راقب إيران لترى… الصين!

مدة القراءة 3 د

تشهد الساحة الدوليّة تحوّلاً عميقاً في طبيعة الصراع بين القوى الكبرى، حيث لم تعد المواجهة بين الولايات المتّحدة والصين تنافساً اقتصاديّاً أو تجاريّاً بحتاً، بل أصبحت معركة شاملة على قيادة النظام العالميّ الجديد. في هذا السياق، تبدو إيران، بعد فنزويلّا، جزءاً من ساحات الاشتباك غير المباشر بين القوّتين، بما يفرض قراءة مختلفة للتطوّرات الإقليميّة والدوليّة.

 

أوّلاً، تعمل الولايات المتّحدة على تطويق النفوذ الصينيّ عالميّاً عبر السيطرة على الممرّات البحريّة والطاقة والتكنولوجيا، فيما تسعى الصين، التي تستهلك يوميّاً حوالى 20 مليون برميل من النفط لإنتاج الطاقة الضروريّة لصناعاتها التقليديّة أو الإلكترونيّة، إلى بناء نظام اقتصاديّ موازٍ يخفّف من هيمنة الدولار والمؤسّسات الغربيّة. لذلك تتحوّل مناطق الأزمات إلى نقاط اختبار لنفوذ الطرفين.

ثانياً، تمثّل إيران موقعاً استراتيجيّاً بالغ الأهميّة في مشروع الربط الآسيويّ الصينيّ، وخصوصاً ضمن مشروع “الحزام والطريق”. تحتاج الصين إلى استقرار خطوط الطاقة، بينما ترى واشنطن أنّ توسيع الشراكة الصينيّة الإيرانيّة يهدّد نفوذها التقليديّ في الشرق الأوسط.

ثالثاً، بعد سقوط فنزويلّا، التي شكّلت نموذجاً للصراع على النفط والعقوبات وكسر الهيمنة الأميركيّة في أميركا اللاتينيّة، تأتي إيران بوصفها نموذجاً أكثر حساسيّة لأنّها تقع في قلب التوازنات الأمنيّة والعسكريّة العالميّة، وتمتلك قدرة على التأثير في الخليج وطرق التجارة الدوليّة، وتلعب دوراً محوريّاً في مدّ الصين بالطاقة الرخيصة خارج منظومة البترودولار بعدما لم يبقَ للصين اليوم سوى روسيا التي تستفيد من انحصار المدّ الطاقيّ بها بعد محاصرة الجيش الأميركيّ لشواطىء إيران وفق أسباب متعدّدة لكن غير الأسباب الحقيقيّة.

رابعاً، العقوبات الاقتصاديّة لم تعُد أدوات ضغط سياسيّة وحسب، بل تحوّلت إلى أسلحة استراتيجيّة في الحرب الكبرى على النفوذ العالميّ، فكلّ تشديد على إيران يُعدّ أيضاً رسالة إلى الصين وحلفائها عن حدود التمدّد المسموح بها.

تبدو إيران، بعد فنزويلّا، جزءاً من ساحات الاشتباك غير المباشر بين القوّتين، بما يفرض قراءة مختلفة للتطوّرات الإقليميّة والدوليّة

خامساً، إنّ قراءة أيّ تطوّر أمنيّ أو تفاوضيّ يتعلّق بإيران يجب أن تتمّ ضمن إطار الصراع الأميركيّ ـ الصينيّ الأشمل، لا باعتباره ملفّاً محليّاً أو إقليميّاً منفصلاً، لأنّ تشابك المصالح الدوليّة بات يحكم معظم أزمات العالم.

في الخاتمة، يبقى أنّ زيارة ترامب للصين سوف تكون محوريّة في تحديد اتّجاه الحرب على إيران، إذ يبدو في مكانٍ ما أنّ العالم يتّجه نحو مرحلة إعادة رسم موازين القوى تتحوّل فيها الدول المتوسّطة والمأزومة إلى ساحات نفوذ واختبار. من هنا، فهم ما يجري في إيران أو فنزويلّا لا يكتمل إلّا من خلال إدراك أنّهما جزء من معركة دوليّة أكبر على شكل النظام العالميّ المقبل.

إقرأ أيضاً: إيران و”الحزب”.. أكثر من حليف وأكبر من ساحة

مواضيع ذات صلة

اتفاقا إيران ولبنان.. ينجحان معاً أو يسقطان معاً؟

ربطت إيران لبنان بها وفق معادلة واضحة: لا يمضي الاتّفاق مع الولايات المتّحدة ما لم يكن لبنان جزءاً منه، على طريقة حافظ الأسد في “وحدة…

ليلة دهم واحدة لا تطهر العراق من الفساد

قبل ساعات من بزوغ فجر الأحد، لم تكن ليلة بغداد كسابقاتها المعتادة. أرتال عسكريّة انتشرت عند مداخل المنطقة الخضراء، ومروحيّات حلّقت فوق العاصمة، فيما نفّذت…

اتفاق الإطار: ضعف التهدئة وتحديات التنفيذ (1/2)

كيف توصل لبنان وإسرائيل إلى اتفاق إطاري ثلاثي برعاية أميركية؟ وكيف وضع الاتفاق إطارًا لتنظيم الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان وإرساء سلطة الدولة عبر «مناطق…

“7 أيّار” أصبحت ماضياً إنطوى

لم يعُد ما يجري في بيروت اعتراضاً سياسيّاً على اتّفاقٍ جديد، ولا يمكن التعامل معه بوصفه ردّ فعل عابراً على صيغة تفاوضيّة أُبرمت في واشنطن….