كيف فتح “آل خياط” باب رفع العقوبات عن سوريا؟

مدة القراءة 10 د

بينما كانت إدارة الرئيس دونالد ترامب والكونغرس يتحرّكان العام الماضي لإلغاء العقوبات عن سوريا، كانت عائلة الخيّاط السوريّة – الأميركيّة المقيمة في قطر تتفاوض سرّاً على شراكة عقاريّة مع صهر الرئيس، جاريد كوشنر، وتقترح إنشاء ملعب غولف يحمل اسم ترامب في سوريا، وتوقّع على صفقات بقيمة لا تقلّ عن 12 مليار دولار للمساعدة في إعادة إعمار البلاد، تشمل مشاريع في البنية التحتيّة والطاقة والتطوير العقاريّ.

لكنّ تنفيذ هذه المشاريع كان مشروطاً برفع العقوبات الأميركيّة المفروضة على سوريا بموجب قانون “قيصر”، نظراً لتأثيرها المباشر في تمويل الاستثمارات الدوليّة. هنا، برز دور عائلة الخيّاط السوريّة – الأميركيّة في التأثير على مفاوضات رفع العقوبات، من خلال المزج بين الطموحات التجاريّة والضغط السياسيّ واستخدام اسم ترامب وعلاقاته العائليّة لتحقيق هذا الهدف.

 

يكشف تحقيق مطوّل أجراه الصحافيّ الاستقصائيّ في صحيفة “نيويورك تايمز”، إريك ليبتون، على مدى العام الماضي، وشمل سوريا وقطر وواشنطن وألبانيا، دور عائلة الخيّاط في التأثير على مفاوضات رفع العقوبات.

كيف بدأت القصة؟

احتاج المليارديرات السوريّون إلى خدمة في واشنطن، فاستغلّوا اسم ترامب.

تحت هذا العنوان تروي”النيويورك تايمز”:

“في الصيف الماضي، جلس النائب جو ويلسون، الجمهوريّ عن ولاية كارولاينا الجنوبيّة، في مكتبه بمبنى الكابيتول، منصتاً باهتمام بالغ، بينما كان مستثمرون من الشرق الأوسط يعرضون خططهم عبر مكالمة فيديو لتطوير عقارات ساحليّة في سوريا: ميناء للسفن السياحيّة، نادٍ للبولو، معرض سيّارات بوغاتي، وملعب غولف عالميّ المستوى.

 برز دور عائلة الخيّاط السوريّة – الأميركيّة في التأثير على مفاوضات رفع العقوبات

لم يكن هذا كلّ شيء. بينما كان محمّد الخيّاط، رجل الأعمال السوريّ القطريّ النافذ، يعرض المقترح، كان إخوته يفوزون بأكثر من 12 مليار دولار من العقود الحكوميّة لإعادة بناء قطاعات واسعة من الاقتصاد السوريّ المدمّر. لذلك كان آل خيّاط بحاجة ماسّة إلى رفع دائم للعقوبات المشدّدة المفروضة على سوريا قبل سقوط الرئيس بشّار الأسد في أواخر عام 2024. قدّم ويلسون، وهو محامٍ سابق في مجال العقارات ومؤيّد لإلغاء العقوبات، اقتراحاً عمليّاً: “أعرف كيف أجذب انتباه الرئيس. فلننشئ ملعب غولف وطنيّاً يحمل اسم ترامب في سوريا”.

آل خيّاط: من قطر إلى سوريا

كان رامز الخيّاط وإخوته قد انتقلوا إلى قطر بشكل دائم عام 2011. وطّدوا علاقة وثيقة مع العائلة المالكة القطريّة، وبنوا لهم قصراً لقضاء العطلات على قمّة جبل خارج دمشق. لكن، على الرغم من نجاحهم في قطر، لم يتخلَّ آل الخيّاط عن أمل العودة إلى سوريا. في أواخر عام 2024، مهّد حدثان الطريق أمامهم للعودة وكسب الصفقات: الإطاحة بالرئيس الأسد، وعودة الرئيس ترامب إلى سدّة الرئاسة.

في ذلك العام أيضاً، كانت إيفانكا ترامب وجاريد كوشنر في قطر لحضور مباريات كأس العالم لكرة القدم، وتناولا العشاء في مطعم “كاربون الدوحة”، وهو فرع من مطعم نيويورك الشهير. اتّضح أنّ رامز الخيّاط وعائلته يملكونه، كما يملكون جميع المطاعم على طول ذلك الشارع الواقع على جزيرة اصطناعيّة بنتها العائلة في ستّة أشهر فقط، بناءً على طلب العائلة المالكة القطريّة لإنشاء منطقة ترفيهيّة لكأس العالم.

كان آل خيّاط بحاجة ماسّة إلى رفع دائم للعقوبات المشدّدة المفروضة على سوريا قبل سقوط الرئيس بشّار الأسد في أواخر عام 2024

تبادل آل كوشنر وآل الخيّاط قصصهم كأبناء مطوّرين عقاريّين، إلى جانب تطلّعاتهم المستقبليّة. صرّح محمّد الخيّاط بأنّه يخطّط لاقتراح منتجع يحمل علامة ترامب التجاريّة، بينما فاوض شقيقاه الأكبر سنّاً على شراكة عقاريّة أكبر مع إيفانكا ترامب، ابنة الرئيس الكبرى، وجاريد كوشنر، زوجها، لتمويل منتجع فاخر بتكلفة مليارات الدولارات على جزيرة قبالة سواحل ألبانيا. كان كوشنر قد استعان أخيراً بصناديق الثروة السياديّة في الشرق الأوسط، بما فيها صناديق قطريّة، لتأسيس شركة استثماريّة خاصّة بقيمة 3 مليارات دولار، وذلك بعد عمله في البيت الأبيض خلال الولاية الأولى لترامب.

بعد أسابيع، كان رامز وشقيقه الأكبر، معتزّ، في واشنطن لحضور حفل تنصيب ترامب. التقيا بوالدَي كوشنر، والتقيا بمايكل بولس، زوج تيفاني ترامب، ابنة الرئيس الصغرى، بالإضافة إلى والد بولس، مسعد بولس، الذي ساهم في تنسيق التواصل مع الناخبين السوريّين-الأميركيّين خلال حملة ترامب لإعادة انتخابه. كان حضور عشاء الشموع يتطلّب عادةً تبرّعاً لا يقلّ عن 250 ألف دولار أميركيّ لتذكرتين. قال رامز الخيّاط إنّ عدداً من رجال الأعمال الأجانب دعوه هو وشقيقه الأكبر، فلم يدفعا ثمن الدعوة.

في الشهر نفسه، سافر أفراد من عائلة الخيّاط إلى دمشق للقاء الرئيس السوريّ الجديد، أحمد الشرع، الذي تولّى السلطة في بلدٍ منهكٍ تحتاج بنيته التحتيّة إلى إعادة بناء واسعة. كانت عائلة الخيّاط خياراً مناسباً لإطلاق هذه المشاريع. قال رامز الخيّاط للشرع: “نحن على أهبة الاستعداد للتحرّك، وبسرعة”.

تتردّد أحاديث عن انضمام عائلة الخيّاط إلى كوشنر في مشاريع عقاريّة في سوريا، بعدما قرّر كوشنر وعائلة الخيّاط أن يصبحوا شركاء في مشروع ألبانيا

نتجت عن ذلك سلسلة استثنائيّة من الصفقات في سوريا. حصل آل خيّاط وشركاؤهم على صفقة بقيمة 4 مليارات دولار لإعادة بناء المطار المتهالك وتحويله إلى مركز حيويّ في الشرق الأوسط، وعقد آخر بقيمة 7 مليارات دولار لبناء أربع محطّات كهرباء تعمل بالغاز الطبيعيّ. تفاوضوا أيضاً على صفقة ثالثة للعمل مع شركة “شيفرون” الأميركيّة لتطوير مواقع حفر الغاز الطبيعيّ في البحر الأبيض المتوسّط قبالة السواحل السوريّة. بالإضافة إلى ذلك، حصل محمّد الخيّاط أخيراً على ترخيص ليكون المستورد الحصريّ لعلامات تجاريّة من إنتاج شركة “إس. سي. جونسون” الأميركيّة العملاقة للمنتجات الاستهلاكيّة.

رحّب توماس ج. بارّاك الابن، المبعوث الخاصّ للرئيس الأميركيّ إلى سوريا، بالأخوين خيّاط، وانضمّ إليهما في كلّ إعلان من هذه الإعلانات، مؤكّداً دعم إدارة ترامب لهذه المشاريع. قام رامز الخيّاط بشراء منازل تاريخيّة في مدينة دمشق القديمة، المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالميّ، بهدف تحويلها إلى وجهة سياحيّة. على طول الساحل السوريّ، كان محمّد الخيّاط يعمل على خطّته لإنشاء محطّة ومنتجع لسفن الرحلات البحريّة يضمّ ملعب غولف يحمل علامة ترامب التجاريّة.

