أفرزت مخرجات المؤتمر الثامن لحركة “فتح”، الذي اختتم أعماله مساء 16 أيّار بانتخاب لجنة مركزيّة ومجلس ثوريّ جديدين، هيمنة واضحة للرئيس محمود عبّاس على الحركة وقرارها السياسيّ والتنظيميّ، فيما كشفت النتائج عن احتدام مبكر لمعركة الخلافة داخل أروقة الحركة.
جرى انتخاب عبّاس رئيساً لحركة فتح بالتزكية والإجماع، في مشهد اعتبره كثيرون امتداداً لعُرف تنظيميّ كرّسته الحركة منذ عام 1989، يقوم على انتخاب رئيس الحركة بالتوافق والتصفيق من دون منافسة فعليّة. غير أنّ هذا الإجماع لم يخفِ حجم التنافس الحادّ بين المرشّحين على مقاعد الهيئات القياديّة، لما تمثّله من نفوذ سياسيّ وتنظيميّ، علاوة على ارتباطها بمستقبل قيادة السلطة ومنظّمة التحرير.
اكتسبت انتخابات المؤتمر أهميّة استثنائيّة هذه المرّة، باعتبارها مؤشّراً إلى ملامح مرحلة ما بعد الرئيس عبّاس، وقد تُرجم ذلك بتغيير نصف أعضاء اللجنة المركزيّة في خطوة عكست إعادة ترتيب موازين القوى داخل الحركة، من دون إحداث تحوّل جذريّ في برنامجها السياسيّ أو بنيتها التقليديّة.
تصدُّر البرغوثي وفرج والرّجوب والشّيخ
أظهرت النتائج صعود معسكر النفوذ الأمنيّ والتنظيميّ، مع تصدّر الأسير مروان البرغوثي، اللواء ماجد فرج، جبريل الرجوب، وحسين الشيخ نتائج الانتخابات، وهي شخصيّات تمثّل أبرز مراكز القوّة داخل الحركة والسلطة الفلسطينيّة.
على الرغم من استمرار اعتقال البرغوثي داخل سجون الاحتلال، أكّد تصدّره النتائج استمرار حضوره الشعبيّ والتنظيميّ داخل قواعد “فتح”، وكرّس مكانته كأحد أبرز عناوين الشرعيّة النضاليّة داخل الحركة، وأحد الأسماء المطروحة بقوّة في أيّ ترتيبات مستقبليّة تتعلّق بالخلافة.
في المقابل، عزّز فوز ماجد فرج وحسين الشيخ موقع الدائرة الأقرب إلى الرئيس عبّاس، في ظلّ تداول اسمَيهما باستمرار داخل أوساط الحركة بوصفهما من أبرز المرشّحين لإدارة المرحلة المقبلة.
حركة فتح بعد المؤتمر لن تختلف كثيراً عمّا كانت عليه قبله، موضحاً أنّ الحركة لم تشهد طوال العقود الماضية تيّارات فكريّة متعدّدة
حملت النتائج رسائل تتعلّق بخروج شخصيّات تاريخيّة بارزة، مثل عبّاس زكي وعزّام الأحمد وروحي فتوح وصبري صيدم، مقابل صعود أسماء جديدة تحمل حضوراً جماهيريّاً أو ميدانيّاً، من بينها زكريا الزبيدي، ليلى غنّام، وتيسير البرديني.

يبدو أنّ إدخال شخصيّات ذات رمزيّة شعبيّة وميدانيّة، مثل الزبيدي، يأتي في إطار محاولة ترميم العلاقة المتآكلة بين الحركة والشارع الفلسطينيّ، في ظلّ تصاعد الانتقادات التي تتّهم “فتح” بالتحوّل إلى إطار سلطويّ بعيد عن دورها التاريخيّ كحركة تحرّر وطنيّ.
فوز ياسر عبّاس
لكنّ الحدث الأكثر إثارة للجدل تمثّل في فوز ياسر عباس، نجل الرئيس محمود عبّاس، بعضويّة اللجنة المركزيّة، في خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الفتحاويّة.
يرى منتقدون أنّ صعود ياسر عباس يعكس ترتيبات داخليّة تهدف إلى ترسيخ نفوذ عائلة الرئيس داخل الحركة، خاصّة أنّه لم يمرّ بالمسار التنظيميّ التقليديّ داخل الأقاليم والأطر الحركيّة، بينما اعتبر مؤيّدون أنّ دخوله يمثّل محاولة لتجديد الدماء داخل القيادة.
تشير النتائج بمجملها إلى أنّ المؤتمر الثامن لم يكن مؤتمراً للتغيير السياسيّ بقدر ما كان مؤتمراً لإعادة ترتيب مراكز القوّة داخل الحركة، بما يوحي بأنّ المرحلة المقبلة قد تشهد صراعات أكثر حدّة بين أقطاب “فتح”، ليس على البرنامج السياسيّ، بل شكل القيادة المقبلة ومن سيمسك بمفاتيح الحركة والسلطة الفلسطينيّة بعد الرئيس عبّاس.
