تطرح المحاولة الثالثة لاغتيال الرئيس الأميركيّ أسئلة بشأن حالة اللايقين التي تعيشها الولايات المتّحدة، والعالم معها، جرّاء حالة الاستقطاب الحادّة التي وضعت البلاد في السنوات الأخيرة في حالة انفعاليّة بيتيّة تصل بها في بعض المفاصل إلى شفير الحرب الأهليّة. بدا أنّ “الذئاب المنفردة” تتجوّل داخل بيئات حاضنة ليست بعيدة عن صراعات البيت وتحوّلات هذا العالم.
قد يجوز تهكّماً أن نشعر بالملل، ونقول إنّ الأمر ليس خبراً، عند سماعنا بأنباء الهجوم على عشاء مراسلي البيت الأبيض في واشنطن. هو الاعتداء الثالث ضدّ دونالد ترامب منذ عام 2024. سبق أن تعرّض في حزيران وأيلول من ذلك العام (عام حملته الانتخابيّة) لمحاولتَي اغتيال، الأولى في بنسلفانيا والثانية في فلوريدا. نجا الرجل من “ذئاب منفردة”، وقيّد الأمر في حساب تقصير منظومة الأمن والخدمة السرّيّة.
كارهو ترامب
حين زرت واشنطن عام 2016 عشيّة الانتخابات التي أدخلته ولايته الأولى في البيت الأبيض بعد عدّة أشهر، لفتني أن ليس لترامب معارضون بل كارهون، وأنّ ذلك الحقد مبنيّ على حيثيّات عقائديّة ضدّ ذلك “الوحش الأبيض” الذي يهدّد العاصمة الليبراليّة بكنس “إثم” انتخاب أوّل رئيس أسود لولايتين. إن كان ترامب لا يزال يلعن باراك أوباما، فإنّ تلك اللعنة تبدو مبرّراً لوجود ترامب وتمدّده. ثمّ كان الرجل الذي أطلّ على السياسة والساسة في واشنطن يفعل كلّ شيء لكي يكون مكروهاً من قبل من لا يحبّون أميركا التي يريدها.
أثناء “غزوة” الكونغرس في كانون الثاني 2021، أمكن لنا استنتاج حجم الشرائح المجتمعيّة التي باتت تعتبر ترامب “إلهاً” سياسيّاً يمثّل توقها إلى استرجاع أميركا لبِيضها وانتزاعها من تلك الألوان التي تهدّد نقاءها. مشى المناصرون، وبعضهم ميليشيات مسلّحة، للسيطرة على البرلمان الذي لم يعترف لهم ولزعيمهم بأنّ انتخاب جو بايدن هو عمليّة نصب هدفت إلى “سرقة” نصر ترامب الحتميّ.
لا تعمل “الذئاب المنفردة” بنمط منعزل. هي مآلات سياق يثمر منتجاً قاتلاً حتّى لو لم يأخذ أوامر مباشرة
حين أطلّ ترامب بعد اعتداء “ذئب” واشنطن، قال إنّ “مخبولاً اعتدى على الدستور”. يؤكّد من جهة أنّ الأمر ليس بالضرورة محاولة اغتيال سياسيّ قد يكون على علاقة بالحرب على إيران، ومن جهة ثانية يقدّم الواقعة بصفتها اعتداء ضدّ رئيس الولايات المتّحدة (أيّاً كان هذا الرئيس)، ومن جهة ثالثة بصفتها هجوماً على الدولة بالنظر لوجود رجالاتها الكبار معاً، وكان يمكن للكارثة أن تطيح بهم جميعاً. في قلب الرسالة خطاب إلى أميركا: القاتل استهدفكم جميعاً أيّها الأميركيّون.
ترامب الحدث الدولي الأول..
يشرح الدستوريّون أنّه في حال غياب الرئيس ينوب عنه وفق الدستور نائبه، وإن غاب الأخير يقود البلاد رئيس مجلس النوّاب. كانوا جميعاً في ذلك الحفل. صحيح أنّ الأمر كان سيؤدّي إلى كارثة، لكن على الرغم من هوليوديّة الحدث كان سيكون من المستحيل على ذلك “المخبول” المدجّج بالسلاح أن يجتاز خطوط الأمن المتراصّة ليصل إلى مبتغاه، فكان أن سقط عند الخطّ الأوّل. جرى الأمر في حضور مراسلي إعلام العالم أجمع، فبات الجاني نجماً تردّدت قصّته بكلّ اللغات، فيما احتلّ ترامب الحدث الدوليّ الأوّل… كالمعتاد.

