التّفاوض مع إسرائيل… اختبار لعودة الدّولة

مدة القراءة 6 د

شكّلت جلسة المفاوضات الأولى التي عقدت بين لبنان وإسرائيل اختباراً مهمّاً للسلطة. يُعدّ هذا الاختبار من أصعب المراحل في استعادة الدولة لقرارها، وتسلّم زمام المبادرة، واستعادة ثقتها بنفسها. تتمثّل فرادة هذا الإجراء، للمرّة الأولى في التاريخ السياسيّ المعاصر، في كونه إجراءً دستوريّاً بقدر ما هو بحدّ ذاته عمليّة تفاوضيّة. لقد دخل لبنان بوصفه دولة قائمة على الرغم من كلّ الأزمات والتحدّيات، من خلال الاتّصال المباشر مع الكيان الإسرائيليّ، مرحلة مخاض جديدة تتجاوز التفاوض.

 

تبرز في هذه المرحلة متغيّرات عدّة، أوّلها بداية تلاشي القوى “الظلاميّة” اللبنانيّة التي ربطت لبنان بالأزمات والمسارات الإقليميّة، وثانيها تشكُّل مفهوم القرار داخل الدولة، وذلك بغضّ النظر عن احتمالات الفشل أو النجاح، وعن مكامن القوّة والضعف. هل تنجح السلطة في هذا الاختبار وفي فصل المسارات؟

تفكّك القوى العميقة

تتكوّن في لبنان سلطة مختلفة، ولو ببطء هذه المرّة، وهي الأقرب إلى مفهوم الوطنيّة اللبنانيّة. إلّا أنّها تواجه بشراسة جذور هياكل متناقضة وشبكيّة، قائمة على مصالح متداخلة، اعتادت إدارة البلاد بمنطق غير دستوريّ، فبات لبنان ملفّاً تابعاً ومستباح السيادة.

تسعى السلطة اللبنانيّة، من خلال حكومتها الحاليّة، إلى محاربة هذا الواقع وتغييره. تجتهد في إعادة تلميع صورة الجمهوريّة، واستعادة الثقة المجتمعيّة محليّاً ودوليّاً. تتمسّك بقوّة الشرعيّة الوطنيّة والدستوريّة، على الرغم من ضعف مقوّمات الإجماع الوطنيّ. تضع نفسها في مواجهة مباشرة مع القوى غير الشرعيّة، وتتصدّى لأساليبها الفوضويّة وقدراتها التخريبيّة.

في المقابل، تنتقل الدولة إلى منهجيّة مؤسّساتيّة جديدة، بالتوازي مع تطوّرات الحرب الإيرانيّة ومخاطرها المتصاعدة، لا سيما في ظلّ صراع أوسع على إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق مفاهيم متناقضة وأهداف متباعدة تمتدّ من الولايات المتّحدة إلى إسرائيل وإيران، وصولاً إلى روسيا والصين والعالم العربيّ.

يُحدّد رئيس الجمهوريّة والحكومة آليّات التفاوض وشكله، سواء أكان مباشراً أم غير مباشر

في هذا السياق، تحاول الحكومة اللبنانيّة وضع حدّ لاستمراريّة الاعتداءات على لبنان، حتّى في ظلّ إطالة أمد الحرب وتجدّدها، والعمل على تجنيب البلاد مخاطر الانزلاق إلى المجهول، من خلال السعي إلى وقف إطلاق النار.

المفاوضات حقّ دستوريّ لصيق بالدّولة

تتشبّث الدولة بحقّها الدستوريّ في التفاوض، باعتباره عودة إلى المنطق القانونيّ الذي جرى اختطافه، عبر استعادة ثلاثيّة احتكار السيادة والسلطة والأمن. تُعدّ العودة إلى المنطق المؤسّساتيّ الوطنيّ خطوة أساسيّة لفهم طبيعة المفاوضات، بعيداً من الاعتبارات السياسيّة الظرفيّة والمغلوطة.

تهدف المفاوضات بين الدول والكيانات إلى الوصول إلى اتّفاق مكتوب وملزِم دوليّاً، سواء أُطلق عليه اسم معاهدة أو اتّفاقيّة، إذ تخضع كلتاهما لقواعد اتّفاقيّة فيينا لقانون المعاهدات الدوليّة. يتطلّب ذلك دخول الدولة في عمليّة رسميّة دقيقة ومنظّمة.

تمتلك الدولة وحدها صلاحيّة إدارة علاقاتها الخارجيّة، وأحقيّة التواصل مع أيّ طرف أو شخصيّة دوليّة، سواء كانت معترفاً بها أم لا. وهي ولاية إنشائيّة وإقراريّة حصريّة للدولة ينصّ عليها الدستور اللبنانيّ، ولا يجوز لأيّ فرد أو جهة خارج إطار السلطة الرسميّة ممارستها. يُعدّ أيّ تجاوز لذلك مخالفة قانونيّة قد ترقى إلى مستوى الخيانة.

الدّولة تحدّد علاقاتها

لا يمنع الدستور اللبنانيّ الدولة من التفاوض مع العدوّ، إذ يخلو من أيّ نصّ صريح يحظر ذلك. بل إنّ التفاوض، في جوهره، يتمّ مع الخصوم والأعداء، وهو من صميم صلاحيّات الدولة. لا يتعارض هذا مع قوانين مقاطعة إسرائيل، التي تُجرّم الأفراد والجهات الاعتباريّة في حال قيامها باتّصالات أحاديّة لأهداف غير رسميّة، إذ تُعدّ تواصلاً غير مشروع يهدّد الأمن القوميّ ويخرج عن إطار المصلحة الوطنيّة العليا.

تحتفظ الدولة بحقّ تحديد طبيعة علاقاتها وأنماط تواصلها، ضمن الواقعيّة السياسيّة والدستوريّة، مع أيّ طرف دوليّ، سواء اعترفت به أم لا. لقد منح الدستور اللبنانيّ الدولة صلاحيّة التفاوض، انطلاقاً من احتكارها لقرار الحرب والسلم والهدنة. تمارس هذا الحقّ عبر مؤسّساتها الدستوريّة كلّما رأت ذلك مناسباً.

لا يمنع الدستور اللبنانيّ الدولة من التفاوض مع العدوّ، إذ يخلو من أيّ نصّ صريح يحظر ذلك

في هذا الإطار، أناط الدستور بالحكومة، وفقاً للمادّة 65، صلاحيّة إدارة السياسة العامّة، بما في ذلك العلاقات الخارجيّة، بدءاً من إعلان الحرب وقطع العلاقات، وصولاً إلى التفاوض وإدارة الحياة الدبلوماسيّة.

من يحدّد الآليّة؟

يخوّل الدستور اللبناني، بموجب المادّة 52، رئيس الجمهوريّة التفاوض وعقد المعاهدات والاتّفاقات الدوليّة باسم الدولة، بالتعاون مع رئيس الحكومة وموافقة مجلس الوزراء، على أن تُعرض بعض هذه الاتّفاقات على مجلس النوّاب لإقرارها بقانون بعد التوصّل إليها، وليس قبل ذلك. بالتالي، يكون القانون لاحقاً للاتّفاق وليس سابقاً له.

يُحدّد رئيس الجمهوريّة والحكومة آليّات التفاوض وشكله، سواء أكان مباشراً أم غير مباشر. لا تخضع الجهة المكلّفة بالتفاوض لأيّ مساءلة، باعتبارها تعمل ضمن إطار الأعمال السياديّة المحصّنة دستوريّاً.

يتكامل ذلك مع ما ورد في وثيقة الوفاق الوطنيّ، لا سيما في البند المتعلّق بتحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيليّ، حيث أكّدت حقّ الدولة في اتّخاذ جميع الإجراءات واستخدام كلّ الوسائل الشرعيّة والمؤسّساتيّة لتحقيق هذا الهدف، سواء عبر التفاوض أو الوساطة أو المواجهة أو ترسيم الحدود، ضمن صلاحيّة الحرب والسلم الحصريّة للدولة.

بدأت ملامح نهاية مؤسّسات الظلّ في لبنان بالظهور، مع تراجع ربط البلاد بأجندات الأزمات الإقليميّة. تجد السلطة اللبنانيّة نفسها اليوم، للمرّة الأولى، أمام اختبار حقيقيّ لفصل الجمهوريّة عن مسارات إقليميّة غير مجدية، والسعي إلى تحويل لبنان إلى ورقة مستقلّة، على الرغم من هشاشته والتحدّيات التي تواجهه.

إقرأ أيضاً: تفاوض أو لا تفاوض… النتيجة واحدة!

إنّ هذا المسار لا يقتصر على كونه خياراً سياسيّاً، بل هو مسار دستوريّ عميق يتجاوز المفاوضات والحروب معاً، ويؤسّس لمرحلة جديدة من بناء الدولة وتحقيق الاستقرار.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ElMehiedine

مواضيع ذات صلة

في طلب تدخّل عربيّ عاجل

لم يكن مفاجئاً أن يتّخذ “الحزب” موقفاً معادياً للاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ. سبق موقف أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم موقف صادر عن إسماعيل قاآني قائد فيلق…

بيروت الكبرى منزوعة السّلاح.. اليوم وليس غداً

ما حصل في عائشة بكّار وسط العاصمة بيروت مساء الخميس الفائت لا يمكن النظر إليه على أنّه حادث فرديّ أو إشكال عابر يمكن لعاصمة أو…

مرجع لبنانيّ لـ”أساس”: ترامب وروبيو متفهّمان لموقفنا

البيان الصادر عن الولايات المتّحدة ولبنان وإسرائيل بعد جولة التفاوض الأخيرة في واشنطن يربط تنفيذ الاتّفاق على وقف النار بـ”إخلاء جميع عناصر “الحزب” من جنوب…

“الصلابة” الكويتية تهدم “الغدر” الإيراني

أثبتت الاعتداءات الإيرانية الممنهجة والمتكررة على الكويت والعديد من دول الخليج، وجود مخطط ممنهج لدى “الحرس الثوري”، بخلاف الرواية المستهلكة عن الرد على هجمات أميركية…