هل يساهم ترامب بحفظ ماء وجه طهران؟

مدة القراءة 6 د

التأرجح بين وقف حرب أميركا وإسرائيل ضدّ إيران واستئناف المواجهة قد يطول أو يقصر تبعاً لانعكاس التنازلات المرتقبة في التفاوض على الوضع الداخليّ لكلّ من الفريقين. ما يعيق الدبلوماسيّة أنّ طهران تعتبر نفسها المنتصرة، وواشنطن تتجاهل سيكولوجية المكابرة الإيرانيّة. قد يلتحق الغموض بشأن مصير جبهة لبنان بالمهلة المطّاطة التي مدّدها دونالد ترامب لوقف النار بين إسرائيل و”الحزب”، على الرغم من أنّ من أهداف تفاوض لبنان الرسميّ وإسرائيل تعطيل استخدام طهران لساحته.

 

أثبتت واقعة ضبط خرق وقف النار في مضيق هرمز ليل الخميس أنّ الجانبين الأميركيّ والإيرانيّ يتمسّكان بالهدنة لمصلحة الوساطة الباكستانيّة.

في بعض الأوساط الدوليّة قراءة تعتبر أنّ أمام دونالد ترامب استحقاقات تحمله على استعجال اتّفاق أوّليّ لوقف الحرب يمهّد لتفاوض يمتدّ شهراً في شأن الملفّ النوويّ وسائر الملفّات. من هذه الاستحقاقات:

زيارة ترامب للصّين

1- زيارته المرتقبة لبكّين في 14 و15 أيّار الجاري. من الطبيعيّ أن يفضّل ترامب ألّا تتعمّق القيادة الصينيّة معه في بحث وقف الحرب لحرصها على عدم انهزام إيران التي لها مصالح وعلاقات اقتصاديّة واسعة معها باعتبارها أحد مداخلها إلى الشرق الأوسط. دعمت بكّين طهران بالسلاح والمعدّات خلال الحرب، لكنّها تضرّرت بشدّة من قرار “حرس الثورة” تقييد الملاحة في مضيق هرمز. أتاح تحكّم طهران بهرمز لترامب خنق التصدير الإيرانيّ الذي يضيّق على واردات الصين من النفط الإيرانيّ. بقدر ما تحتاج بكّين إلى فكّ الحصار عن طهران، يحتاج ترامب إلى إعادة الانسيابيّة لمرور البضائع عبر المضيق، نظراً إلى ضغط الحصار على دول حليفة للولايات المتّحدة. تحكُّم ترامب بإنهاء الحرب بعد الخسائر التي كبّدها لطهران يجنّبه إفادة بكين من دعمها الجانب الإيرانيّ.

التأرجح بين وقف حرب أميركا وإسرائيل ضدّ إيران واستئناف المواجهة قد يطول أو يقصر تبعاً لانعكاس التنازلات المرتقبة في التفاوض على الوضع الداخليّ لكلّ من الفريقين

المونديال والاقتصاد والانتخابات النّصفيّة

2- ترجيح التفاوض لإنهاء الحرب يريح المشهد السياسيّ الأميركيّ الداخليّ. يستفيد ترامب، على الرغم من اعتداده بأنّ بلاده الأقلّ تضرّراً من حصار الملاحة في المضيق، من خفض الأسعار إذا توقّفت الحرب. تعني استضافة أميركا، مع المكسيك وكندا في حزيران المقبل، لمونديال كرة القدم الممتدّ حتّى شهر تمّوز، تنشيطاً للاقتصاد في عدد من المدن الأميركيّة. بدلاً من أن يخفض ارتفاع الأسعار الحركة الاقتصاديّة، يساعد وقف الحرب على الانتعاش الأميركيّ من الحدث، ويُفقِدُ الحزبَ الديمقراطي مبرّراتِ الحملات عليه وعلى الحزب الجمهوريّ قبل 4 أشهر من الانتخابات النصفيّة لمجلسَي النوّاب والشيوخ، بحجّة تجاهله المشرّعين الأميركيّين في الحرب.

3- لا مصلحة لدول الخليج المحيطة بإيران باستئناف الحرب لأنّ تسبّبها بمزيد من الخسائر الاستراتيجيّة لطهران في إنتاج الطاقة وفي البنية التحتيّة سيدفع الأخيرة للانتقام من هذه الدول بالأسلوب نفسه.

حفظ ماء وجه طهران؟

على الرغم من أهميّة هذه العوامل في تفضيل ترامب التفاوض، هناك شكوك في أوساط محلّلين ومراكز أبحاث أميركيّة في حسن إدارة الأخير للتفاوض مع إيران. من هذه الشكوك ما نشرته “نيويورك تايمز” عن أنّ المفاوض الأميركيّ لم يترك باباً لطهران لحفظ “ماء الوجه” في أيّ صفقة تُنهي المواجهة العسكريّة معها، فالقيادة الإيرانيّة لا تتّخذ قراراتها في صدد أيّ اتّفاق مع الإدارة الأميركيّة بناءً على حسابات انخفاض الدخل القوميّ، مثل سائر الدول، لإنقاذ اقتصادها.

