هل يكسر “اتّزان” نبيل فهمي صخب الإقليم؟

مدة القراءة 8 د

لا يُحسد الدكتور نبيل فهمي على المهمّة الثقيلة التي أُلقيت على كاهله أميناً عامّاً جديداً لجامعة الدول العربيّة. يتولّى الدبلوماسيّ المخضرم، صاحب الوجه السمح والطبع الهادئ والمتّزن، المنصب في لحظة مفصليّة في تاريخ المنطقة، قد تكون الأصعب على العالم العربيّ الذي يعيش انقساماً وضعفاً وتحدّيات غير مسبوقة. إذ تتنازعه الاعتداءات الخارجيّة من مختلف الجهات، من دون قدرة على مواجهة فعّالة لما يتلقّى، ومن دون امتلاك مشروع مبادِر للخروج من هذه الحالة البائسة.

 

تعصف الأسئلة الصعبة بدول الجامعة التي تجد نفسها بين نارين: نار العدوان الإسرائيليّ الذي يستبيح أرض فلسطين بعدما دمّر غزّة، ويمضي في المشروع الاستيطانيّ في الضفّة الغربيّة، ويعتدي على الأراضي اللبنانيّة، ويُبقي سوريا في حال انقسام، ولا يخفي تطلّعاته إلى قيام “إسرائيل الكبرى”، ونار المشروع الإيرانيّ الذي لا يتوانى عن تثبيت نفوذه الإقليميّ، ولا يتورّع عن المسّ بأمن دول الخليج واستقرارها، في حين أنّ القواعد الأميركيّة في المنطقة لم توفّر الحماية المرجوّة، لا من جهة إيران ولا من جهة إسرائيل.

بات جليّاً أيضاً أنّ الاتّفاقات الإبراهيميّة بين إسرائيل وعدد من الدول العربيّة لم تؤدِّ إلى تليين الموقف الإسرائيليّ، ولا إلى تحقيق سلام إقليميّ حقيقيّ يعالج جوهر القضيّة الفلسطينيّة، ولم توفّر مظلّة حماية من الاعتداءات أو توازناً في موازين القوى.

لم تعد الجامعة جامعةً، فالبيت العربيّ صار منازل كثيرة، وبات بحاجة إلى مقاربة جديدة تُعنى بنهضة سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة شاملة، لكنّها لا تقوم على ردود الفعل أو الاكتفاء بالدفاع، بل تنطلق من مشروع إيجابيّ ينقل المنطقة إلى الأمام، ويتفاعل مع التحوّلات السياسيّة والتكنولوجيّة والمعرفيّة في العالم. إنّ بناء عالم عربيّ أكثر منعة على هذه المستويات كفيل بأن يحوّل المنطقة إلى قوّة دفع إيجابيّة لا تكتفي بمواجهة الضغوط الخارجيّة، بل تبني أيضاً علاقة أكثر توازناً وندّيّة مع العالم.

لم تعد الجامعة جامعةً، فالبيت العربيّ صار منازل كثيرة، وبات بحاجة إلى مقاربة جديدة تُعنى بنهضة سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة شاملة

مهمّة تتجاوز الأفراد

هل ينجح نبيل فهمي في التصدّي لهذه التحدّيات الصعبة؟ الجواب أنّ هذه المهمّة تتجاوز قدرات أيّ رجل، مهما بلغت خبرته أو مكانته. إنّها قضيّة إرادات تاريخيّة وخيارات سياسيّة واستراتيجيّة كبرى لا تقدر عليها إلّا شعوب وحكومات وأنظمة قرّرت الخروج من حال التردّد إلى الفعل، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.

مع ذلك، يملك فهمي من المقوّمات ما يجعله قادراً على الاضطلاع بدور حلقة وصل لما انقطع من تواصل عربيّ–عربيّ، مع إدراك عميق لطبيعة الأزمة ومخاطرها، والقدرة على مخاطبة الغرب، وفهم طبيعة المحاور في الإقليم وحجم التدخّلات والطموحات المتنافسة فيه. هدوؤه المميّز ودبلوماسيته يخفيان وعياً عميقاً للحقوق العربيّة، وفي مقدَّمها الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينيّ غير القابلة للتصرّف، ولأهميّة بلورة موقف عربيّ أكثر تماسكاً إزاء السياسة الإسرائيليّة العدوانيّة والمخاطر الإقليميّة الأخرى.

إنّه دبلوماسيّ بالمولد، فوالده إسماعيل فهمي تخلّى عن منصبه وزيراً للخارجيّة في عهد الرئيس أنور السادات عندما استقال احتجاجاً على مسار المفاوضات مع إسرائيل في كامب ديفيد، في لحظة كشفت حدود التوازن بين الواقعيّة السياسيّة والكرامة الوطنيّة. تلك سابقة تضفي على مسيرة الابن بعداً خاصّاً في زمن تتعاظم فيه الغطرسة الإسرائيليّة، ويزداد فيه اختلال موازين القوى.

شكّلت نشأته في عائلة دبلوماسيّة عريقة وعيه المبكر لدهاليز العمل الدبلوماسيّ وصناعة القرار، ومنحه عمله سفيراً لمصر لدى واشنطن (1999 – 2008)، وهي مرحلة أعقبت أحداث 11 أيلول وما رافقها من إعادة تشكيل للأولويّات الدوليّة، خبرة استثنائيّة في إدارة العلاقات الدوليّة المعقّدة، وفهماً دقيقاً لآليّات التأثير في دوائر القرار الغربيّ.

لن تستعيد جامعة الدول العربيّة دورها بتغيير اسم أو شخصيّة وحسب، بل عبر تحوّل عميق في طريقة تعريف المصالح العربيّة المشتركة، وفي الاستعداد للدفاع عنها

بين الدّبلوماسيّة والفكر الاستراتيجيّ

تعمّقت خبرته العمليّة ببعد أكاديميّ وبحثيّ عندما أسّس وتولّى عمادة كليّة الشؤون الدوليّة في الجامعة الأميركيّة في القاهرة بين عامَي 2009 و2013. منح هذا المزج بين الخبرة العمليّة والتنظير الأكاديميّ رؤيته بعداً تحليليّاً واضحاً، وحضوراً فاعلاً في النقاشات المتعلّقة بتحوّلات النظام الدوليّ وإصلاح المنظومة العربيّة.

أمّا المنصب الأكثر حساسيّة فكان تولّيه في تمّوز 2013 حقيبة الخارجيّة المصريّة في توقيت بالغ الدقّة، حيث عمل خلال حكومتين متعاقبتين على إعادة رسم أولويّات السياسة الخارجيّة المصريّة، وتعزيز توازن علاقاتها الدوليّة بعد التحوّلات السياسيّة الكبرى. لقد صاغ خلال تلك المرحلة مقاربة “إعادة التوجيه”، انطلاقاً من قناعته بأنّ قوّة الدولة تقاس بتعدّد خياراتها، ففتح آفاقاً أوسع في علاقات مصر الدوليّة والإقليميّة، مكرّساً مبدأ “الندّيّة الاستراتيجيّة” بوصفه ضرورة في عالم متحوّل.

شدّد فهمي مراراً على أنّ العلاقات الدوليّة لا تُدار بمنطق التحالفات المطلقة، بل وفق المصالح المتبادلة، حيث لا يوجد اتّفاق دائم أو خلاف دائم، مع إعطاء الأولويّة للمصالح الوطنيّة، من دون الانجرار وراء الضغوط الخارجيّة أو الاصطفافات الجامدة.

أمّا العمل العربيّ المشترك فلم يكن غائباً عن رؤيته، إذ يدرك أنّ المنظومة العربيّة تواجه تحدّيات غير مسبوقة وانتهاكات صارخة للقانون الدوليّ من أطراف معتدية على دول المنطقة وسلامتها، وأخرى طال احتلالها لأراضٍ عربيّة وتعرقل تمكين أصحابها من حقوقهم المشروعة، علاوة على مشاريع هيمنة تستهدف أمن واستقرار العالم العربيّ، وفق ما أشار إليه بعد إعلان ترشيحه.

