تُمثّل المقاومة الإسلامية في لبنان ظاهرة سياسية وفلسفية معقّدة، نشأت في سياق الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، واستمدّت شرعيتها الأولى من مفهوم الدفاع عن الأرض والهوية. وقد استطاعت، خصوصًا بعد تحرير الجنوب عام 2000، أن تفرض نفسها كقوة إقليمية مؤثرة، وأن تُقدَّم بوصفها نموذجًا عربيًا نادرًا نجح في إجبار إسرائيل على الانسحاب بالقوة. كما عزّزت حرب تموز 2006 صورة المقاومة الاسلامية باعتبارها قوة ردع، ورسّخت في الوعي الشعبي فكرة أن الإرادة العقائدية يمكن أن تتفوّق على التفوق العسكري والتكنولوجي.
فلسفيًا، قامت المقاومة الاسلامية على ثنائية “المقدّس والسياسي”، حيث امتزج البعد الديني بالمشروع الوطني، ما منحها قدرة تعبئة واسعة داخل بيئتها الحاضنة. لكنها، في المقابل، واجهت إشكالية أساسية تتمثل في الانتقال من حركة مقاومة إلى قوة سياسية تمتلك نفوذًا داخليًا واسعًا. فنجاح المقاومة الاسلامية العسكري لم يترافق دائمًا مع نجاح في بناء الدولة أو حماية التوازن الوطني اللبناني الهش.
ومع تعقّد الأزمات اللبنانية، بدأت صورتها تتعرض لتحديات داخلية وخارجية. فدخولها في الصراعات الإقليمية، وارتباطها بمحاور دولية، جعلا جزءًا من اللبنانيين يرى فيها قوة تتجاوز مفهوم المقاومة الوطنية- بين مزدوجين- إلى مشروع سياسي عابر للدولة. كما أن الانهيار الاقتصادي اللبناني أضعف الخطاب الأيديولوجي أمام أسئلة الناس اليومية المتعلقة بالعيش والحرية والسيادة.
المقاومة الإسلامية في لبنان عاشت مفارقة تاريخية، فقد نجحت في مرحلة معينة ومحددة في التاريخ في مواجهة الاحتلال، لكنها اصطدمت بصعوبة التوفيق بين منطق المقاومة ومنطق الدولة. وهذه المفارقة ليست عسكرية فقط، بل فلسفية أيضًا، لأنها تطرح سؤالًا عميقًا حول إمكانية بقاء “حركات التحرر” نقية بعد تحوّلها إلى جزء من السلطة والنظام السياسي.
أي نهاية؟!
يصعب الجزم بكيفية نهاية المقاومة الإسلامية في لبنان، لأن الحركات العقائدية المسلحة لا تنتهي عادةً بطريقة واحدة أو بقرار مفاجئ، بل تتحول تدريجيًا تبعًا للتحولات السياسية والاجتماعية والإقليمية.
المقاومة الإسلامية في لبنان عاشت مفارقة تاريخية، فقد نجحت في مرحلة معينة ومحددة في التاريخ في مواجهة الاحتلال
تاريخيًا، معظم حركات المقاومة إما تندمج في الدولة، أو تُستنزف بحروب طويلة، أو تفقد تدريجيًا مبررات وجودها عندما يتغيّر الواقع الذي أنشأها.
في الحالة اللبنانية، تبدو فرضية المواجهة الشاملة مع الجيش اللبناني ضعيفة، لأن أي صدام داخلي واسع سيهدد البنية اللبنانية كلها، كما أن المقاومة تدرك أن شرعيتها الأساسية قامت على مقاومة إسرائيل لا على الدخول في حرب أهلية. أما الحرب مع إسرائيل فتبقى الاحتمال الدائم، لكنها على الأرجح لن تكون “نهاية حاسمة”، بل محطة قد تعيد رسم التوازنات. فإسرائيل تسعى إلى إضعاف قدرات المقاومة العسكرية، بينما تسعى المقاومة إلى تثبيت معادلة الردع، ما يجعل الصراع مفتوحًا أكثر مما هو قابل للحسم الكامل.
لكن الاحتمال الأكثر واقعية هو التحول البطيء؛ أي انتقال المقاومة مع الزمن من مشروع تعبوي عسكري إلى قوة سياسية – اجتماعية مرتبطة بالدولة ومؤسساتها، بحيث تصبح أقل قدرة على الحفاظ على صورتها الأولى كحركة تحرر خالصة. وهنا يكمن التحدي الأكبر.
إقرأ أيضاً: راقب إيران لترى… الصين!
ومن زاوية النظر الى المقاومة الاسلامية في لبنان بين العسكري والسياسي-الاجتماعي، فالاخيرة كانت تمتلك قوة مؤثرة قادرة على تغيير معادلات الحرب في المنطقة، واليوم تعمل في عدٍ تراجعي على اقحام مسيرات سلكية هي قوتها الاخيرة المؤقتة حكماً، في وجه اسرائيل. وبالتالي فان القوة العسكرية تبقى قابلة للاحتواء أو التوازن مع الزمن. أما الجانب العقائدي فهو الأعمق والأطول أثرًا، لأنه يصنع هوية جماعية وثقافة تعبئة واستعداد للتضحية. العقيدة هي التي تعطي السلاح معناه واستمراريته، ولذلك تخشى الدول عادةً “الفكرة” أكثر من السلاح نفسه. ومع ذلك، حين تتحول العقيدة إلى يقين مغلق غير قابل للنقد، قد تصبح عامل انقسام داخلي بقدر ما تكون عامل مقاومة.
