عبّاس على خطّ الدّفاع الأخير

مدة القراءة 5 د

منذ أكثر من عشرين سنة، لم ألتقِ الرئيس محمود عبّاس على انفراد، إلّا أنّ الأمر لم يصل حدّ القطيعة، فقد التقيته عدّة مرّاتٍ في مناسباتٍ عامّة، كالمجلس الوطني ومؤتمر “فتح” السابع. على الرغم من خلافٍ أملى هذا التباعد، لم نتخلَّ عن مفردة الصديق في التخاطب.

 

شاركتُ عبّاس مجازفة أوّل حكومةٍ رأَسها في عهد عرفات، ولم تعمّر سوى أشهرٍ قليلة، وحين تولّى الرئاسة بعد رحيل عرفات، عملت معه مستشاراً إعلاميّاً وثقافيّاً، ثمّ سفيراً لدى جمهوريّة مصر العربيّة، وكانت هذه الوظيفة هي الأخيرة في عهده.

تابعت عن بُعد التحضيرات التي بدأت منذ إعلان موعد عقد المؤتمر الثامن، ولم تتوافر لديّ معلوماتٌ كافية عمّا يجري، وقد طلبت لقاءً معه لعلّني أعرف جديداً عن مؤتمرٍ كان ينبغي أن يُعقد قبل خمس سنوات، وقد حُدّد لي موعدٌ عند السابعة من مساء الأحد، أي قبل ثلاثة أيّام من الموعد الرسميّ لافتتاح المؤتمر.

كان عُرف أنّ المؤتمر الثامن بلغ عديده ألفين وخمسمئة عضو، وفي حال انضمام مجموعة محمّد دحلان ربّما يصل إلى أربعة آلاف، وكان الأشقّاء المصريّون المعنيّون دائماً بإنهاء الخلافات الفلسطينيّة بذلوا جهداً لإغلاق الملفّ، إلّا أنّ الذي حصل أخيراً هو أنّ الإضافة لم تحدث وبقي عدد المؤتمر على حاله مع زياداتٍ طفيفةٍ تُقدّر بالعشرات.

يقف عبّاس الآن على خطّ الدفاع الأخير للحفاظ على ما بقي، وسيكون أمراً مهمّاً أن تبقى السفينة صامدةً في مكانها، ذلك أنّ أمامها مضائق يصغر معها مضيق هرمز، ووراءها بحرٌ مكتظٌّ بالألغام وأسماك القرش

كان عبّاس متفائلاً…

رحّب عبّاس بي صديقاً، وسمعت منه عرضاً لما فعل ولما سيفعل. كان متفائلاً بالمتغيّرات الإيجابيّة التي حدثت بالنسبة للقضيّة الفلسطينيّة، على الصعيد الدوليّ، ومنها الاعترافات، وتحدّث بارتياحٍ عن جهوده المثمرة على الساحة الأميركيّة، التي يقوم بها المجلس الذي أسّسه ورعاه، أو بعث الحياة فيه ليكون “لوبياً” فلسطينيّاً داخل أميركا، وتحدّث باستفاضة عن جهده في مجال الإصلاح الداخليّ، بدءاً برعايته لمؤتمر الشبيبة الفتحاويّة، ثمّ إجراء الانتخابات المحليّة، والعمل على إنجاز دستور الدولة، والانتخابات المزمع إجراؤها للمجلس الوطنيّ.

قمت بمداخلةٍ في هذا الأمر، فقلت إنّ هذه الإجراءات بالغة الأهميّة، إلّا أنّ ما هو أكثر أهميّةً منها جميعاً هو الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة، وأشدت بمكالمته التي أجراها مع رئيس وزراء كندا مارك كارني، والتي أبلغه فيها جاهزيّته لإجراء الانتخابات الرئاسيّة والتشريعيّة في أقرب فرصة. ذلك أنّ هذه الانتخابات التي هي استحقاقٌ وطنيّ، يُنظر إليها على أنّها البوّابة الرئيسة للإصلاح المنشود، الذي يحتاج إليه الفلسطينيّون ويحترمه العالم. أكّد عبّاس موافقته على ما قلت، وأضاف أنّه ضمّن خطابه الذي سيلقيه في افتتاح المؤتمر هذه النقطة بالذات، وهذا ما حدث فعلاً.

استغرق اللقاء أكثر من ساعة، ومن خلال لغة اللسان ولغة الجسد، باح بما يقلقه من انسدادٍ في الأفق السياسيّ، واشتداد الأزمة الماليّة وصعوبة الجهد الذي تبذله الحكومة لتوفير نسبةٍ متناقصةٍ من الرواتب، وتحدّث بأسى عن التأثير السلبيّ المباشر على القضيّة الفلسطينيّة جرّاء الحرب على إيران، التي قلّلت من الاهتمام الدوليّ بفلسطين، بما في ذلك مسار الحلّ في غزّة.

كنت قبل اللقاء أوضحت لصديقٍ مشتركٍ عن تردّدي في حضور المؤتمر الثامن، مع أنّني شاركت في أربعة مؤتمراتٍ سبقته، اثنين في المنفى تحت رعاية عرفات، واثنين في الوطن تحت رعايته، وخشية الظنّ بأنّني أريد رأيه في المشاركة والترشّح لموقعٍ أو أريد دعمه، اكتفيت بما سمعت منه عن المؤتمر مع تحفّظي على كثرة العدد.

استمعت إلى خطاب عبّاس المطوّل في المؤتمر، الذي كان على الرغم من محاولته الصعبة لإظهار الثقة برسوخ مكانة “فتح” وثوابت الكفاح الوطنيّ الفلسطينيّ مريراً بالقدر الذي جسّد صعوبة الحالة الفلسطينيّة، وانعدام الفرص الحقيقيّة لفتح مسارٍ سياسيّ يُنقذ ما يُمكن إنقاذه من بقايا أوسلو، وهنا بدا أقرب إلى المستحيل إيجاد عباراتٍ تشي بتفاؤلٍ واقعيّ بفعل انفراجة سياسيّةٍ وماليّة.

في مشهدٍ مألوفٍ في المؤتمرات الفتحاويّة، جرت مبايعة عبّاس لمواصلة قيادة المسيرة، وقيل إنّ هذه المبايعة عزّزت قبضته على حركته، مع أنّه ليس بحاجةٍ إلى ذلك لأنّ ولاء المؤتمر لرئاسته لا يحتاج إلى استفتاء

مبايعة عبّاس

في مشهدٍ مألوفٍ في المؤتمرات الفتحاويّة، جرت مبايعة عبّاس لمواصلة قيادة المسيرة، وقيل إنّ هذه المبايعة عزّزت قبضته على حركته، مع أنّه ليس بحاجةٍ إلى ذلك لأنّ ولاء المؤتمر لرئاسته لا يحتاج إلى استفتاء. ما يحتاج إليه الناس لا يستطيع عبّاس تلبيته. من أين له فتح مسارٍ سياسيّ بينما الإسرائيليّون يحاربون على سبع جبهاتٍ من أجل منع قيام دولةٍ فلسطينيّة؟ من أين له تخليص أموال الفلسطينيّين التي استولت عليها حكومة إسرائيل؟ من أين له العصا السحريّة التي تعيد “فتح” إلى مكانتها القديمة في الساحة الفلسطينيّة، وتستعيد وحدة الوطن والشعب، التي ضُربت في الصميم جرّاء انقلاب “حماس” عليها؟

يقف عبّاس الآن على خطّ الدفاع الأخير للحفاظ على ما بقي، وسيكون أمراً مهمّاً أن تبقى السفينة صامدةً في مكانها، ذلك أنّ أمامها مضائق يصغر معها مضيق هرمز، ووراءها بحرٌ مكتظٌّ بالألغام وأسماك القرش.

هذا هو الحال في هذه المرحلة البالغة الصعوبة، والخطر على الجميع وليس على الفلسطينيّين وحدهم.

 

 إقرأ أيضاً: مؤتمر “فتح” الثّامن: مواجهة الأسئلة الصّعبة؟

مواضيع ذات صلة

كذبة التّحرير عام 2000 أنهت لبنان

تزامن خطاب الأمين العامّ لـ”الحزب” نعيم قاسم في 24 أيّار الفائت، في مناسبة ما اصطلح على تسميته “عيد التحرير”، مع تصاعد حدّة التدمير الإسرائيليّ لقرى…

عون يُحرّر “بعبدا” من الاحتلال الإيرانيّ

في مقابلة مع شبكة CNN، لم يدعُ رئيس الجمهوريّة جوزف عون إلى الدولة فحسب، بل تحدّث عن سأم الدولة من الدويلة التي يمثّلها حاليّاً “الحزب”….

ترامب يُفكّك الدّولة العميقة: الولاء قبل الكفاءة؟

منذ عقود، يدور في واشنطن نقاش لا ينتهي: من يحكم الولايات المتّحدة فعلاً؟ الرئيس المنتخب الذي يمنحه الناخبون الشرعيّة أم البيروقراطيّة الدائمة التي تبقى في…

عندما تنتصر الشعارات وتنهزم الأوطان

لا ينحصر أثر الحروب على حساب أعداد الضحايا وتكلفة دمار المباني والبنى التحتية، والتكلفة الإجمالية للأضرار على مجمل النشاط الاقتصادي، وإنما يمتد إلى ضرورة إعادة…