تعرّضت لفظة الخيانة نفسها لخيانة. استُعملت في غير موضعها، وفُرّغت من قيمتها الدستوريّة، وجُوّفت من معانيها العمليّة عبر سياسات “الحزب” المسلّح المحظور. تحوّلت إلى ضجيج إعلاميّ واتّهامات صوتيّة مزعجة. يتفنّن هذا “الحزب” في تخوين الآخرين، ويتخصّص في فرز الشراكات المجتمعيّة وفحص معايير المواطنة. يقف كالخائن أمام مرآة الخيانة، فيرى الجميع على شاكلته.
للخيانة تعريف سياسيّ راسخ وتوصيفات قانونيّة واضحة، وكلّها تنطبق على “الحزب”. فما هي الخيانة؟ من هم الخائنون؟
تُعرَّف الخيانة بأنّها كلّ إخلال بالواجبات الوطنيّة الدستوريّة، مهما كان شكله. وهي، بحسب الفقيه الفرنسيّ مورو (Moreau)، كلّ تقصير في أداء الواجبات الملقاة على عاتق رؤساء السلطات الدستوريّة، وتتجلّى في إعاقة عمل السلطات التنفيذيّة والتشريعيّة والقضائيّة.
حصرها الفقيه ديفرجيه (Duverger) في إساءة استعمال السلطة لتحقيق مآرب شخصيّة وارتكاب أعمال مخالفة للدستور. أمّا هوريو (Hauriou) فيراها تعبيراً عن الجرائم السياسيّة المهدّدة للوطن، فيما يركّز جيكيل (Giquel) على جوهرها المتمثّل في خرق دستور البلاد. يؤكّد فابر (Faber) أنّها تشمل كلّ انتهاك خطِر للدستور والمهامّ والالتزامات والواجبات من قبل رئيس الدولة.
تعرّضت لفظة الخيانة نفسها لخيانة. استُعملت في غير موضعها، وفُرّغت من قيمتها الدستوريّة، وجُوّفت من معانيها العمليّة عبر سياسات “الحزب” المسلّح المحظور
الدّستور اللّبنانيّ
نصّت المادّة 60 من الدستور اللبنانيّ على أنّه “لا تبعة على رئيس الجمهوريّة حال قيامه بوظيفته إلّا عند خرقه الدستور أو في حال الخيانة العظمى… لا يمكن اتّهامه بسبب هذه الجرائم إلّا من قبل مجلس النوّاب بموجب قرار يصدره بغالبيّة ثلثَي مجموع أعضائه، ويُحاكم أمام المجلس الأعلى”. نصّت المادّة 70 على أنّ “لمجلس النوّاب أن يتّهم رئيس مجلس الوزراء والوزراء بارتكابهم الخيانة العظمى أو بإخلالهم بالواجبات المترتّبة عليهم”.
لم يتطرّق الدستور اللبنانيّ صراحة إلى تحديد عناصر جريمة الخيانة العظمى، على غرار دستور الجمهوريّة الفرنسيّة الثالثة. أُخرجت من دائرة التعريف التشريعيّ الدقيق، وأُنيط تقديرها بمجلس النوّاب لجهة الاتّهام، وبالمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء لجهة المحاكمة، مع فصلها عن حالة خرق الدستور.
لم ينصّ الدستور اللبنانيّ صراحة على آليّة عزل رئيس الجمهوريّة، إذ لا تُرتّب عليه مسؤوليّة سياسيّة إلّا في حال الإخلال بالدستور عبر الخيانة العظمى، وفق المادة 60. ويقابل ذلك ما ورد في المادّة 68 من الدستور الفرنسيّ، التي تجيز تنحية الرئيس في حال إخلاله الجسيم بواجباته.
في هذا السياق، تحدّد المادة 49 من الدستور اللبنانيّ دور رئيس الجمهوريّة بوصفه رمزاً لوحدة البلاد، والساهر على صون الدستور واستقلال الوطن وسلامة أراضيه. يُقسم اليمين، وفق المادّة 50، على حماية هذه المبادئ. لم يثبت أنّ العهد، برئيس الجمهورية والحكومة، قد خالف هذه النصوص، وبالتالي لا ينطبق عليه توصيف الخيانة.
خيانة “الحزب”
يُدان الحزب المسلّح المحظور، وفق هذا المنطق، بأفعال ترقى إلى مستوى الخيانة العظمى، من خلال تعريض أمن الدولة القوميّ للخطر. يتجلّى ذلك في استجلاب الحروب، احتكار قرار السلم والحرب، التسبّب بعودة الاعتداءات الإسرائيليّة وما رافقها من دمار واسع، والتلاعب بالجغرافيا الحيويّة، وإخضاع مناطق بكاملها لمنطق الأرض المحروقة والخالية من السكان، في مخالفة واضحة للمادّة 65 من الدستور.
نصّت المادّة 60 من الدستور اللبنانيّ على أنّه “لا تبعة على رئيس الجمهوريّة حال قيامه بوظيفته إلّا عند خرقه الدستور أو في حال الخيانة العظمى… لا يمكن اتّهامه بسبب هذه الجرائم إلّا من قبل مجلس النوّاب
أدخل “الحزب” عناصر مسلّحة غير شرعيّة مرتبطة بالحرس الثوريّ الإيرانيّ، في تدخّل مباشر في الأمن اللبنانيّ والعربيّ، وخدمةً لمشاريع إقليميّة، في مخالفة لأحكام قانون العقوبات، ولا سيما المادّتَين 278 و336، علاوة على تعريض العلاقات العربيّة للخطر، خلافاً لمقدّمة الدستور ومواثيق جامعة الدول العربيّة.
امتهن “الحزب” الخيانة عبر انتهاك متكرّر للنصوص الدستوريّة، والانقلاب على طاولات الحوار والاتّفاقات والبيانات الوزاريّة. بدأ ذلك منذ استحواذه على القرار السياسيّ وانتزاعه من الأكثريّة النيابيّة وحصره ضمن تحالف السلاح والفساد لخدمة أجندات خارجيّة لا تمتّ إلى الصيغة اللبنانيّة بصلة.
نفّذ هذا النهج عبر جرّ البلاد إلى صراعات لا تخدم المصلحة الوطنيّة، وبما يتعارض مع سياسة الحكومة ومبدأ التضامن الوزاريّ المنصوص عليه في المادّة 65، ومع قرارات حصر السلاح بيد الدولة. يستمرّ في التمسّك بترسانته العسكريّة، بما يبقي لبنان ساحة صراع إقليميّ، وكأنّه تابع لمشروع خارجيّ لا يملك قراره السياديّ.
استناداً إلى هذه النصوص والمبادئ، يتّضح الفارق بين مفهوم الوطنيّة والخيانة. ليست الخيانة تهمة تُطلق اعتباطاً، بل توصيف قانونيّ ودستوريّ دقيق. كلّ خروج عن هذه القواعد الجوهريّة في ممارسة السلطة يُعدّ خيانة، أيّاً يكن المرتكب.
إقرأ أيضاً: “شجاعنا الحيّ” جوزف عون
أمّا الامتناع عن اعتماد المسارات الدستوريّة، ورفض السعي إلى حماية لبنان من الحروب، والإبقاء عليه ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، فهي جوهر الخيانة الحقيقيّة.
لقد دفع اللبنانيون أثماناً باهظة نتيجة هذا النهج، من تهجير ودمار وخسائر بشريّة، في حين يُفترض أن يكون هدف السلطة حماية الاستقرار وصون الدولة. وبينما يُفترض أن يكون التخوين أداة قانونيّة منضبطة، تحوَّل إلى سلاح سياسيّ فاقد للقيمة.
هنا تكمن المفارقة: من يرفع شعار مكافحة الخيانة، يمارسها فعليّاً في سلوكه السياسيّ. وهذه، في حدّ ذاتها، قمّة الخيانة.