قال الكاتب والمحلّل السياسيّ عبد المجيد سويلم إنّ إعادة انتخاب الرئيس محمود عبّاس بالتزكية تعكس قناعة داخل حركة فتح بعدم وجود ضرورة حاليّة للدخول في معركة خلافة أو صراع على القيادة في ظلّ الظروف الراهنة.
أوضح سويلم في حديث إلى “أساس ميديا” أنّ الحركة لا ترى مصلحة حاليّاً في طرح شخصيّة منافسة للرئيس عبّاس، معتبراً أنّ الإبقاء على الوضع التنظيميّ القائم يهدف إلى الحفاظ على تماسك الحركة وتجنّب المخاطر التي قد تنجم عن فتح ملفّ الخلافة في هذا التوقيت.
الحدث الأكثر إثارة للجدل تمثّل في فوز ياسر عباس، نجل الرئيس محمود عبّاس، بعضويّة اللجنة المركزيّة، في خطوة أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الفتحاويّة
أشار إلى أنّ المسألة لا ترتبط بعدم وجود شخصيّات قادرة على قيادة الحركة مستقبلاً، وإنّما بحسابات وصفها بـ”الموضوعيّة والمؤقّتة” دفعت “فتح” إلى تأجيل أيّ نقاش فعليّ في مرحلة ما بعد الرئيس.
أضاف أنّ تأجيل معركة الخلافة لا يمنع الشخصيّات القويّة والطامحة داخل اللجنة المركزيّة من تعزيز حضورها ونقاط قوّتها استعداداً للمرحلة المقبلة، في ظلّ التنافس المتوقَّع داخل الأطر القياديّة للحركة.
في ما يتعلّق باللجنة المركزيّة الجديدة، رأى سويلم أنّ المرحلة المقبلة لن تشهد تغييرات حاسمة على مستوى النهج السياسيّ أو الاستراتيجيّ للحركة، موضحاً أنّ اللجنة ستتشكّل وفقاً لرؤية الرئيس عبّاس ونهجه السياسيّ والتنظيميّ.
أضاف أنّ أيّ دخول لأسماء جديدة لن يكون كافياً لإحداث تحوُّل جذريّ في سياسات الحركة أو توجّهاتها، سواء داخليّاً أو خارجيّاً، معتبراً أنّ المؤتمر جاء بالأساس لتكريس وقائع تنظيميّة داخليّة أكثر من كونه محاولة لإخراج الحركة من أزمتها السياسيّة والتنظيميّة.
ملفّ الخلافة حاضر
من جانبه، قال الكاتب والمحلّل السياسيّ جهاد حرب إنّ انتخاب عبّاس بالإجماع يندرج ضمن عُرف تنظيميّ كرّسته الحركة منذ عقود، معتبراً أنّ التحدّي الحقيقيّ داخل المؤتمر تمثّل في انتخابات اللجنة المركزيّة وتركيبتها الجديدة، وخاصّة في ظلّ تقدّم الرئيس عبّاس في العمر، وهو ما يجعل ملفّ الخلافة حاضراً بقوّة داخل الحركة.
جرى انتخاب عبّاس رئيساً لحركة فتح بالتزكية والإجماع، في مشهد اعتبره كثيرون امتداداً لعُرف تنظيميّ كرّسته الحركة منذ عام 1989
أشار حرب إلى أنّ الصراع داخل “فتح” مرشّح للاحتدام خلال المرحلة المقبلة مع دخول أسماء جديدة إلى اللجنة المركزيّة، في ظلّ التغيير الجوهريّ الذي طرأ على تركيبتها، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام اصطفافات وتحالفات جديدة مرتبطة بمرحلة ما بعد الرئيس.
أضاف أنّ شكل التحالفات داخل اللجنة المركزيّة وطبيعة العلاقات بين أعضائها بعد الانتخابات سيكون له تأثير مباشر على معركة الخلافة داخل الحركة، مرجّحاً ظهور تكتّلات جديدة قد تلعب دوراً مؤثّراً في تحديد ملامح المرحلة المقبلة.
إقرأ أيضاً: عبّاس على خطّ الدّفاع الأخير
رأى حرب أنّ حركة فتح بعد المؤتمر لن تختلف كثيراً عمّا كانت عليه قبله، موضحاً أنّ الحركة لم تشهد طوال العقود الماضية تيّارات فكريّة متعدّدة أو صراعات فكريّة عميقة، وأنّ برنامجها السياسيّ ما يزال قائماً على أساس حلّ الدولتين منذ عام 1988.
