يُجمع كُثر أنّ المؤتمر العامّ الثامن لحركة فتح، الذي سيُعقد الثلاثاء 24 أيّار، سيكون مصيريّاً في تحديد مسار الحركة، وحتّى مسار القضيّة الفلسطينيّة.
تحمل ملفّات كثيرة في طيّاتها تحدّيات مصيريّة ستكون ملقاة على عاتق المؤتمر، وأسئلة صعبة يُفترض أن يقدّم المؤتمر إجابات لها مصحوبة برؤى واستراتيجيات، ودون ذلك ستراكم الحركة المزيد من الإحباط في الشارع الفلسطينيّ، وسيزداد ترهّلها التنظيميّ، وذوبانها في السلطة.
من المقرّر أن يُفتتح المؤتمر يوم الثلاثاء في مقرّ المقاطعة في مدينة رام الله، بكلمة شاملة للرئيس محمود عبّاس بحضور شخصيّات فلسطينيّة وعربيّة ودوليّة تمّت دعوتها إلى حضور الجلسة الافتتاحيّة على أن تُستكمل أعمال المؤتمر على مدار 3 أيّام.
يشارك في المؤتمر 2,580 عضواً من الحركة موزّعون على أربع ساحات هي رام الله وغزّة والقاهرة وبيروت، حيث سيقوم أولئك المشاركون في اليوم الثالث من المؤتمر بالترشّح والاقتراع لعضويّة اللجنة المركزيّة (18 عضواً)، والمجلس الثوريّ (80)، على أن يجري إكمال باقي أعضاء هاتين القيادتين بالتعيين.
محطّة مفصليّة؟
تسابق قيادات الحركة الزمن من أجل ضمان ترتيب التحالفات والولاءات خلال المؤتمر التي تضمن لهم الفوز بالترشّح، حتّى بدا المؤتمر أقرب إلى عمليّة انتخابيّة منه إلى مؤتمر عامّ لحركة من المفترض أن يخرج عنه برنامج سياسيّ ووطنيّ واستراتيجية لمواجهة التحدّيات والمخاطر المحدقة بالقضيّة الفلسطينيّة.
قال لــ”أساس” الكاتب والمحلّل السياسيّ، مدير مركز المتوسّط للدراسات أحمد رفيق عوض، إنّ المؤتمر الثامن لحركة فتح يمثّل محطّة مفصليّة ومصيريّة في تاريخ الحركة والنظام السياسيّ، في ظلّ المحاولات الإسرائيليّة والأميركيّة والعربيّة لإعادة تشكيل الواقع الفلسطينيّ سياسيّاً وأمنيّاً، وسط مخاوف من فصل الضفّة الغربيّة عن قطاع غزّة، وإسقاط حلّ الدولتين، وفرض وقائع جديدة على الأرض الفلسطينيّة.
المؤتمر ينعقد في ظلّ حالة ترهّل قياديّ تعاني منها الحركة، باعتبار أنّ “فتح” تشكّل العمود الفقريّ للسلطة الفلسطينيّة
أكّد عوض أنّ المؤتمر ينعقد في ظلّ “هجمة شاملة على الشعب الفلسطينيّ وأرضه”، تشمل مصادرة الأراضي، فرض القانون الإسرائيليّ على الضفّة الغربيّة، إضعاف السلطة الفلسطينيّة، وفرض حلول أمنيّة على الفلسطينيّين، إلى جانب طمس أيّ أفق للحلّ السياسيّ، مضيفاً أنّ “السؤال الأساسيّ المطروح أمام المؤتمر يتمثّل في قدرة حركة فتح على الخروج بقيادة وبرنامج سياسيّ واضح وحاسم وقابل للتنفيذ يستطيع مواجهة هذه التحدّيات والضغوط المتصاعدة”.
أوضح عوض أنّ المؤتمر يأتي أيضاً في ظلّ ضغوط وشروط أميركيّة وأوروبيّة وعربيّة تهدف إلى إعادة إنتاج النظام السياسيّ الفلسطينيّ، بما يشمل فرض إصلاحات تتوافق مع الرؤية الإقليميّة والدوليّة والإسرائيليّة، وهي شروط رافقها “تخفيض للسقوف السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة الفلسطينيّة”، متسائلاً عن قدرة “فتح” على مواجهة هذه الشروط والتصدّي لها أو إنتاج قيادة جديدة تمتلك قدرةً على استيعاب الضغوط والتعامل معها.
لفت أيضاً إلى أنّ المؤتمر ينعقد في ظلّ حالة ترهّل قياديّ تعاني منها الحركة، باعتبار أنّ “فتح” تشكّل العمود الفقريّ للسلطة الفلسطينيّة، فيما تشهد السلطة تراجعاً كبيراً في شعبيّتها لدى الشارع الفلسطينيّ، موضحاً أنّ هذه الأزمة قد تنعكس بشكل مباشر على أجواء المؤتمر ومخرجاته، خاصّة أنّ المرحلة الحاليّة تتطلّب تقديم برنامج سياسيّ مختلف يحظى بإجماع وطنيّ ورسميّ وشعبيّ.
