“إنّ مؤسّسة المقاصد ليست مؤسّسة خاصّة، وليست ملكاً لي، فإذا كانت عائلة سلام ساهمت في إنهاضها، فإنّ آخرين أيضاً ساهموا في ذلك، وهي في النهاية لأهالي بيروت وللمواطنين اللبنانيّين”. بتلك الكلمات غادر الرئيس تمّام سلام رئاسة جمعيّة المقاصد الخيريّة الإسلاميّة عام 2000. بعد ذلك، خلفه أمين الداعوق. عندما انتهت الولاية الثانية للداعوق عام 2018، قرّر مجلس الأمناء حينها منحه لقب الرئيس الفخريّ للجمعيّة، إلّا أنّ الداعوق رفض ذلك قائلاً: “هناك رئيس فخريّ للجمعيّة هو تمّام سلام، ولا نملك الصلاحيّة ولا الأخلاق ولا الوفاء لنزع هذا المنصب منه”. أنصت له مجلس الأمناء ومنحه لقب رئيس شرف للجمعيّة.
في العشاء الذي دعت إليه جمعيّة المقاصد لتكريم رئيسها السابق فيصل سنّو، أُعلن الزميل صبحي قبلاوي منحه لقب الرئيس الفخريّ للجمعيّة، فصعد هو وعائلته إلى المنبر محتفلين بأمرين: الأوّل “وسام الأرز” الذي منحه إيّاه رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون، والثاني لقب الرئيس الفخريّ لجمعيّة لديها بالأصل والأساس رئيس فخريّ اسمه تمّام سلام. مع العلم أن لا مجلس الأمناء السابق ولا الجديد المنتخب قررا منحه الرئاسة الفخرية فمنحها هو لنفسه.
ليس تمّام سلام، ومعه آل سلام، تفصيلاً في جمعيّة المقاصد كي تُنتزع الرئاسة الفخريّة منهم. عندما حضر الوزير السابق محمّد المشنوق ليمثّل الرئيس الفخريّ للجمعيّة في الاحتفال، لم يكن مقبولاً تجاهله لشخصه أو لمن يمثّل، وكأنّه ضيف كباقي الضيوف.
تعبر غيمة سوداء فوق “المقاصد”، وستمرّ مع الأيّام وتبقى “المقاصد”. لماذا؟ لأنّ الأصل هو الذي يبقى، وأمّا الطارئ فعابر سبيل تتكفّل الرياح بإسقاطه
لم يدّعِ تمّام سلام يوماً أنّ ما حقّقه هو ووالده الرئيس الراحل صائب سلام للجمعيّة كان عملاً فرديّاً، بل كان دائماً وأبداً يتحدّث عن الجمعيّة كفريق عمل يضمّ في مجلس أمنائه أسماء لامعة يفتخر بها المجتمع البيروتيّ واللبنانيّ، من محمّد المشنوق إلى أديب بساتنة وبسّام برغوت ومحمّد الحوت وخالد قبّاني وأمين عيتاني وعبدالقادر سنّو وغيرهم من الأسماء التي حملت الأمانة فأحسنت حملها.
لم يقُل صائب سلام إنّه هو من اشترى أرض مستشفى المقاصد في عهده وأطلق المعهد التمريضيّ الجامعيّ، وكان يريد، لولا الظروف السياسيّة، أن يبني جامعة صدّام حسين الطبّيّة. ما ادّعى تمّام سلام في عهده أنّه هو من أطلق إذاعة صوت الوطن وجامعة المقاصد للدراسات الإسلاميّة، بل كان دائماً يقول إنّ الجمعيّة فريق بيروتيّ إسلاميّ أصيل، كما قال والده: “جذورها في الأرض وفروعها في السماء”.
فيصل سنّو يلغي التّاريخ
صعد فيصل سنّو إلى المنبر ليتسلّم “وسام الأرز”، وكم هم كثيرون من نالوا “وسام الأرز” عن استحقاق أو من دونه، فما ضرّ الوسامَ أو لائحةَ من حصل عليه شخصٌ بالزائد أو شخصٌ بالناقص.
اختصر فيصل سنّو كامل إنجازات “المقاصد” بعهده وشخصه. تناسى الدكتور عماد عيتاني، فيما سجلّات “المقاصد” تشهد أنّ ما أدخله عماد عيتاني مادّيّاً ومعنويّاً يفوق ما فعله فيصل. تجاهل بسّام برغوت، الذي حوّل، بفعل جهده، أرض الأموات (المدافن) إلى مورد تعيش منه “المقاصد” في أصعب الظروف المادّيّة، عندما انهارت الليرة وقبضت المصارف على أموال الناس. تناسى أديب بساتنة، ذلك الرجل المعطاء الكبير، الذي ما بخل هو وإخوته يوماً على “المقاصد” أو على أيّ مؤسّسة إسلاميّة بيروتيّة، فخير الرجل وعائلته كنهر دافق لا يوقفه منصب ولا ينتظر تقديراً من أحد.
تعبر غيمة سوداء فوق “المقاصد”، وستمرّ مع الأيّام وتبقى “المقاصد”. لماذا؟ لأنّ الأصل هو الذي يبقى، وأمّا الطارئ فعابر سبيل تتكفّل الرياح بإسقاطه
لم تولد “المقاصد” في عهد فيصل سنّو كي يُختصر تاريخها به، بل ولدت في عهد الآباء المؤسّسين الذين اجتمعوا في منزل عبدالقادر قبّاني وقرّروا إنشاء “المقاصد” وتسليم إدارتها له. الذي لم يدّعه عبدالقادر قبّاني وصائب سلام لا يمكن أن يدّعيه فيصل سنّو أو أيّ أحد آخر.
من حقّ “المقاصد” أن تكرّم فيصل سنّو لعمله على مدى ثماني سنوات، على الرغم من وجود دعوى قضائيّة تطعن برئاسته، وإشكالات كبرى افتعلها، من أسماء أمّهات المؤمنين وصولاً إلى تغيير شعار الجمعيّة. لكن لم يكن أبداً فيصل سنّو وحده في هذه السنوات، والكلّ يدرك ذلك.
إنّ العمل الاجتماعيّ والخيريّ والتربويّ عمل تراكميّ متواصل لا ينتهي عند شخص بعينه، فما بالنا بجمعيّة كـ”المقاصد”؟ عندما افتتحت كليّة البنات، لم يكن أحد يجرؤ على إرسال بناته لطلب العلم، وعندما أنشأت جامعتها الإسلاميّة رفعت لواء تصحيح الخطاب الدينيّ قبل أن يجرؤ أحد على فتح هذا الباب.
غيمة سوداء ستعبر
تعبر غيمة سوداء فوق “المقاصد”، وستمرّ مع الأيّام وتبقى “المقاصد”. لماذا؟ لأنّ الأصل هو الذي يبقى، وأمّا الطارئ فعابر سبيل تتكفّل الرياح بإسقاطه.
احتفال “المقاصد” بفيصل سنّو يصحّ عليه القول: “احتفال فيصل سنّو بفيصل سنّو”. مجلس الأمناء الذي نصّبه رئيساً على الجمعيّة يضمّ 18 عضواً من أصل 24 عضواً غائبين داخليّاً وخارجيّاً، فيما من بقي منهم تكملة عدد لمجلس وهميّ، أو جوائز ترضية لبعض الأشخاص عبر ابنة فلان أو ابنة شقيق علّان.
إقرأ أيضاً: 37 عاماً.. ونحن ما نزال ننتظر “مفدينا” الشّهيد
كان الأجدى بفيصل سنّو، عندما صعد إلى المنبر، أن يدعو أعضاء مجلس الأمناء الذين كانوا إلى جانبه خلال هذه المسيرة، وعلى رأسهم الوزير السابق محمّد المشنوق الذي يمثّل الرئيس الفخريّ للجمعيّة، عوضاً عن دعوة عائلته إلى التقاط الصورة.
قال الرئيس صائب سلام رحمه الله مرّة: “لـ”المقاصد” ربّ يحميها”، ونضيف على كلامه: “لـ”المقاصد” ربٌّ يحميها، وأهل مدينة لن يتركوها لفيصل سنّو”.
لمتابعة الكاتب على X:
