“اللي هجّرنا بدو يؤوينا”. كلمات قالتها “أمّ عليّ” المرأة الجنوبيّة النازحة إلى أحد مراكز الإيواء في بيروت كانت كافيه لتُتّهم بالخيانة والعمالة من قبل الذباب الإلكترونيّ الموالي لـ”الحزب” وحربه.
يلجأ “الحزب”، في ذروة المواجهة مع إسرائيل، إلى تخوين خصومه السياسيّين الذين يعترضون على ذهابه إلى الحرب. لا يتوقّف الأمر عندهم، بل يمتدّ إلى أفرادٍ عاديّين، فقط لأنّهم طرحوا سؤالاً بسيطاً: ما معنى هذه الحرب؟ هو سؤال بديهيّ، لكنّه يتحوّل سريعاً إلى تهمة.
في لبنان الذي تتراكم فيه الخسائر: قرى مدمّرة في الجنوب، أحياء متضرّرة في الضاحية الجنوبيّة لبيروت، وأضرار تطال أجزاءً من العاصمة، يُفترض أن يكون السؤال بداية النقاش. لكنّ ما يحدث هو العكس.
بدل أن يُناقَش القرار يُحاكَم من يسأل عنه، وبدل أن تُواجَه حجّة بحجّة، يُواجَه صاحبها بالاتّهام. بالتالي لا يعود الخلاف سياسيّاً، بل يتحوّل إلى اختبار للانتماء. هكذا يصبح التخوين سياسة: أداة لإغلاق النقاش لا لإدارته.
يلجأ “الحزب”، في ذروة المواجهة مع إسرائيل، إلى تخوين خصومه السياسيّين الذين يعترضون على ذهابه إلى الحرب
الخيانة خارج القانون: حين تُصادَر الدّولة
في الدول المستقرّة، لا تُترك تهمة الخيانة للاجتهاد السياسيّ أو الإعلاميّ، بل تُحدّد بنصوص قانونيّة دقيقة، وتفصلُ فيها محاكم عدليّة تضمن شروط الإثبات والمحاكمة العادلة. هذه ليست مسألة تقنيّة، بل ركيزة في العقد الاجتماعيّ: حماية الفرد من تعسّف السلطة، وصون الدولة من الفوضى. الدولة، في معناها العميق، لا تحتكر العنف فحسب، بل تحتكر أيضاً تعريف الجريمة وحدودها.
عند “الحزب” في لبنان، يجري العكس. تُستخدم تهمة الخيانة خارج أيّ إطار قانونيّ، وتُلقى في المجال العامّ بلا ضوابط. حين تُنزع الخيانة من القانون تتحوّل إلى أداة سياسيّة، وعندما تُستخدم أداةً تفقد معناها وتصبح وسيلة ترهيب لا وسيلة عدالة.
ليست المشكلة هنا لغويّة أو إعلاميّة، بل بنيويّة. إذ لم تعد الدولة هي التي تحدّد من خان ومن لم يخُن، بل “الحزب”، وهو جهة سياسيّة ـ عسكريّة ـ أمنيّة، الذي يقدر على فرض توصيف الخيانة. ليس هذا تفصيلاً عابراً، بل قلبٌ لفكرة الدولة نفسها لأنّ كسر احتكار تعريف الجريمة يفتح الباب أمام فوضى الاتّهام، فيصبح كلّ اختلاف مع “الحزب” قابلاً للتحويل إلى شبهة، وكلّ نقد له قابلاً للتجريم الرمزيّ.
في أيّ دولة طبيعيّة، ليست تهمة الخيانة رأياً. هي توصيف قانونيّ دقيق، تحدّده النصوص، وتحسمه المحاكم. ليست متروكة لأحزاب عسكريّة ـ أمنيّة بعينها، بل تُضبط بإجراءات، وتُحمى بضمانات. في لبنان ومع “الحزب”، يجري العكس. تُستخدم تهمة الخيانة خارج أيّ إطار قانونيّ، وتُلقى في المجال العامّ بلا ضوابط.
عند “الحزب” في لبنان تُستخدم تهمة الخيانة خارج أيّ إطار قانونيّ، وتُلقى في المجال العامّ بلا ضوابط
إسكات السّياسة باسم الحرب
في جزء كبير من الشرق، وفي أزمنة الحرب، تُستدعى دائماً مقولة: “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” التي أجاد “الحزب” استخدامها ضدّ معارضيه أحزاباً وأفراداً. غير أنّ هذه العبارة، في الواقع، لا تحمي المعركة بقدر ما تُلغي السياسة. لا تنظّم النقاش، بل تُعلّقه، وتحوّل أيّ اختلاف إلى تهديد.
في حالة “الحزب”، لا يُفتح نقاش جدّيّ في جدوى الحرب، كلفتها البشريّة والاقتصاديّة، توقيتها، أو أفقها. بدل ذلك، يُختصر المشهد في معادلة قاسية: إمّا أن تؤيّد، أو تُتّهم. هكذا تتحوّل الحرب إلى ذريعة لإسكات النقاش لا لحمايته.
لكنّ المجتمعات لا تتماسك بالصمت، ولا تُدار بالحظر. حين يُمنع الناس من طرح الأسئلة، لا تختفي الأسئلة، بل تتراكم. لا يصنع هذا التراكم وحدة، بل هشاشة كامنة. قد يبدو المشهد من الخارج متماسكاً، لكن في الداخل يتآكل الإحساس بالشراكة، وهو الشرط الأساسيّ لأيّ صمود حقيقيّ في زمن الحرب.
المهجّرون: حين يُواجَه الألم بالاتّهام
الأشدّ قسوة في سياسة التخوين هو ما يطال المهجّرين والمتضرّرين مباشرة من الحرب. هؤلاء الذين فقدوا بيوتهم أو مصادر رزقهم، أو يعيشون قلق النزوح، يُفترض أن يكونوا في قلب خطاب الرعاية والتضامن. لكنّ ما يحدث مع “الحزب” هو العكس: تتحوّل أسئلتهم إلى موضع شكّ، ويُواجَه غضبهم بالتخوين.
حين يسأل المتضرّر عن معنى ما جرى، لا يُجاب على سؤاله، بل يُشَكّ في موقفه. بالتالي يصل التخوين إلى ذروته، لأنّه لا يستهدف خصماً سياسيّاً، بل المستهدَف إنسان متألّم. وهنا أيضاً ينكسر شيء أعمق من الخلاف السياسيّ: تنكسر العلاقة بين القوّة ومجتمعها.
لا يعني الخروج من دائرة التخوين إلغاء الصراع أو تذويب الخلافات، بل إعادة تأطيرها ضمن قواعد تحمي الحدّ الأدنى من العيش المشترك
عمليّاً، تستمدّ الحركات ذات الطابع المقاوم شرعيّتها من قدرتها على حماية مجتمعها وتمثيل معاناته. غير أنّ التخوين يعكس المعادلة: بدل احتواء الألم، يُعاد تأطيره كخطر سياسيّ يجب ضبطه. المواطن الذي يسأل “لماذا؟” يُواجَه بسؤال “مع من تقف؟”، فتُختزل التجربة الإنسانيّة إلى ثنائيّة: ولاء أو خيانة.
الأثر البعيد المدى لهذا التحوّل بالغ الخطورة. إذ يشعر الأفراد بأنّهم غير مرئيّين كذوات، وأنّ معاناتهم لا يُعترَف بها إلّا بقدر انسجامها مع السرديّة السائدة. مع الزمن، يتآكل الانتماء العاطفيّ حتّى لو استمرّ الانتماء الطائفيّ. يبقى الفرد داخل الجماعة، لكنّه يفقد ثقته بها. هذه ليست معارضة صاخبة، بل فراغ داخليّ صامت، وهو من أخطر أشكال التآكل لأنّه غير مرئيّ حتّى لحظة الانفجار.
مجتمع بلا صوت
لا تقتصر المشكلة في التخوين على قمع الأصوات، بل تمتدّ إلى تغيير طبيعة المجتمع نفسه، فمجتمع لا يجرؤ على السؤال هو مجتمع يفقد قدرته على التفكير، ومجتمع لا يفكّر لا يستطيع تصحيح أخطائه.
قد ينجح التخوين في فرض الصمت، لكنّه لا يبني استقراراً. ليس الصمت هنا حلّاً، بل تأجيل للأزمة. كلّ تأجيل يحمل في داخله احتمال الانفجار. في النهاية، لا يتعلّق الأمر فقط بحرّيّة التعبير، بل بقدرة المجتمع على الاستمرار، لأنّ أيّ قوّة، مهما كانت، لا تستطيع أن تعيش طويلاً داخل مجتمع تُغلق عليه باب الأسئلة.
إقرأ أيضاً: الحرّيّات الإعلاميّة في لبنان: من إرث الرّيادة إلى حافة الانكماش
لا يعني الخروج من دائرة التخوين إلغاء الصراع أو تذويب الخلافات، بل إعادة تأطيرها ضمن قواعد تحمي الحدّ الأدنى من العيش المشترك. يبدأ البديل بالاعتراف بأنّ النقد في زمن الحرب ليس خيانةً، بل شرط لتصويب المسار. يتطلّب هذا الخروج إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة كمرجعيّة نهائيّة في توصيف الجرائم، بما فيها الخيانة، عبر قضاء مستقلّ وإجراءات عادلة، لا عبر منصّات سياسيّة وإعلاميّة.
هنا يفرض السؤال نفسه، لا كخيار بل كضرورة: هل يمكن لأيّ طرف أن ينتصر في حرب بينما هو يخسر تدريجاً قدرته على الاستماع إلى أفراد من بيئته أو إلى مجتمع يعيش فيه أم تبدأ الخسارة فعلاً في اللحظة التي يتحوّل فيها السؤال إلى خيانة؟
لمتابعة الكاتب على X:
