في وقت تدور رحى مواجهة دبلوماسيّة محتدمة في إسلام آباد بين الولايات المتّحدة وإيران بحثاً عن ترتيبات ما بعد الحرب التي هزّت الشرق الأوسط والعالم والمستمرة، تدور داخل أروقة مقرّ مجلس محافظي الوكالة الدوليّة للطاقة الذرّيّة في فيينا معركة لا تقلّ أهميّة عن المفاوضات نفسها لأنّها تتعلّق بالملفّ الأكثر حساسيّة في العلاقة بين الطرفين: البرنامج النوويّ الإيرانيّ.
رفعت الولايات المتّحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا مستوى التصعيد النوويّ ضدّ طهران عندما تقدّمت بمشروع قرار جديد أمام مجلس محافظي الوكالة الدوليّة للطاقة الذرّيّة يطالبها بالكشف عن مصير مخزوناتها من اليورانيوم المخصّب، تقديم معلومات شاملة عن منشآتها النووية، والسماح للمفتّشين الدوليّين بمعاودة مهمّاتهم الرقابيّة بصورة كاملة. وبذلك انتقل النزاع من ملفّ “التخصيب” إلى ملفّ “المحاسبة والشفافيّة”. وعلى الرغم من أنّ القرار لا يتضمّن في مرحلته الحاليّة إحالة الملفّ إلى مجلس الأمن، يعكس تحوّلاً مهمّاً في المقاربة الغربيّة تجاه إيران بعد الحرب.
لا يكمن الحدث الأبرز في فيينا في مضمون القرار وحده، بل في عودة التنسيق الكامل بين واشنطن والعواصم الأوروبيّة الكبرى. فبعد سنوات من التباينات التي ظهرت أحياناً بين ضفّتَي الأطلسيّ في شأن كيفيّة التعامل مع إيران، يبدو أنّ الحرب الأخيرة وما نتج عنها من غموض مصير جزء من البرنامج النوويّ الإيرانيّ دفعا الولايات المتّحدة والأوروبيّين إلى إعادة بناء جبهة موحّدة في مواجهة طهران.
قلق إيرانيّ من الدّلالات
بالنسبة إلى إيران، يحمل هذا التطوّر دلالات مقلقة، فالضغوط الدوليّة التي ألحقت بها أكبر الأضرار خلال العقدين الماضيَين لم تكن تلك التي قادتها واشنطن وحدها، بل تلك التي جاءت نتيجة توافق أميركيّ – أوروبيّ واسع نجح في عزلها سياسيّاً واقتصاديّاً ودبلوماسيّاً.
لا يمكن فصل ما يجري في فيينا عن المفاوضات الدائرة في إسلام آباد، فالإدارة الأميركيّة برئاسة دونالد ترامب تبدو وكأنّها تعتمد سياسة مزدوجة
لكنّ ما يميّز الأزمة الحاليّة عن سابقاتها هو أنّ النزاع لم يعُد يدور حول مستويات تخصيب اليورانيوم أو أعداد أجهزة الطرد المركزيّ، بل في شأن سؤال أكثر تعقيداً: أين صار مخزون اليورانيوم العالي التخصيب بعد الحرب؟
تشير تقديرات غربيّة إلى أنّ كميّة من اليورانيوم المخصّب بنسبة تصل إلى 60 في المئة، مقدّرة بأكثر من 400 كيلوغرام، لا تزال خارج نطاق التحقّق الدوليّ منذ أشهر طويلة. وعلى الرغم من الأضرار الكبيرة التي لحقت ببعض المنشآت النوويّة الإيرانيّة خلال الضربات الأميركيّة والإسرائيليّة، فإنّ الوكالة الدوليّة للطاقة الذرّيّة تعتقد أنّ جزءاً مهمّاً من هذه الموادّ لم يتعرّض للتدمير أو التلف.
من هنا تحديداً تنبع خطورة الملفّ الجديد. فالقضيّة لم تعد مرتبطة بقدرة إيران على إنتاج موادّ انشطاريّة إضافيّة، بل بقدرة المجتمع الدوليّ على معرفة مكان وجود الموادّ التي أُنتجت بالفعل. وهذا ما يفسّر إصرار المدير العامّ للوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة دانيال غروسي على معاودة عمليّات التفتيش والوصول إلى المواقع والمنشآت ذات الصلة.
في المقابل، ترفض طهران هذه المقاربة، وتعتبر أنّ الدول الغربيّة تتجاهل السبب الأساسيّ للأزمة، المتمثّل في الهجمات التي استهدفت منشآتها النوويّة. وتقول إنّ تنفيذ إجراءات الضمانات الدوليّة بات يتطلّب ترتيبات جديدة تضمن سلامة المفتّشين وتراعي الأوضاع الميدانيّة الناتجة عن الحرب.

الأهمّ أنّ إيران تخشى أن يتحوّل القرار إذا ما صدر إلى أساس قانونيّ وسياسيّ لسلسلة خطوات لاحقة قد تشمل قرارات أكثر تشدّداً داخل مجلس المحافظين أو محاولات لإعادة تدويل الملفّ في المحافل الدوليّة إذا ما استمرّ الخلاف على عمليّات التفتيش.
تبدو فيينا وإسلام آباد اليوم ساحتين متكاملتين لمعركة واحدة
إسلام آباد وفيينا ساحتان لمعركة واحدة
لا يمكن فصل ما يجري في فيينا عن المفاوضات الدائرة في إسلام آباد، فالإدارة الأميركيّة برئاسة دونالد ترامب تبدو وكأنّها تعتمد سياسة مزدوجة تجمع بين الانفتاح على التفاوض من جهة، والحفاظ على أقصى درجات الضغط السياسيّ والدبلوماسيّ من جهة أخرى.
يمكن النظر في هذا السياق إلى مشروع القرار الغربيّ بوصفه ورقة تفاوضيّة بامتياز، فالولايات المتّحدة لا تريد الذهاب إلى المفاوضات من موقع الطرف الساعي إلى التسوية فقط، بل من موقع الطرف القادر أيضاً على تعبئة المؤسّسات الدوليّة وإعادة فتح الملفّ النوويّ بكلّ تعقيداته إذا اقتضت الحاجة.
تدرك واشنطن أنّ الحرب، مع ما أحدثته من أضرار واسعة داخل إيران، لم تنهِ الأسئلة المرتبطة بالبرنامج النوويّ. لذلك تسعى إلى تحويل الغموض المحيط بمصير الموادّ المخصّبة إلى عنصر ضغط دائم على طهران خلال المفاوضات الجارية.
عودة الأوروبيّين إلى الملعب
أمّا الأوروبيّون فيجدون في هذه اللحظة فرصة لاستعادة دورهم الذي تراجع خلال مرحلة التصعيد العسكريّ، فمن خلال الوكالة الدوليّة للطاقة الذرّيّة يحاولون العودة إلى قلب الملفّ النوويّ بوصفهم شركاء أساسيّين في أيّ ترتيبات مستقبليّة تخصّ إيران والمنطقة.
لهذا السبب تبدو فيينا وإسلام آباد اليوم ساحتين متكاملتين لمعركة واحدة. في العاصمة النمسويّة تُبنى الضغوط القانونيّة والدبلوماسيّة، وفي العاصمة الباكستانيّة تُختبر إمكانات التسوية السياسيّة. وبين المسارين تحاول الولايات المتّحدة وحلفاؤها تثبيت معادلة جديدة عنوانها أنّ زمن الفصل بين التفاوض والضغط قد انتهى.
إقرأ أيضاً: صراع الآلهة بين إسرائيل وإيران
بالنسبة إلى إيران، لا يقتصر التحدّي على الدفاع عن برنامجها النوويّ أو مواجهة قرار جديد في مجلس المحافظين، بل يمتدّ إلى كيفيّة التعامل مع عودة الغرب الموحّد إلى الساحة، فالمشكلة التي تواجهها طهران اليوم ليست مشروع قرار في الوكالة الدوليّة للطاقة الذرّيّة، بل احتمال تشكّل جبهة أميركيّة ـ أوروبيّة متماسكة تستخدم الملفّ النوويّ كورقة مركزيّة لإعادة رسم شروط العلاقة معها في مرحلة ما بعد الحرب.