تقوم الثقافة السياسيّة التي تدير علاقات بلاد الفرس مع سائر دول العالم على الصمود بمواجهة الضغوط. في بلد تعرّض لأضرار وخسائر هائلة جرّاء الحرب الأخيرة، تقلب تلك الثقافة الهزيمة إلى انتصار. أمّا الخسائر من تشديد الحصار الاقتصاديّ، فيتصرّف النظام الإيرانيّ على أنّه أثبت قدرته خلال عقود على الصمود أمامها. هذا بالإضافة إلى أنّ الحكم الاستبداديّ المانع لتأثير أيّ معارضة داخليّة على قراراته باتّجاه تقديم تنازلات، عطّل بالقمع مفعول الضغوط. وهو ما دفع ترامب ونتنياهو إلى خفض سقف هدف إسقاط النظام الذي طرحاه مع بداية الحرب، على الرغم من استمرار الثاني في المراهنة عليه.

قد يساهم الطلب الأميركيّ من بنيامين نتنياهو خفض التوتّر والتصعيد في لبنان، إذا نجحت الجهود العربيّة والفاتيكانيّة في تشجيع ترامب على الضغط بهذا الاتّجاه، في تجميل التنازلات الإيرانيّة

الانقسام داخل النّظام يتقدّم على المعارضة؟

مع ذلك، أخذ الضعف الذي أصاب الجسم الإيرانيّ جرّاء الحرب يتجلّى في الانقسامات داخل النظام نفسه، على الرغم من عدم خروج التيّارات المعارضة للنظام إلى الشارع، نظراً إلى تفضيلها تقديم التضامن الوطنيّ في وجه الخطر الخارجيّ على البلد على الاعتراض على النظام. ظهر الانقسام داخل النظام بوضوح في التباين بين الجيش و”حرس الثورة” في استهداف دول الخليج العربيّ، وآخر مظاهره قصف دولة الإمارات قبل 3 أيّام. نفى الجيش أن يكون قام بهذا القصف. ظهر الانقسام أيضاً في ما أعلنه رئيس الجمهوريّة مسعود بزشكيان عن لقائه المطوّل مع المرشد مجتبى خامنئي وحديثه الودّيّ معه. تعرّض الأخير للتهميش في المرحلة الماضية من قبل “الحرس” الذي أطبق حتّى على المفاوضات في إسلام آباد، وحاصر محاولات رئيس مجلس الشورى محمّد باقر قاليباف إبداء بعض الليونة حيال المطالب الأميركيّة في شأن وقف تخصيب اليورانيوم.

قد يكون ترامب نجح في فهم جانب واحد من أسلوب القيادة الإيرانيّة في إضاعة الوقت، حين قبل معها التفاوض غير المباشر، وأوقف إرسال نائبه جي دي فانس إلى باكستان لتتولّى الأخيرة الوساطة من أجل الاتّفاق المرحليّ الذي أخذت بنوده تتسرّب إلى الإعلام الأميركيّ. فهل يكون التفاوض غير المباشر في المقابل إحدى وسائل إنقاذ ماء وجه طهران؟

 إقرأ أيضاً: سوريا والبحار الأربعة

التّفاوض اللّبنانيّ الإسرائيليّ: برّي يؤيّد

قد يساهم الطلب الأميركيّ من بنيامين نتنياهو خفض التوتّر والتصعيد في لبنان، إذا نجحت الجهود العربيّة والفاتيكانيّة في تشجيع ترامب على الضغط بهذا الاتّجاه، في تجميل التنازلات الإيرانيّة. قد يتيح ذلك لطهران أن تدّعي أنّها في مفاوضاتها مع الجانب الأميركيّ اشترطت لجم إسرائيل عن توسيع حربها على “الحزب”، وأنّها بذلك أبقت على ورقة لبنان في يدها. أمّا الواقع فهو أنّ التفاوض اللبنانيّ الإسرائيليّ المزمع البدء به الأسبوع المقبل في واشنطن يتمّ نتيجة شبه إجماع لبنانيّ يستثني فقط “الحزب” لأنّ رئيس البرلمان نبيه برّي يوافق عليه، من دون أن يجاهر بتغطيته، علاوة على أنّ التبرّم الشيعيّ ممّا سبّبه إلحاق “الحزب” للطائفة بإيران بلغ ذروة جديدة جرّاء نكبة الجنوب.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ChoucairWalid

مواضيع ذات صلة

في طلب تدخّل عربيّ عاجل

لم يكن مفاجئاً أن يتّخذ “الحزب” موقفاً معادياً للاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ. سبق موقف أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم موقف صادر عن إسماعيل قاآني قائد فيلق…

بيروت الكبرى منزوعة السّلاح.. اليوم وليس غداً

ما حصل في عائشة بكّار وسط العاصمة بيروت مساء الخميس الفائت لا يمكن النظر إليه على أنّه حادث فرديّ أو إشكال عابر يمكن لعاصمة أو…

مرجع لبنانيّ لـ”أساس”: ترامب وروبيو متفهّمان لموقفنا

البيان الصادر عن الولايات المتّحدة ولبنان وإسرائيل بعد جولة التفاوض الأخيرة في واشنطن يربط تنفيذ الاتّفاق على وقف النار بـ”إخلاء جميع عناصر “الحزب” من جنوب…

“الصلابة” الكويتية تهدم “الغدر” الإيراني

أثبتت الاعتداءات الإيرانية الممنهجة والمتكررة على الكويت والعديد من دول الخليج، وجود مخطط ممنهج لدى “الحرس الثوري”، بخلاف الرواية المستهلكة عن الرد على هجمات أميركية…