بطاقة حمراء مصرية للاعب الإثيوبي

مدة القراءة 6 د

ليس من قبيل المبالغة أن يرفع عبدالفتّاح السيسي صوته عالياً في ملفّ سدّ النهضة. حين يتحدّث رئيس مصر عن المياه بوصفها “قضيّة وجوديّة”، لا يطلق توصيفاً سياسيّاً إنشائيّاً، بل يضع عنواناً دقيقاً لمرحلة جديدة: مرحلة تتحوّل فيها الموارد الطبيعيّة إلى خطوط مواجهة صلبة.

 

لم تكن بروتوكوليّةً الرسالة التي وجّهها الرئيس المصريّ عبدالفتّاح السيسي أمام مستشار الرئيس الأميركيّ للشؤون العربيّة والإفريقيّة مسعد بولس، بل كانت بمنزلة إعادة تعريف للملفّ برمّته: من نزاع فنّيّ على سدّ، إلى اختبار إرادات بين دول المنبع والمصبّ، وبين منطق السيادة ومنطق فرض الأمر الواقع.

كبر سدّ النهضة أكثر من حجمه. منذ إطلاق مشروعه عام 2011، حاولت إثيوبيا تسويقه بوصفه مشروعاً تنمويّاً لإنتاج الكهرباء وتحقيق نهضة اقتصاديّة. لم يعترض أحد في القاهرة على حقّ إثيوبيا في التنمية. كان الاعتراض، ولا يزال، على غياب القواعد الملزمة التي تنظّم ملء الخزّان، تشغيل السدّ، وإدارة فترات الجفاف.

لكنّ ما جرى خلال السنوات الماضية، وخصوصاً مع تسارع مراحل الملء الأحاديّ، كشف أنّ المشروع يتجاوز أهدافه المعلنة.

لم يعُد رئيس الوزراء آبي أحمد يتصرّف كقائد مشروع بنية تحتيّة، بل كصانع معادلة جيوسياسيّة جديدة: من يتحكّم بالمياه… يتحكّم بالقرار.

كبر سدّ النهضة أكثر من حجمه. منذ إطلاق مشروعه عام 2011، حاولت إثيوبيا تسويقه بوصفه مشروعاً تنمويّاً لإنتاج الكهرباء وتحقيق نهضة اقتصاديّة

في المقابل، تشرح الأرقام لماذا تحتدّ القاهرة:

– تأتي أكثر من 95 في المئة من احتياجات مصر المائيّة من نهر النيل.

– تبلغ حصّة مصر التاريخيّة نحو 55.5 مليار متر مكعّب سنويّاً.

– قد يؤثّر أيّ خفض ولو بنسبة 10% فقط على ملايين الأفدنة الزراعيّة.

– تقع مصر تحت خطّ الفقر المائيّ (أقلّ من 1,000 متر مكعّب للفرد سنويّاً).

في المقابل، يتحكّم النيل الأزرق الذي ينبع من بحيرة تانا الإثيوبيّة بنحو 80 في المئة من مياه النيل التي تصل إلى مصر.

هذه ليست أرقاماً تقنيّة، بل معادلة بقاء. لهذا عندما ترفض القاهرة أيّ مساس بقواعد تشغيل السدّ، لا تدافع عن حصّة، بل عن استقرار دولة كاملة.

أين إسرائيل ممّا يجري؟

ألمح السيسي مراراً إلى أنّ المياه جزء من حملة ضغوط على مصر لتحقيق أهداف أخرى، و”نحن مدركون لذلك”. هنا لا يمكن تجاهل دور إسرائيل والإمارات العربية المتحدة في هذه المعادلة، حتّى لو بقي غير معلن بالكامل. تشير تحليلات، من بينها ما يقدّمه عاموس هرئيل، إلى أنّ الحضور الإسرائيليّ في إثيوبيا يتجاوز التعاون التقنيّ إلى مستوى التفكير الاستراتيجيّ في كيفيّة توظيف السدّ مستقبلاً.

لا يُخفي الرئيس الإثيوبيّ آبي أحمد سعيه إلى تحويل سدّ النهضة من مشروع تنمويّ مزعوم إلى أداة ضغط إقليميّ على مصر وكسب لإسرائيل مدفوع الثمن. رحّب شكليّاً بالمبادرة الأميركيّة، التي تمنح القاهرة دوراً إداريّاً في السدّ أو زيادة في حصّتها المائيّة، لكن بشرط استراتيجيّ واحد لا يقبل التأويل: فتح قنوات مائيّة تنتهي في النقب الإسرائيليّة. هذا المطلب الإسرائيلي القديم رفضته مصر مراراً وتكراراً. النيل خطّ أحمر مصريّ، وأيّ مسّ به هو مسّ بالأمن القوميّ المصريّ.

إسرائيل، التي طوّرت واحدة من أكثر منظومات تحلية المياه تقدّماً في العالم، لا تعاني عطشاً وجوديّاً، لكنّها تفكّر بمنطق مختلف: تنويع مصادر النفوذ، لا فقط مصادر المياه، ولا تترك فرصة لتحويل النيل من نهر سياديّ إلى ورقة تفاوض متعدّدة الأطراف، وهو بالضبط ما ترفضه القاهرة.

لا يُخفي الرئيس الإثيوبيّ آبي أحمد سعيه إلى تحويل سدّ النهضة من مشروع تنمويّ مزعوم إلى أداة ضغط إقليميّ على مصر وكسب لإسرائيل مدفوع الثمن

واشنطن: وسيط لا يحسم

تعكس عودة قنوات الاتّصال مع الرئيس دونالد ترامب محاولة أميركيّة لاستعادة زمام المبادرة. لكنّ التجربة المصريّة مع الوساطة الأميركيّة، منذ جولات التفاوض السابقة، تترك انطباعاً واضحاً: واشنطن لا تسعى دائماً إلى حلّ النزاع، بل إلى إدارته ضمن توازنات أوسع.

العروض التي تُطرح، من حوافز اقتصاديّة إلى ترتيبات مائيّة، تُقابَل في القاهرة بسؤال بسيط: هل هذه حلول أم إعادة صياغة للمشكلة بشكل أكثر تعقيداً؟

أمّا الاتّحاد الأوروبيّ، حين يتحرّك، فذلك يعني أنّ الملفّ خرج من إطاره الإقليميّ الضيّق.

تنظر أوروبا إلى مصر بصفة كونها حاجزاً أمام موجات الهجرة، وركيزة استقرار في شرق المتوسّط، وشريكاً أمنيّاً في ملفّات الطاقة والإرهاب.

أيّ اهتزاز كبير في الداخل المصريّ، نتيجة أزمة مائيّة، قد يفتح أبواباً لا تستطيع أوروبا تحمّلها.

لهذا لم يعُد دعم مصر في هذا الملفّ موقفاً سياسيّاً وحسب، بل ومصلحة أوروبيّة مباشرة.

القاهرة تغيّر قواعد الاشتباك

ليس ما تغيّر اليوم لهجة الخطاب فقط، بل عقيدة التعامل مع الأزمة: لم تعُد مصر تنتظر اتّفاقاً، بل أن تفرَض شروطه. لم تعد تتعامل مع السدّ كمشروع، بل كأداة ضغط لم تعد تحصر الردّ في التفاوض، بل تلوّح بخيارات أوسع.

بالتوازي، تتحرّك داخليّاً عبر مشاريع إعادة تدوير المياه والتوسّع في التحلية، نقل المياه إلى سيناء والدلتا الجديدة لتعميرهما وتنمية الزراعة فيهما وتشجيع السكّان على الانتقال إليهما.

إقرأ أيضاً: العراق بين مطرقة “الإطار” الإيراني وسندان واشنطن

لكنّ هذه الإجراءات، مع أهمّيّتها، ليست بديلاً عن النيل. هي شبكة أمان فقط في مواجهة سيناريوات الأسوأ.

في المحصّلة، لم يعد السؤال: كم ستخسر مصر من المياه؟ أصبح السؤال الحقيقيّ: هل يبقى النيل نهراً مصريّاً أم يتحوّل إلى منصّة نفوذ إقليميّة؟

إذا نجحت إثيوبيا في فرض نموذجها فستفتح الباب أمام سابقة خطِرة: أن تتحوّل الأنهار الدوليّة إلى أدوات ضغط سياسيّة.

إذا انزلق الملفّ إلى هذا المسار فلن يبقى النزاع محصوراً في سدّ، بل سيتحوّل إلى نموذج يتكرّر في كلّ الأحواض المائيّة المتوتّرة في العالم.

لهذا حين تقول القاهرة إنّ النيل خطّ أحمر لا ترفع السقف التفاوضيّ فقط، بل ترسم حدود مرحلة جديدة: إمّا تثبيت قواعد تقاسم عادلة أو الدخول في زمن تُحسم فيه الجغرافيا بالقوّة لا بالقانون.

مواضيع ذات صلة

“عقل” لا يهمّه مصير المواطن الجنوبيّ

سواء دخلت المعادلة الجديدة المتمثّلة في وقف قصف “الحزب” لشماليّ إسرائيل حيّز التنفيذ، في مقابل امتناع الدولة العبريّة عن مهاجمة الضاحية الجنوبيّة، أم لم يحصل…

رفع سوريا من قائمة الإرهاب: هل يفعلها ترامب؟

أعاد الاتّصال الهاتفيّ الأخير بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع ونظيره الأميركيّ دونالد ترامب ملفّ العقوبات إلى الواجهة، بعدما طلب الشرع إزالة ما بقي من القيود…

من دمشق إلى بغداد: ما المهمّة الإقليميّة الجديدة لتوم بارّاك؟

ما بدا في البداية أنّه تعديل إداريّ على مهمّة توم بارّاك الدبلوماسيّة، تحوّل سريعاً إلى مؤشّر إلى إعادة ترتيب أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع…

1982 لا راية بيضاء فوق قلعة الشقيف

في حزيران عام 1982 سأل رئيس الوزراء الإسرائيليّ مناحيم بيغن أحد الجنود الإسرائيليّين في قلعة الشقيف، أمام عدسات التلفاز: “هل كانت لديهم بنادق؟”، فأجاب الجنديّ:…