يعترف ترامب أنّ منصب الرئاسة مهنة ذات مخاطرة عالية. هو نفسه تعرّض لـ3 محاولات ولا شيء يستبعد محاولات لاحقة. ينهل الوصف من تاريخ الولايات المتّحدة التي اغتالت “الذئاب” أربعةً من رؤسائها، كان أوّلهم أبراهام لينكولن عام 1865 وآخرهم جون كينيدي عام 1963. لكنّ محاولات الاغتيال تكاد تكون طالت الجميع: أندرو جاكسون، ثيودور روزفلت، فرانكلين روزفلت، هاري ترومان، جيرالد فورد، رونالد ريغان.. ودونالد ترامب.
يعترف ترامب أنّ منصب الرئاسة مهنة ذات مخاطرة عالية. هو نفسه تعرّض لـ3 محاولات ولا شيء يستبعد محاولات لاحقة
لا تعمل “الذئاب المنفردة” بنمط منعزل. هي مآلات سياق يثمر منتجاً قاتلاً حتّى لو لم يأخذ أوامر مباشرة. حتّى الآن لا تعرف الولايات المتّحدة من قتل كينيدي، لكنّها تعرف أنّ القاتل ليس إلّا هامشاً لمتن أوساط قاتلة. تروي التجارب كيفيّة صناعة انتحاريّ مدافع عن قضيّة، وكيف يتمّ اختياره وفق تركيبة شخص تختلط فيه الطباع بالتجربة، بالعقد والحالة النفسيّة. تروي التحقيقات الإسرائيليّة أنّ ذئباً “يهوديّاً” منفرداً قتل إسحق رابين عام 1995. تروي أيضاً أنّ الحملات اليمينيّة المكثّفة ضدّ رابين “الذي خان اليهود” وأبرم اتّفاقاً مع “المخرّبين” عملت بدأب مدروس على صناعة قاتله. يكفي تأمّل رسالة “ذئب” واشنطن (الذي وُصف بالذكيّ جدّاً) لتبرير فعلته بأنّها ملخّص مكثّف لكلّ الموبقات التي اتُّهم بها ترامب في الأشهر الأخيرة.
تقول مراسلة عربيّة حضرت حفل واشنطن إنّها لم تشعر بهول الحدث عند وقوعه، لكنّها أحسّت بهول الأمر في اليوم التالي، مستدركة على المستوى الشخصيّ كم أنّ صدفة تقرّب المرء من موت داخل مكان سهر ومتعة… وأمان. لكنّ تأمّلاً آخر يعيد تذكيرنا بأنّ صدفاً و”حوادث” غيّرت أمماً ومسارات العالم، وأنّ قيام “ذئب” صربيّ باغتيال وريث عرش الإمبراطوريّة النمساويّة-المجريّة الأرشيدوق فرانز فرديناند وزوجته عام 1914، أطلق الشرارة الأولى للحرب العالميّة الأولى.
لو نجحت المحاولة…
لو نجح “ذئب” واشنطن في إنجاز مسعاه، لدخلت الولايات المتّحدة في متاهة قيادة كتلك المتاهة التي يعيّر بها ترامب إيران هذه الأيّام، ولدخلت حرب أوكرانيا وإيران وغزّة ولبنان وملفّات العالم الساخنة إلى مجهول قد يُستحسن أو يُستهجن أو يُستفظع، لكنّه يهبط كالقدر من خارج حسابات عالم لا يحبّ المفاجآت.
حين أطلّ ترامب بعد اعتداء “ذئب” واشنطن، قال إنّ “مخبولاً اعتدى على الدستور”
الأرجح أن لا يجد المحقّقون رابطاً يجمع الجاني مع إيران. لكنّ الرئيس الذي أثار العالم بقضايا بنيويّة جذريّة تمسّ موقع الولايات المتّحدة في العالم، وتتلاعب بخطوط الاصطفافات، وتهزّ أركان أوروبا ومستقبل الشرق الأوسط، وتفتك بالدولة العميقة في واشنطن، يستدرج ويستفزّ كثيراً من الذئاب للظهور.
يوفّر إعلام العصر، لا سيما الاجتماعيّ، الموادّ والأدلّة والخطاب الذي يُغضب “مخبولاً”، ولذا انتقال الغضب من مستوى انفعاليّ إلى مستوى الانتقام أو الخلاص سهل الإنجاز في بلد يسهل فيه على أيّ فرد حيازة سلاح بصفته حقّاً يدافع عنه ترامب ويرعاه.
إقرأ أيضاً: من ريغان لترامب… فندق واحد للاغتيال
يتيح الدستور الأميركيّ إقامة ميليشيات مسلّحة. فما بالك بذئب غاضب، قد لا يكون منفرداً، وإن زعمت التحقيقات ذلك؟!
لمتابعة الكاتب على X:
