أفرجت قمّة بكّين الأميركيّة – الصينيّة عن نتائج معلنة شفّافة أُعلن كثيرها على لسان زعيمَي البلدين. لكنّ المنطقة عندنا كانت تراقب بانتباه ما بدأ يغيّره الحدث على وقائع الأزمة الإيرانيّة حتّى عشيّة القمّة نفسها. ما الذي فهمته طهران وما الذي تواطأت عليهه ربّما مع الصينيين قبل القمّة لصناعة تحوّلات ما بعدها؟ أول المتغيّرات ظهر أمس بتعيين محمد باقر قاليباف رسمياً مبعوثاً إيرانياً إلى الصين.
قبل أيّام من قمّة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب والزعيم الصينيّ شي جين بينغ في بكّين، وبعد تلكّؤ محسوب، أفرجت إيران عن ردّها على مقترح أميركيّ لاتّفاق يُنهي الحرب. مَن قرأ الردّ أدهشته سورياليّة المطالب التي قدّمتها إيران بتدرّج يبدأ بوقف الحرب وفكّ الحصار عن الموانئ ورفع العقوبات والإفراج عن الأرصدة الإيرانيّة وينتهي باقتراحات مضادّة بشأن البرنامج النوويّ تناقض كلّ الأهداف الأميركيّة لمنع إيران من امتلاك قنبلة نوويّة.
لم يكن في ردّ إيران إلّا صياغات أبجديّة مطوّلة تهدف إلى إفهام الولايات المتّحدة رسالة صينيّة واضحة. قبل الردّ بأسبوع كان وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي قد زار بكّين والتقى بمسؤوليها. الأرجح أنّه استنتج منهم تمهّلاً في الردّ أو جعله مستفزّاً على النحو الذي أغضب ترامب، فرفضه، وأعلن أنّه تافه أصابه بضجر، ورماه، ولم ينهِ قراءته.
بعد اندلاع حرب “إسناد غزّة” في لبنان، زار لبنان كبار المسؤولين الإيرانيّين تباعاً أو معاً، وكان منهم الوزير عبّاس عراقجي والأمين العامّ لمجلس الأمن القوميّ الأعلى السابق علي لاريجاني ورئيس مجلس الشورى محمّد باقر قاليباف. تناوبوا على تكرار تصريح مفاده أنّ مسألة الحرب في لبنان مفتاحها في طهران، وأنّ إيران جاهزة للتطوّع لخفض التصعيد والعمل على التسويات. لسخرية الأقدار، هذا تماماً ما قاله الردّ الإيرانيّ وفهمته واشنطن: “عنوان الحلّ في بكّين”.
لا شيء رشح من محادثات الزعيمين بشأن إيران. تقصّد الزعيمان معاملة الملفّ معاملة جانبيّة حتّى لا نقول هامشيّة مقارنة بملفّات كبرى
روبيو أبلغ الرّسالة
قبل سفره إلى الصين قال ترامب إنّ بلاده لا تحتاج إلى الصين لحلّ المسألة الإيرانيّة، نافياً بذلك تقارير تحدّثت عن عزمه الطلب من الزعيم الصينيّ ممارسة ضغوط على طهران. كان في إعلان ترامب منطق لجهة أن لا يتوسّل من الصين إيجاد مخرج لمأزق إيران فيما تنتشر “أرمادا” أميركيّة في مياه المنطقة.
تولّى ترامب رئيساً للولايات المتّحدة لعب دور المكابرة، فيما تولّى وزير الخارجيّة ماركو روبيو إطلاق تصريحات يذكّر فيها بأنّ الصين هي أكبر المتضرّرين من إقفال مضيق هرمز، وأنّ عليها أن تضغط على إيران لرفع يدها عن مياهه.

وصلت الرسالة: “واشنطن تطلب من بكّين التدخّل”. جاء الحلّ المشرّف صينيّاً. يعلن ترامب أنّ شي “عرض” عليه التدخّل وأنّه لم يطلب منه شيئاً.
بقدرة قادر، وأثناء قمّة الزعيمين الخميس، بثّت وكالات الأنباء خبراً مفاده أنّ 30 سفينة شحن عبرت في ذلك اليوم المضيق. بدا أنّ ذلك التدخّل الصينيّ يكشف سريعاً عن مفاعيله، وأنّ تعويذة صينيّة شقّت مياه المضيق. قبل القمّة بأيّام واستعداداً لاستقبال الضيف الأميركيّ الكبير كانت بكّين قد بدأت فعلاً تموضعاً جديداً حيال المضيق وحيال إيران.
خرج مندوب الصين في الأمم المتّحدة ليدلي بتصريح ضمّنه جملة واضحة: “نطلب من إيران رفع القيود عن مضيق هرمز”. لم يسبق لإيران أن عبّرت عن ضيق من هذه المسألة منذ بدء الحرب على إيران، لا بل إنّ الموقف الصينيّ كان مدافعاً عن إيران داعماً لها مديناً للاعتداءات عليها.
لا شيء رشح من محادثات الزعيمين بشأن إيران. تقصّد الزعيمان معاملة الملفّ معاملة جانبيّة حتّى لا نقول هامشيّة مقارنة بملفّات كبرى يعتبرانها استراتيجيّة وأكثر أهمّيّة للبلدين. فتحت الصين سوقها أمام عمالقة التكنولوجيا وشركات الولايات المتّحدة ووعدت باستئناف ضخّ الاستثمارات العملاقة داخل السوق الأميركيّ. فهم ترامب ما تسبّبه قضيّة جزيرة تايوان من ضيق وتوتّر بالنسبة لبكّين وللزعيم الصينيّ بالذات، فكان ينظر حوله ويردّد “الصين جميلة” كلّما سأله الصحافيّون في بكّين عن موقفه من الجزيرة.
وحدها إيران ستفرج عمّا دار في بكّين. سيظهر ذلك في مواقف قادتها وبيانات المتحدّثين باسمها كما في منسوب حيويّة وساطة باكستان
اللّاءات المشتركة
راقبت طهران زيارة ترامب لبكّين ثانية وراء ثانية. درست كلّ حرف قيل وتأمّلت ما تنطق به لغة الجسد وإيماءات الوجوه لفهم التحوّل الكبير. اتّفق الزعيمان على لاءات مشتركة:
– عدم امتلاك إيران سلاحاً نوويّاً.
– عدم إغلاق مضيق هرمز ووجوب أن يبقى مفتوحاً.
– رفض عسكرة المضيق، ورفض فرض رسوممرور به.
فقدت طهران السيادة المزعومة على المضيق في لحظات، وبات موقف الصين مباشراً واضحاً صادماً: “لن تمتلكوا قنبلة نوويّة”. على متن الطائرة التي أقلّته إلى بلاده عائداً من بكّين قال ترامب إنّه لا يمانع أن تعلّق إيران برنامجها النوويّ لمدّة 20 عاماً، لكن يجب أن يكون هناك التزام “حقيقيّ” من طهران.
فهم المراقبون بعد زيارة بكّين أنّ أوراق ترامب باتت أقوى مع أنّ القمّة لم تفرج عن عناوين حاسمة تكشف أعراض مآلات المسألة الإيرانيّة. على الرغم من أنّه بات يصعب تصوّر أن تعود الولايات المتّحدة إلى شنّ حرب على إيران شريك الصين الاستراتيجيّ على نحو يخالف أجواء الوئام بين بكّين وواشنطن، غير أنّ ترامب كتب السبت: “هدوء ما قبل العاصفة”، فيما مصادر إسرائيل تتحدّث عن استعدادات لاستئناف الضربات ضدّ إيران.
إقرأ أيضاً: ترامب في الصّين: نجاح مؤجّل!
وحدها إيران ستفرج عمّا دار في بكّين. سيظهر ذلك في مواقف قادتها وبيانات المتحدّثين باسمها كما في منسوب حيويّة وساطة باكستان، الحليف الآخر للصين، وفي أبجديّات أيّ ردّ على اقتراح حلّ يكون سهل اللغة تتّفق لهجته وقواعده الإنشائيّة مع التحوّلات المفترضة التي أنجزتها القمّة “السعيدة” في بكّين. قد تدّعي طهران سوء الفهم وقلّة الإدراك إلى أن يأتيها سطر من بكّين مكتوب بحبر صينيّ ثقيل.
لمتابعة الكاتب على X:
