لم تعُد الانتخابات الإسرائيليّة المقبلة استحقاقاً سياسيّاً عاديّاً وحسب، بل تتحوّل تدريجاً إلى معركة على مستقبل النظام الإسرائيليّ نفسه، في ظلّ حرب مفتوحة على جبهات عدّة، وأزمة ثقة غير مسبوقة داخل المجتمع والمؤسّسات، وتصدّعات تضرب معسكر اليمين الحاكم بقيادة بنيامين نتنياهو.
للمرّة الأولى منذ سنوات، لا يخشى اليمين الإسرائيليّ خسارة الحرب فقط، بل خسارة السلطة أيضاً.
لم يعد هذا القلق محصوراً في أوساط المعارضة أو الإعلام الإسرائيليّ، بل بدأ يظهر داخل حزب الليكود نفسه، حيث تتزايد المخاوف من أن تتحوّل الحرب الطويلة، التي كان يُفترض أن تعيد تثبيت صورة إسرائيل كقوّة قادرة على الحسم، إلى عبء سياسيّ قد يُسقط نتنياهو وائتلافه في انتخابات 2026.
تكشف النقاشات المتصاعدة داخل الليكود، كما تعكسها الصحافة الإسرائيليّة، حجم الإحباط داخل أوساط الحزب من غياب ما يُسمّى “الإنجاز الحاسم” في الحرب الممتدّة من غزّة إلى لبنان وإيران. بعد أكثر من عامين ونصف عام على المواجهات المتواصلة، لا تزال إسرائيل عاجزة عن إعلان “النصر المطلق” الذي رفعه نتنياهو شعاراً منذ بداية الحرب.
في غزّة، لا تزال “حماس” حاضرة على الرغم من الدمار الهائل والحملة العسكريّة الأطول في تاريخ القطاع. في لبنان، يتزايد الاعتراف داخل إسرائيل بأنّ “الحزب” لم يُردع فعليّاً، وأنّ الجبهة الشماليّة تحوّلت إلى حرب استنزاف مفتوحة.
أمّا في إيران، فعلى الرغم من الضربات العسكريّة القاسية، لم ينهَر النظام الإيرانيّ، ولم يتوقّف برنامجه النوويّ أو الصاروخيّ، بينما تتزايد المخاوف داخل اليمين الإسرائيليّ من اتّجاه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب نحو تسوية سياسيّة مع طهران لا تحقّق الأهداف التي أعلنتها إسرائيل مع بداية المواجهة.
قد لا تكون المعركة المقبلة صراعاً بين نتنياهو ومعارضيه، بل مواجهة على مستقبل النظام الإسرائيليّ نفسه
المفارقة التي بدأت تُقلق المؤسّسة السياسيّة الإسرائيليّة أنّ الحرب التي أطلقها نتنياهو لمنع سقوطه السياسيّ قد تتحوّل إلى الحرب التي تُسقطه.
في الأيّام الأولى للحرب الإسرائيليّة–الأميركيّة على إيران، ساد داخل إسرائيل اعتقاد بإمكان حسم الحرب على إيران وربّما إسقاط النظام عبر ضربات متتالية. لكنّ المشهد الحاليّ مختلف تماماً. الردع الإسرائيليّ الذي حاولت الحكومة تقديمه باعتباره إنجازاً استراتيجيّاً بدأ يتآكل، فيما تتزايد داخل الليكود الدعوات إلى توسيع العمليّات العسكريّة، سواء في لبنان أو غزّة، في محاولة لاستعادة صورة القوّة والحسم.

لكنّ هذا التصعيد يعكس في جانب منه مأزقاً سياسيّاً أكثر ممّا يعكس ثقة عسكريّة، فكلّما توسّعت الحرب، تآكلت صورة “إسرائيل القادرة على الحسم”، وكلّما طال أمدها، ازداد الشعور داخل قطاعات واسعة من الإسرائيليّين بأنّ الدولة دخلت حرباً بلا نهاية واضحة، وبلا أهداف قابلة للتحقيق.
تحالفات مصلحيّة لكسر هيمنة نتنياهو
فتح هذا المناخ الباب أمام إعادة تشكّل الخريطة السياسيّة الإسرائيليّة بصورة متسارعة. المعارضة التي بدت خلال السنوات الماضية مفكّكة وعاجزة عن مواجهة نتنياهو، بدأت تتحرّك مبكراً لإعادة تنظيم صفوفها قبل الانتخابات المقرّرة في تشرين الأوّل المقبل. جاء التحالف بين نفتالي بينيت ويائير لابيد تحت اسم “معاً” كمحاولة لتجميع قوى الوسط وبعض أطراف اليمين غير المنضوية داخل الليكود، في مواجهة اليمين المتطرّف الحاكم.
على الرغم من التناقضات الفكريّة العميقة بين بينيت، الآتي من اليمين القوميّ الدينيّ، ولابيد، الذي يمثّل تيّار الوسط الليبراليّ العلمانيّ، يعكس التقارب بينهما إدراكاً متزايداً أنّ استمرار الانقسام داخل المعارضة يمنح نتنياهو فرصة جديدة للبقاء في السلطة، حتّى في ظلّ التراجع الشعبيّ الذي يواجهه.
لا تزال الكتلة العربيّة داخل إسرائيل تمثّل عاملاً حسّاساً في توازنات الكنيست، خصوصاً إذا ارتفعت نسبة التصويت العربيّ
في موازاة ذلك، يتحرّك أفيغدور ليبرمان لإعادة تقديم نفسه ممثّلاً لـ”الليكود القديم”، مستفيداً من تراجع ثقة شرائح يمينيّة بنتنياهو وبشركائه الأكثر تطرّفاً، وعلى رأسهم بتسلئيل سموتريتش وإيتامار بن غفير. برز أيضاً اسم رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت باعتباره أحد الوجوه القادرة على جذب جمهور أمنيّ–وسطيّ يبحث عن قيادة أقلّ أيديولوجية وأكثر ارتباطاً بالمؤسّسة العسكريّة.
تعادل بلا حسم وأزمة تتعمّق
تعكس استطلاعات الرأي الأخيرة حالة تقارب سياسيّ حادّ من دون قدرة أيّ معسكر على حسم المشهد بصورة واضحة. لا يعني التعادل بين الليكود وتحالف بينيت–لابيد تراجع قوّة نتنياهو فقط، بل يكشف أيضاً أزمة أعمق تتعلّق بعجز النظام السياسيّ الإسرائيليّ عن إنتاج استقرار حقيقيّ بعد سنوات من الحروب والانقسامات.
غير أنّ الأزمة الإسرائيليّة الحاليّة تتجاوز الحسابات الحزبيّة والانتخابيّة. تدخل إسرائيل انتخابات 2026 وسط أزمة شرعيّة متصاعدة تمسّ مؤسّسات الدولة نفسها. لم تؤدِّ الحرب المستمرّة إلى استنزاف الجيش والاقتصاد فقط، بل عمّقت التوتّر بين المؤسّسات السياسيّة والعسكريّة والقضائيّة، ووسّعت الشكوك المتبادلة بشأن المسؤوليّة عن إخفاقات 7 أكتوبر وإدارة الحرب.
منذ مطلع 2026، تشهد إسرائيل تظاهرات أسبوعيّة تطالب بتشكيل لجنة تحقيق رسميّة مستقلّة في الإخفاقات التي سبقت هجوم 7 أكتوبر وفي إدارة الحرب، فيما تتزايد الاتّهامات للحكومة بمحاولة التنصّل من المسؤوليّة وتحويل الحرب إلى أداة للبقاء السياسيّ.
لهذا لا تبدو الانتخابات المقبلة منافسة تقليديّة على تشكيل حكومة جديدة، بل أقرب إلى استفتاء داخليّ على مستقبل إسرائيل بعد الحرب، وعلى شكل الدولة نفسها، وعلى قدرة نظامها السياسيّ على الاستمرار من دون انفجار داخليّ.
يزداد القلق داخل الأوساط الإسرائيليّة مع تصاعد النقاش في ما قد يفعله نتنياهو إذا أظهرت استطلاعات الرأي اقترابه من خسارة السلطة. لم تعُد بعض التحليلات الإسرائيليّة تستبعد سيناريوات استثنائيّة، من بينها محاولة تأجيل الانتخابات أو تعطيلها تحت ذرائع أمنيّة، أو حتّى اللجوء إلى تصعيد عسكريّ جديد لمنع انتقال السلطة.
تدخل إسرائيل انتخابات 2026 وسط أزمة شرعيّة متصاعدة تمسّ مؤسّسات الدولة نفسها
تنبع خطورة هذه السيناريوات من حقيقة أنّ بقاء نتنياهو في الحكم لم يعُد يُنظر إليه كهدف سياسيّ عاديّ، بل كمعركة شخصيّة وسياسيّة وقضائيّة مرتبطة بمستقبله نفسه، في ظلّ محاكمات الفساد والانقسامات العميقة التي ضربت الدولة خلال سنوات حكمه.
في المقابل، لا تزال الكتلة العربيّة داخل إسرائيل تمثّل عاملاً حسّاساً في توازنات الكنيست، خصوصاً إذا ارتفعت نسبة التصويت العربيّ أو نجحت الأحزاب العربيّة في توحيد صفوفها. لكنّ تأثيرها يبقى محدوداً بفعل استمرار رفض غالبيّة الأحزاب الصهيونيّة إشراكها المباشر في الحكومات، والاكتفاء أحياناً بالاعتماد على دعمها الخارجيّ.
معركة مستقبل إسرائيل نفسها
في المحصّلة، تدخل إسرائيل واحدة من أكثر معاركها الانتخابيّة حساسيّة واضطراباً منذ 1948. لا تخوض معركة انتخابيّة بعد حرب منتصرة، بل تدخلها وهي ما تزال عالقة داخل حرب مفتوحة، من دون صورة نصر واضحة، ومن دون قدرة على استعادة الردع الذي شكّل لعقود أساس القوّة الإسرائيليّة.
إقرأ أيضاً: هل يساهم ترامب بحفظ ماء وجه طهران؟
لهذا قد لا تكون المعركة المقبلة صراعاً بين نتنياهو ومعارضيه، بل مواجهة على مستقبل النظام الإسرائيليّ نفسه، وعلى قدرة الدولة على البقاء متماسكة بعد أطول حرب في تاريخها وأعقدها.
