد غفيرة”، مدعومين من منظّمات يساريّة. كانت الرسالة واضحة، ولخّصت أسلوب نتنياهو في نداء موجز: التصويت لليمين هو تعبئة طارئة ضدّ تهديد يساريّ من الداخل.

لم يعد الهدف إقناع الوسط، بل تحفيز القاعدة اليمينيّة ومنع أيّ انشقاق عنها. حقق فوزاً حاسماً، فتعزّزت قناعته بفعّاليّة هذا النموذج السياسيّ.

يشير الكاتبان إلى بيانات جمعتها منظّمة “أنواع الديمقراطيّة”، التي ترصد جودة الديمقراطيّة في مختلف أنحاء العالم، وتُظهر أنّ حزب الليكود بزعامة نتنياهو اتّجه منذ منتصف العقد الماضي نحو شيطنة أشدّ للمعارضين السياسيّين، وتبنّى رؤية مناهضة للتعدّديّة السياسيّة ولحقوق الأقليّات، وهاجم “النخب” التي يُزعم أنّها تعمل ضدّ “الشعب الحقيقيّ”. تُبيّن بيانات أخرى، من بينها استطلاعات “تشابل هيل” للخبراء، أنّ الليكود في عهده بات أقرب في خصائصه إلى أحزاب اليمين الشعبويّ المتطرّف في أوروبا، إذ أصبح حزباً مناهضاً للنخب، ذا توجّه أغلبيّ، معادياً للضوابط المؤسّسيّة، ويتمحور حول زعيم يدّعي تمثيل الشعب.

 خاض نتنياهو واحدة من أكثر الحملات الانتخابيّة رسوخاً في الذاكرة السياسيّة الإسرائيليّة

يشدّد الكاتبان على الأثر العميق لهذا التحوّل في النظام السياسيّ الإسرائيليّ. على الرغم من أنّ إسرائيل لم تكن يوماً ديمقراطيّة ليبراليّة كاملة بسبب الاحتلال ووضع المواطنين الفلسطينيّين داخل إسرائيل، استهدف مشروع نتنياهو أيضاً العناصر الليبراليّة القائمة، مثل استقلال القضاء، حياد البيروقراطيّة، دور المجتمع المدنيّ، والقبول بمبدأ أنّ الخصوم السياسيّين منافسون شرعيّون لا أعداء للدولة.

يشير الكاتبان، في هذا السياق، إلى خطّة الإصلاح القضائيّ التي طرحتها حكومة نتنياهو السادسة عام 2023، والتي هدفت إلى تقليص صلاحيّات القضاء وتعزيز سلطة الحكومة، وكيف مثّلت هذه الخطوة تتويجاً لسنوات من التحريض ضدّ المؤسّسات والخصوم السياسيّين، وأدّت إلى موجة احتجاجات واسعة وانقسامات غير مسبوقة داخل المجتمع الإسرائيليّ امتدّت حتّى المؤسّسة العسكريّة.

7 أكتوبر صقل سياسة “نحن ضدّهم”

في ظلّ هذه الظروف، بدا، بحسب الكاتبين، أنّ هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023 سيضع نهاية لمسيرة نتنياهو السياسيّة باعتباره أكبر إخفاق أمنيّ في تاريخ إسرائيل الحديث. لكن بدلاً من أن يؤدّي الهجوم إلى انهياره السياسيّ، استخدم نتنياهو الحرب لصقل أسلوبه في الحكم القائم على ثنائيّة “نحن ضدّهم”.

لا يتمثّل الإرث الأهمّ لنتنياهو في طول مدّة بقائه في الحكم فقط، بل في إعادة تشكيل قواعد المنافسة السياسيّة والديمقراطيّة في إسرائيل

صوّر كلّ ما يتعلّق بالحرب في غزّة، بدءاً من رفضه تحمّل المسؤوليّة الشخصيّة عن الإخفاقات التي أدّت إلى هجمات “حماس”، مروراً باستراتيجيته الحربيّة، وصولاً إلى إفشاله مفاوضات الرهائن، من خلال منظور معسكرين متواجهين: معسكر “الوطنيّين الحقيقيّين” (قاعدة نتنياهو) في مواجهة أولئك الذين يحاولون تقويض مكانة إسرائيل، أي جميع الآخرين، بمن فيهم شخصيّات من اليمين المتطرّف رافضة لقيادته.

بحسب تحليل الكاتبين لبيانات الاستطلاع التي جُمعت في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر والحرب التي تلته، لم يفقد نتنياهو قاعدته الشعبيّة. ظلّ مؤيّدوه الأساسيّون، إلى حدّ كبير، متمسّكين به، وهو ما يؤكّد القبضة القويّة التي لا يزال يمارسها على معسكره السياسيّ.

إقرأ أيضاً: ترامب وفنّ الاتّفاقيات الهشّة: لبنان نموذجاً

رسّخ نتنياهو نموذج حكم ظهر لاحقاً في دول مثل المجر والهند والولايات المتّحدة، لا يعتمد فيه الزعيم على توسيع قاعدة محبّيه بقدر اعتماده على إقناع أنصاره بأنّ البديل غير مقبول أو يشكّل تهديداً وجوديّاً، أي أنّ نجاحه لا يقوم على كسب الأغلبيّة، بل على منع مؤيّديه من التفكير في الانتقال إلى المعسكر الآخر.

مواضيع ذات صلة

جولة قاسية من الحرب… لبنان ساحتها الرئيسة

يتوقّع الكاتب السياسيّ الإيرانيّ حميد رضا عزيزي، الباحث في “المعهد الألمانيّ للشؤون الدوليّة والأمنيّة” و”مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدوليّة”، أن يندلع نوع مختلف من الحرب…

ترامب وفنّ الاتّفاقيات الهشّة: لبنان نموذجاً

يرى الباحث في صحيفة “نيويوركر” سودارسان راغافان أنّ وقف إطلاق النار في لبنان تحوّل إلى النموذج الأكثر وضوحاً لطريقة إدارة دونالد ترامب للصراعات في الشرق…

فريدمان لـ”النّاتو”: تدخّلوا لتحرير هرمز

يعتبر الكاتب والمحلّل السياسيّ في صحيفة “نيويورك تايمز” توماس فريدمان أنّ على حلف شمالي الأطلسيّ أن يتدخّل، ويجمع قوّاته البحريّة ويتوجّه فوراً إلى الخليج العربيّ…

الاستراتيجية الأميركيّة 2026: الشرق الأوسط و”مسلميه” الأكثر خطراً

تحدّد استراتيجية مكافحة الإرهاب الأميركيّة لعام 2026، الصادرة في ظلّ الإدارة الثانية للرئيس دونالد ترامب، إيران باعتبارها الخطر الأكبر على الولايات المتّحدة الأميركيّة في الشرق…