إلى ذلك انتقد تركيز النقاشات داخل المؤتمر على الأسماء والترشيحات بدلاً من البرامج السياسيّة، معتبراً أنّ ذلك يعكس ضعفاً حقيقيّاً في البنية الفكريّة والحزبيّة داخل حركة فتح، وأضاف أنّه لا يشعر بتفاؤل كبير بإمكانيّة حدوث تغيير حقيقيّ من خلال المؤتمر، موضحاً أنّ كثيراً من المشاركين يأتون بدافع الحفاظ على مواقعهم ومصالحهم التنظيميّة، موضحاً أنّ النتائج المتوقّعة للمؤتمر “لن تكون بحجم التحدّيات الكبرى” التي تواجه القضيّة الفلسطينيّة في هذه المرحلة الحسّاسة.
حركة فتح والفصائل الفلسطينيّة تعيش أزمات بنيويّة عميقة تراكمت على مدار سنوات، وتفاقمت مع تعثّر العمليّة السياسيّة
أزمات بنيويّة عميقة
من جانبه أكّد الكاتب والمحلّل السياسيّ عمر حلمي الغول في حديث لـ”أساس” أنّ المؤتمر الثامن ينعقد في أخطر مرحلة يواجهها الشعب الفلسطينيّ منذ النكبة، محذّراً من أنّ القضيّة الفلسطينيّة باتت أمام “صراع وجود” في ظلّ مشاريع إسرائيليّة تستهدف تصفية الوجود الفلسطينيّ وإسقاط حلّ الدولتين وفرض واقع سياسيّ وأمنيّ جديد على الأرض الفلسطينيّة.
قال الغول إنّ التحدّي الحقيقيّ أمام نحو 2,500 عضو يشاركون في المؤتمر لا يتمثّل في انتخاب قيادة جديدة أو توزيع المواقع التنظيميّة، بل في القدرة على صياغة برنامج سياسيّ وطنيّ واضح وقابل للتنفيذ يجيب على الأسئلة المصيريّة التي تواجه الشعب الفلسطينيّ في هذه المرحلة.
أوضح أنّ حركة فتح والفصائل الفلسطينيّة تعيش أزمات بنيويّة عميقة تراكمت على مدار سنوات، وتفاقمت مع تعثّر العمليّة السياسيّة والانحدار الحادّ الذي وصلت إليه القضيّة الفلسطينيّة، وصولاً إلى حرب الإبادة المستمرّة في قطاع غزّة.
أضاف الغول أنّ المؤتمرين لا يجوز لهم الاكتفاء بخطاب الرئيس أو تقارير اللجنة المركزيّة، بل المطلوب مراجعة شاملة للتجربة الفلسطينيّة منذ اتّفاق أوسلو حتّى اليوم، والإجابة على الأسئلة المتعلّقة بالأخطاء والإخفاقات وكيفيّة مواجهة التحدّيات الجديدة، منتقداً انشغال الشارع والأوساط التنظيميّة بالأسماء المرشّحة للّجنة المركزيّة والمجلس الثوريّ، معتبراً أنّ التركيز على الأشخاص بدل البرامج يعكس خللاً عميقاً في البنية الفكريّة والحزبيّة داخل حركة فتح، موضحاً أنّ القضيّة الأساسيّة ليست من سيفوز بالمواقع القياديّة، بل قدرة الحركة على إنتاج قيادة تمتلك الكفاءة الفكريّة والسياسيّة والتنظيميّة والقدرة على الإبداع في أدوات العمل الوطنيّ بما يحفظ الحقوق والثوابت الفلسطينيّة، وأضاف أنّ المرحلة الحاليّة تتطلّب قيادة شجاعة تمتلك الكاريزما والإرادة والحكمة السياسيّة، وقادرة على قيادة الشعب الفلسطينيّ في ظلّ الضغوط والتحدّيات المتصاعدة، بعيداً عن معايير الجهويّة والعشائريّة والولاءات الشخصيّة التي أضعفت الحركة وأدخلتها في أزمات متراكمة.
يشارك في المؤتمر 2,580 عضواً من الحركة موزّعون على أربع ساحات هي رام الله وغزّة والقاهرة وبيروت
لفت الغول إلى أنّ المؤتمر الثامن يختلف عن المؤتمرَين السادس والسابع لأنّ القضيّة الفلسطينيّة عادت إلى مربّع “صراع الوجود” بعدما انتقلت إسرائيل من إدارة الصراع إلى محاولة حسمه عبر التهجير والتصفية السياسيّة والجغرافيّة، الأمر الذي يتطلّب إعادة بناء أدوات المواجهة الوطنيّة والسياسيّة والكفاحيّة بما يتناسب مع حجم المخاطر.
إقرأ أيضاً: انتخابات غزّة: المشاركة السياسية “حيّة” رغم الدمار
أضاف أنّه لا يشعر بتفاؤل كبير بإمكانيّة إحداث تغيير جذريّ، لكنّه في الوقت ذاته لا يصل إلى حدّ التشاؤم، معرباً عن أمله أن يرتقي أعضاء المؤتمر إلى مستوى المسؤوليّة التاريخيّة، وأن يتمكّن المؤتمر من استعادة دور “فتح”، لافتاً إلى أنّ السؤال الأهمّ اليوم هو: هل تقدر حركة “فتح” على تجديد نفسها واستعادة دورها التاريخيّ أم تبقى أسيرة الجمود وتكرار الشعارات؟