نادي ترامب الدّوليّ للغولف – سوريا

لكنّ جميع هذه الصفقات كانت مشروطة بإلغاء العقوبات الأميركيّة نهائيّاً، لأنّ البنوك الدوليّة والمستثمرين الآخرين لم يكونوا ليخصّصوا رأس المال اللازم لتمويل هذه الجهود ما لم يتأكّدوا من عدم إمكانيّة إعادة فرض العقوبات، التي أُقرّت بموجب قانون قيصر لحماية المدنيّين في سوريا لعام 2019، بعد إلغائها.

نشط رجال أعمال، مثل رجل الأعمال السوريّ-الأميركيّ طارق نعيمو، الصديق المقرّب لمحمّد الخيّاط، في التواصل مع أعضاء الكونغرس وتنظيم لقاءات وتقديم تبرّعات، في إطار حملة منظّمة لدعم إلغاء العقوبات، وكان يعمل في الوقت نفسه على مشروع ملعب الغولف المقترح لترامب.

سوريا، ومستثمرين مثل عائلة الخيّاط، كانوا لا يزالون بحاجة إلى قانون من الكونغرس لجعل هذا الرفع دائماً

حظي إلغاء العقوبات بتأييد واسع من الجماعات السوريّة-الأميركيّة وبعض المشرّعين، الذين رأوا أنّ هذه الخطوة ستعزّز انتعاش سوريا من خلال تشجيع المزيد من الاستثمارات الأجنبيّة بعد رحيل الرئيس الأسد، وعُرضت رحلات جوّيّة مجّانيّة إلى سوريا على بعض أعضاء الكونغرس.

بدأ نعيمو، المقيم في فلوريدا والذي يدير شركة استثماريّة قال إنّها أبرمت صفقات مع شركاء، من بينهم الهيئة القطريّة للاستثمار، باستمالة ما لا يقلّ عن اثني عشر عضواً في الكونغرس، بدءاً برئيس مجلس النوّاب مايك جونسون. سهّلت سلسلة من التبرّعات لحملته، بمشاركة نعيمو وزوجته وآخرين ممّن كانوا يدعمون القضيّة. كان ويلسون، الجمهوريّ من ولاية كارولاينا الجنوبيّة، هدفاً رئيساً. أصبح نعيمو شريكاً اجتماعيّاً للنائب، وبحلول حزيران 2025 كان ويلسون قد قدّم مشروع قانون يدعو إلى الإلغاء الكامل لعقوبات قانون قيصر. في أيّار، رفع ترامب العقوبات مؤقّتاً بعد اجتماع في الرياض مع الشرع ووليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان، الذي حثّ ترامب على القيام بذلك.

لكنّ سوريا، ومستثمرين مثل عائلة الخيّاط، كانوا لا يزالون بحاجة إلى قانون من الكونغرس لجعل هذا الرفع دائماً. هنا اصطدموا بأحد أعضاء مجلس النوّاب الذي برز كأكبر عقبة، وهو النائب برايان ماست، الجمهوريّ عن ولاية فلوريدا ورئيس لجنة الشؤون الخارجيّة في مجلس النوّاب، وهو جنديّ سابق في الجيش الأميركيّ فقد ساقيه عام 2010 أثناء خدمته فنّيَّ إبطالِ مفعولِ القنابل في أفغانستان.

اجتماع الفندق

في التاسع من تشرين الثاني، عشيّة اجتماع الرئيس ترامب مع الشرع، في أوّل زيارة لرئيس سوريّ للبيت الأبيض منذ استقلال سوريا عن فرنسا عام 1946، وفي فندق “سانت ريجيس” قرب البيت الأبيض، انضمّ ماست وعدد من أعضاء الكونغرس، بمن فيهم ويلسون، إلى الشرع لتناول عشاء خاصّ. سأل ماست الشرع خلال العشاء: “ألم نعد أعداء؟”. خلال جلسة استماع في مجلس النوّاب في شباط، أشار ماست إلى أنّ الشرع ردّ بأنّه يريد “تحرير” بلاده من الماضي.

على الرغم من نجاحهم في قطر، لم يتخلَّ آل الخيّاط عن أمل العودة إلى سوريا

في تلك الليلة، كان محمد الخيّاط ونعيمو قد عادا إلى واشنطن، وكانا في الفندق مع مجموعة من المستثمرين الذين كانوا يأملون تمويل منتجعهم الذي يضمّ ملعب غولف ترامب المقترح. بعد العشاء الذي جمع أعضاء الحزبين مع المشرّعين، تمّ ترتيب اجتماع ثانٍ في وقت متأخّر من الليل، على عجل، مع ماست والشرع، وضمّ الخيّاط ونعيمو، وفقاً لما ذكره المشاركون في الاجتماع. بحلول نهاية المحادثات في تلك الليلة، غيّر ماست موقفه، وأصبح مستعدّاً لدعم إلغاء العقوبات دون بند يسمح بإعادة فرضها بسرعة. أوضح لاحقاً في قاعة مجلس النوّاب: “إنّنا نمنح سوريا فرصة لرسم مستقبل ما بعد الأسد”.

قبل مغادرتهما واشنطن، قدّم الخيّاط ونعيمو “حجر الأساس” لملعب الغولف المقترح لترامب إلى ويلسون والنائب مارلين ستوتزمان، الجمهوريّ عن ولاية إنديانا. يرمز الحجر المؤطّر، المنقوش عليه عبارة “نادي ترامب الدوليّ للغولف – سوريا”، إلى ما وصفه الخيّاط بأنّه “رمز للفرص الاقتصاديّة الأميركيّة المستقبليّة في سوريا”. في 18 كانون الأوّل 2025، بعد عام تقريباً من سقوط الأسد، وقّع ترامب قانون إلغاء العقوبات.

إقرأ أيضاً: ريتشارد هاس: مضيق هرمز أوّلاً… لكن بشروط

من سوريا إلى ألبانيا

بانتظار أن يتمّ، على مقربة من الطريق السريع على شاطئ البحر الأبيض المتوسّط قرب مدينة اللاذقيّة الساحليّة، بناء ملعب الغولف المزمع إنشاؤه، الذي قد يحمل اسم عائلة ترامب، تتردّد أحاديث عن انضمام عائلة الخيّاط إلى كوشنر في مشاريع عقاريّة في سوريا، بعدما قرّر كوشنر وعائلة الخيّاط أن يصبحوا شركاء في مشروع ألبانيا. اجتمعت إيفانكا ترامب ورامز الخيّاط مع مهندسين معماريّين ومسؤولين تنفيذيّين آخرين لمناقشة التصاميم المحتملة، بحضور رئيس الوزراء الألبانيّ، إيدي راما. يصف رامز الخيّاط كوشنر بأنّه “رجل عظيم، ونسعى معاً إلى تحقيق إنجازات عظيمة. نحن نعرض العديد من الفرص”.

مواضيع ذات صلة

الحرب غيّرت إيران: من الثّورة إلى الدّولة القوميّة؟

يرى الباحثان والي نصر ونرجس باجوغلي أنّ الحرب الأميركيّة–الإسرائيليّة على إيران لم تحقّق هدفها المتمثّل في إسقاط الجمهوريّة الإسلاميّة أو إضعافها بصورة حاسمة، بل أدّت…

جولة قاسية من الحرب… لبنان ساحتها الرئيسة

يتوقّع الكاتب السياسيّ الإيرانيّ حميد رضا عزيزي، الباحث في “المعهد الألمانيّ للشؤون الدوليّة والأمنيّة” و”مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدوليّة”، أن يندلع نوع مختلف من الحرب…

نتنياهو: 30 عاماً في السّلطة… استراتيجية انقسام المجتمع..

صادف يوم 29 أيّار مرور ثلاثين عاماً على تولّي بنيامين نتنياهو رئاسة الوزراء الإسرائيليّة، وهو ما يتّخذه الكاتبان الإسرائيليّان نوعام غيدرون، أستاذ العلوم السياسيّة في…

ترامب وفنّ الاتّفاقيات الهشّة: لبنان نموذجاً

يرى الباحث في صحيفة “نيويوركر” سودارسان راغافان أنّ وقف إطلاق النار في لبنان تحوّل إلى النموذج الأكثر وضوحاً لطريقة إدارة دونالد ترامب للصراعات في الشرق…