فوجئت إيران بالحصار الأميركيّ لموانئها ردّاً على حصارها لمضيق هرمز. الضربة البحريّة غير المتوقّعة من دونالد ترامب وضعت طهران في مأزق حرج يخنق اقتصادها ويفاقم الأزمة الاقتصاديّة والمعيشيّة لملايين الإيرانيّين الذين كانوا يعانون أصلاً قبلها، ثمّ ازدادت معاناتهم بعدها.
مثّل “حصار الحصار” معضلة غير مسبوقة للجمهوريّة الإسلاميّة. كبحت الإجراءات الأميركيّة صادرات النفط والبتروكيمياويّات التي تشكّل عصب الخزينة، وضغطت في الوقت نفسه على واردات الحبوب والموادّ الأساسيّة التي تعتمد عليها البلاد لتحقيق أمنها الغذائيّ. مع استمرار الحصار البحريّ، قد يجد المخزون الغذائيّ نفسه تحت ضغط متزايد، فيما تتقلّص مساحات تخزين النفط غير المشحون، وهو ما قد يضطرّ السلطات إلى خفض الإنتاج وتعطيل بعض الآبار، مع ما يحمله ذلك من مخاطر تقنيّة طويلة الأمد على بنية قطاع نفطيّ يعاني أصلاً من التهالك والعقوبات.
علاوة على ذلك، تفتقر طهران إلى ممرّات بديلة فعّالة تعوّض تعطّل الحركة في هرمز. في وقت تمتلك دول الخليج شبكات أنابيب استراتيجيّة تخفّف اعتمادها على المضيق، لا تزال مشاريع إيران، مثل خطّ “غوره-جاسك”، دون مستوى الطموح، ولم تنجح إلّا جزئيّاً في تقليص الارتهان لبوّابة هرمز، وتعتمد إيران بصورة كبيرة على المسارات البحريّة الخليجيّة لاستيراد الحبوب والبذور الزيتيّة، وهو ما يجعل أيّ تعطيل طويل تهديداً مباشراً لسلاسل الإمداد الغذائيّ.
هرمز: السّلاح الذي انقلب على طهران
بخلاف الادّعاءات الإيرانيّة عن تحقيق أرباح استثنائيّة، فإنّ زيادة كميّات النفط المحمّلة لا تعني بالضرورة تدفّقاً ماليّاً فوريّاً. تلتهم شركات الوساطة والالتفاف على العقوبات جزءاً كبيراً من العائدات، بينما تُباع البراميل الإيرانيّة بحسومات مرتفعة، وتتراكم أجزاء من الإيرادات في حسابات مقيّدة، فتتقلّص المكاسب الفعليّة وتنكشف هشاشة الخطاب الرسميّ.
أيّ اضطراب طويل في هرمز أو باب المندب لا يهدّد الغرب وحده، بل يضع القوى الآسيويّة الكبرى
يهدّد خفض الإنتاج القسريّ بعض المكامن النفطيّة بأضرار تقنيّة قد تؤثّر في القدرة الإنتاجيّة المستقبليّة، فيما تتفاقم داخليّاً أزمة العملة والتضخّم والوقود. هكذا يتحوّل المضيق من “سلاح استراتيجيّ” طالما لوّحت به طهران إلى “كعب أخيل” اقتصاديّ يهدّد استقرارها الداخليّ.

في المقابل، فإنّ الاستراتيجيّة الأميركيّة القائمة على الحصار بدل الحسم العسكريّ، والهادفة إلى كسر الإرادة السياسيّة عبر الاقتصاد، تحمل بدورها مخاطرة بتحويل الاقتصاد العالميّ إلى ساحة مواجهة مفتوحة. إيران، غير القادرة على مجاراة التفوّق العسكريّ الأميركيّ التقليديّ، قد تعود إلى استراتيجيتها الأقدم: رفع كلفة الصراع على الجميع، عبر تهديد التجارة العالميّة، وتعطيل إمدادات الطاقة، وتفعيل الوكلاء الإقليميّين تحت معادلة “الأمن للجميع أو لا أمن للجميع”.
باب المندب الحصار المضادّ
من هنا، لا يبدو باب المندب ورقة ثانويّة، بل خيار استراتيجيّ ضمن سياسة “رفع الكلفة القصوى”. لقد هدّدت طهران مراراً بتفعيل هذه الجبهة عبر الحوثيّين، ليس بالضرورة عبر إغلاق كامل، بل عبر تحويل الممرّ إلى منطقة عالية المخاطر. في الحروب البحريّة الحديثة، لا يتطلّب شلّ التجارة إغلاق المضيق فعليّاً، بل يكفي رفع كلفة التأمين، استهداف السفن بشكل متقطّع، وإعادة تصنيف الممرّات بوصفها ساحات حرب، لتحويل التجارة إلى عبء اقتصاديّ عالميّ.
تكمن خطورة باب المندب في أنّ تعطيله الجزئيّ قد يكون أحياناً أكثر فاعليّة من إغلاقه الكامل. الهجمات الصاروخيّة أو المسيّرات المتقطّعة قد تكفي لرفع تكاليف الشحن والتأمين، وإرباك سلاسل الإمداد العالميّة، وخصوصاً أنّ نسبة مهمّة من التجارة الدوليّة تمرّ عبر البحر الأحمر. صحيح أنّ الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح ممكن، لكنّه يضيف وقتاً وكلفة هائلين، بما ينعكس على أسعار الطاقة والغذاء والتجارة الدوليّة.
تفتقر طهران إلى ممرّات بديلة فعّالة تعوّض تعطّل الحركة في هرمز. في وقت تمتلك دول الخليج شبكات أنابيب استراتيجيّة
لا تتوقّف أهمّيّة باب المندب عند النفط فقط، بل تمتدّ إلى قلب التوازنات الجيوسياسيّة العالميّة، نظراً إلى موقعه ضمن مسارات التجارة بين آسيا وأوروبا، وارتباطه بمصالح الصين والهند والولايات المتّحدة وأوروبا. أيّ اضطراب طويل في هرمز أو باب المندب لا يهدّد الغرب وحده، بل يضع القوى الآسيويّة الكبرى، وخصوصاً بكين ونيودلهي، أمام اختبار استراتيجيّ يتعلّق بأمن الطاقة وشرايين التجارة.
المفارقة أنّ دول الخليج نفسها، على الرغم من محاولتها تجنّب الانزلاق إلى المواجهة، قد تتحمّل جزءاً كبيراً من الكلفة إذا تحوّلت الممرّات والمنشآت الإقليميّة إلى ساحات ردع متبادل. هكذا يتجاوز الصراع حدود إيران وأميركا ليصبح اختباراً لقدرة المنطقة والعالم على منع عسكرة الاقتصاد العالميّ.
في حال توسّع الصراع البحريّ، قد يواجه العالم ثلاثة تحوّلات كبرى: إعادة هندسة سلاسل الإمداد بعيداً عن الهشاشة المفرطة، وتصاعد عسكرة التجارة عبر مرافقة بحريّة مكثّفة وارتفاع هائل في التأمين، وتسريع البحث عن ممرّات برّيّة وبدائل استراتيجيّة، على الرغم من محدوديّة قدرتها مقارنة بالشحن البحريّ.
إقرأ أيضاً: بطاقة حمراء مصرية للاعب الإثيوبي
من حرب إقليميّة إلى أزمة عولمة
هكذا لا تعود الحرب مواجهة عسكريّة أو حصاراً اقتصاديّاً بين واشنطن وطهران، بل تتحوّل إلى صراع على بنية العولمة نفسها. حين تصبح المضائق المائيّة أدوات ابتزاز استراتيجيّ، لا يواجه العالم أزمة شحن عابرة، بل اختبار عميق لقدرة النظام الدوليّ على حماية الطاقة والتجارة والغذاء. عندها لا يكون الشرق الأوسط ساحة نزاع إقليميّ فقط، بل نقطة ارتجاج قد تعيد رسم الجغرافيا السياسيّة والاقتصاديّة للعالم.
