لم يعد التوتّر بين مصر وإثيوبيا مقتصراً على ملفّ سدّ النهضة ومياه النيل، بل تمدّد بصورة متسارعة إلى ساحات البحر الأحمر والقرن الإفريقيّ، حيث تتداخل حسابات الأمن القوميّ بالممرّات البحريّة، وتتشابك مشاريع النفوذ مع خرائط التجارة والطاقة والتحالفات العسكريّة والإقليميّة.
لا يعكس الخطاب الإثيوبيّ المتصاعد ضدّ القاهرة، واتّهامها بالسعي إلى “تطويق” أديس أبابا ومنعها من الوصول إلى منفذ بحريّ، سجالاً سياسيّاً عابراً، بل يكشف انتقال الصراع بين البلدين إلى مرحلة جديدة أكثر عمقاً واتّساعاً، عنوانها الحقيقيّ: إعادة رسم موازين القوى في شرق إفريقيا.
السّدّ لم يعد أزمة مياه فقط
على مدى أكثر من عقد، تعاملت القاهرة مع أزمة سدّ النهضة باعتبارها تهديداً مباشراً لأمنها المائيّ. لكن مع الوقت بدأت المؤسّسة المصريّة تدرك أنّ المشروع الإثيوبيّ يتجاوز إنتاج الكهرباء أو إدارة المياه ليتحوّل إلى منصّة لإعادة بناء النفوذ الإثيوبيّ في القرن الإفريقيّ.
لا ترى إثيوبيا نفسها دولة تبحث عن التنمية وحسب، بل قوّة إقليميّة صاعدة تريد ترجمة ثقلها السكّانيّ والاقتصاديّ إلى نفوذ سياسيّ واستراتيجيّ واسع، يمتدّ من حوض النيل إلى البحر الأحمر.
من هنا تغيّر الإدراك المصريّ تدريجاً: لم تعد الأزمة أزمة “حصص مياه” فقط، بل مشروع صعود إثيوبيّ شامل قد يعيد تشكيل البيئة الجيوسياسيّة المحيطة بمصر نفسها.
في المقابل، تبدو القاهرة وكأنّها نقلت المواجهة من ضفاف النيل إلى سواحل البحر الأحمر والقرن الإفريقيّ. لا يمكن قراءة التحرّكات المصريّة الأخيرة في إريتريا وجيبوتي والصومال والسودان بوصفها نشاطاً دبلوماسيّاً عاديّاً، بل كجزء من استراتيجية أوسع لإعادة بناء الحضور المصريّ داخل المجال الحيويّ المحيط بإثيوبيا.
لا تبدو مصر راغبة في الذهاب إلى مواجهة مباشرة مع إثيوبيا، بقدر ما تسعى إلى بناء سياسة “احتواء استراتيجيّ” طويلة الأمد
تقوم هذه الاستراتيجية على مبدأ واضح: إذا كانت أديس أبابا استخدمت ورقة النيل لفرض وقائع جديدة، فإنّ القاهرة ستستخدم بدورها الجغرافيا البحريّة والتحالفات الإقليميّة لبناء توازنات مقابلة تمنع تحوُّل إثيوبيا إلى قوّة مهيمنة في شرق إفريقيا.
التّحالفات الإقليميّة
يحمل التقارب المصريّ مع إريتريا أبعاداً تتجاوز التعاون الاقتصاديّ والسياسيّ التقليديّ. تمثّل الدولة، التي خاضت حرباً طويلة مع إثيوبيا وتمتلك موقعاً استراتيجيّاً بالغ الحساسيّة على البحر الأحمر، نقطة ارتكاز مهمّة في مواجهة الطموحات الإثيوبية بالنسبة إلى القاهرة.
لهذا لا يقتصر التعاون بين البلدين على الاتّفاقات البحريّة والاقتصاديّة، بل ويمتدّ إلى التفاهمات الأمنيّة والتنسيق المرتبط بمراقبة الممرّات الاستراتيجيّة القريبة من باب المندب، بما يمنح مصر حضوراً متقدّماً على الخاصرة البحريّة الإثيوبيّة.

أمّا في السودان فقد شكّل التعاون العسكريّ المصريّ ـ السودانيّ خلال السنوات الماضية أحد أبرز مصادر القلق الإثيوبيّ. المناورات المشتركة، التنسيق الأمنيّ، والتقارب السياسيّ المرتبط بملفّ النيل كلّها اعتبرتها أديس أبابا محاولة لبناء جبهة ضغط مقابلة لمشروع السدّ. إلى ذلك يمنح الموقع الجغرافيّ للسودان أيّ حضور مصريّ فيه أهميّة مضاعفة، باعتباره يشكّل الامتداد الغربيّ المباشر للمجال الحيويّ الإثيوبيّ.
اكتسب الحضور المصريّ في الصومال بعداً أكثر وضوحاً بعد أزمة مذكّرة التفاهم بين إثيوبيا و”إقليم أرض الصومال” الذي كسر الخطوط الحمر بإقامته علاقات دبلوماسيّة مع إسرائيل. سرعان ما عزّزت القاهرة تعاونها الأمنيّ والعسكريّ مع الحكومة الفدراليّة الصوماليّة، في رسالة سياسيّة واضحة مفادها أنّ مصر لن تقبل بفرض ترتيبات جديدة على البحر الأحمر وخليج عدن تتجاوز الحكومات المركزيّة أو تعيد رسم خرائط النفوذ البحريّ في المنطقة.
يمنح هذا الحضور القاهرة موطئ نفوذ قريباً من خطوط الملاحة الدوليّة والمجال البحريّ الذي تطمح إثيوبيا للوصول إليه.
يبدو أنّ مصر وإثيوبيا دخلتا بالفعل مرحلة “الصراع الجيوسياسيّ المفتوح
لا يقلّ أهمّيّة عن ذلك تنامي العلاقات المصريّة مع أوغندا، الدولة المحوريّة في حوض النيل والبحيرات العظمى. عملت القاهرة خلال السنوات الأخيرة على توسيع التعاون العسكريّ والتدريب الأمنيّ وبناء شراكات دفاعيّة مع كمبالا، في إطار سياسة تهدف إلى تعزيز حضورها داخل العمق الإفريقيّ وعدم ترك المجال الحيويّ المحيط بإثيوبيا خاضعاً بالكامل لنفوذ أديس أبابا.
من المنفذ البحريّ إلى الدّور العسكريّ
تبدو الرسالة المصريّة الضمنيّة واضحة: كما استطاعت إثيوبيا استخدام ورقة النيل لإنتاج قوّة سياسيّة وإقليميّة جديدة، تستطيع القاهرة بدورها استخدام البحر الأحمر والتحالفات الإقليميّة وشبكات النفوذ العسكريّ لفرض توازنات مقابلة.
لهذا لم يكن عابراً أن يكرّر وزير الخارجيّة المصريّ بدر عبدالعاطي أنّ أمن البحر الأحمر “مسؤوليّة حصريّة للدول المشاطئة له”، في موقف يحمل اعتراضاً مبطّناً على الطموح الإثيوبيّ للانخراط في ترتيبات البحر الأحمر من دون امتلاك سواحل عليه. تدرك القاهرة أنّ حصول إثيوبيا على منفذ بحريّ دائم قد لا يقتصر على البعد الاقتصاديّ، بل قد يفتح الباب مستقبلاً أمام دور عسكريّ وأمنيّ إثيوبيّ في واحد من أكثر الممرّات حساسيّة في العالم.
تراهن إثيوبيا على ثقلها السكّانيّ والاقتصاديّ وموقعها داخل شرق إفريقيا، فلن تتراجع بسهولة عن مشروعها البحريّ أو طموحاتها الإقليميّة
هل تنجح استراتيجية الاحتواء؟
مع ذلك، لا تبدو مصر راغبة في الذهاب إلى مواجهة مباشرة مع إثيوبيا، بقدر ما تسعى إلى بناء سياسة “احتواء استراتيجيّ” طويلة الأمد. لكنّ نجاح هذه السياسة يبقى مرتبطاً باستمرار شبكة تحالفاتها الإقليميّة، وتحويل حضورها السياسيّ والعسكريّ إلى نفوذ مستدام، في منطقة شديدة الهشاشة وسريعة التحوّل.
إذ تراهن إثيوبيا على ثقلها السكّانيّ والاقتصاديّ وموقعها داخل شرق إفريقيا، فلن تتراجع بسهولة عن مشروعها البحريّ أو طموحاتها الإقليميّة، وهو ما يعني أنّ المنطقة قد تكون أمام مرحلة طويلة من التنافس المنخفض الحدّة لكن المرتفع المخاطر.
إقرأ أيضاً: بطاقة حمراء مصرية للاعب الإثيوبي
في لحظة إقليميّة يعاد فيها رسم خرائط القوّة من الخليج إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقيّ، يبدو أنّ مصر وإثيوبيا دخلتا بالفعل مرحلة “الصراع الجيوسياسيّ المفتوح، إذ لم يعد السدّ سوى أحد وجوه مواجهة أكبر بكثير تتعلّق بمستقبل النفوذ في شرق إفريقيا، وبالسؤال الأهمّ: من يملك حقّ تشكيل التوازنات الجديدة في البحر الأحمر والقرن الإفريقي خلال العقود المقبلة؟