غير أنّ ترجمة هذه الرؤية إلى واقع تتطلّب ما هو أبعد من البيانات السياسيّة، وتستدعي إرادة حقيقيّة لبناء منظومة دفاع عربيّ مشترك، قادرة على حماية المصالح العربيّة وصوغ توازن إقليميّ أكثر استقراراً.

ما يحتاج إليه العرب اليوم ليس أميناً عامّاً جديداً فحسب، بل إرادة جديدة تدخلهم العصر، قبل أن يكتب الآخرون مستقبل المنطقة نيابةً عنهم

لحظة قرار تاريخيّ

التقيته في مقرّ وزارة الخارجيّة المصريّة المطلّ على النيل في قلب القاهرة بعد عودته من واشنطن. إنّه أنيق، رصين، صاحب أسلوب يمزج بين الواقعيّة السياسيّة والصراحة الحذرة والخطاب المتّزن والعمل المؤسّسيّ الهادئ، بعيداً عن لغة التصعيد. هو أقرب إلى نموذج “المدرسة الكلاسيكيّة” في الدبلوماسيّة التي تراهن على التحليل الرصين، وتؤمن بأنّ إدارة التعقيدات تتطلّب صبراً وتراكماً لا اندفاعاً إعلاميّاً.

على عكس معظم الأمناء العامّين السابقين، من ذوي الخلفيّات القانونيّة أو الاقتصاديّة أو العسكريّة، يتميّز فهمي بخلفيّة علميّة، إذ حصل على بكالوريوس علوم في الفيزياء والرياضيّات عام 1974، ثمّ درجة ماجستير في الإدارة من الجامعة الأميركيّة في القاهرة عام 1976. ربّما هذه الخلفيّة العلميّة تختصر ما يحتاج إليه العرب اليوم: التفكير المنهجيّ، الانضباط المؤسّسيّ، والقدرة على قراءة التحوّلات بلغة المصالح لا الشعارات.

غير أنّ المشكلة لا تكمن في كفاءة الأمين العامّ بقدر ما تكمن في غياب القرار العربيّ الجامع. لن تستعيد جامعة الدول العربيّة دورها بتغيير اسم أو شخصيّة وحسب، بل عبر تحوّل عميق في طريقة تعريف المصالح العربيّة المشتركة، وفي الاستعداد للدفاع عنها.

لم تعد المنطقة تحتمل إدارة الضعف أو التكيّف معه. يدخل الشرق الأوسط مرحلة إعادة تشكيل كبرى، تتراجع فيها الضمانات القديمة، وتُعاد صياغة موازين القوى على أسس جديدة، فيما تتقدّم مشاريع إقليميّة غير عربيّة أكثر تماسكاً ووضوحاً في أهدافها.

إقرأ أيضاً: لبنان في إسلام آباد: تحييد بيروت.. والضّاحية؟

إمّا أن يقرّر العرب الانتقال من موقع ردّ الفعل إلى موقع الفعل، ومن منطق التكيّف مع الضغوط إلى القدرة على إنتاج التوازن، وإمّا أن يتحوّلوا تدريجاً إلى ساحة مفتوحة لتصفية صراعات الآخرين.

قد ينجح نبيل فهمي في إعادة فتح قنوات حوار وترميم حدّ أدنى من التفاهم العربيّ، لكنّ إنقاذ النظام العربيّ نفسه يبقى مهمّة أكبر من أيّ دبلوماسيّ. إنّها مسؤوليّة تاريخيّة تتطلّب شجاعة سياسيّة، واستثماراً في القوّة الشاملة اقتصاداً، علماً، تكنولوجيا، وأمناً مشتركاً.

في لحظات التحوّلات الكبرى، لا تكفي الدبلوماسيّة وحدها. ما يحتاج إليه العرب اليوم ليس أميناً عامّاً جديداً فحسب، بل إرادة جديدة تدخلهم العصر، قبل أن يكتب الآخرون مستقبل المنطقة نيابةً عنهم.

مواضيع ذات صلة

في طلب تدخّل عربيّ عاجل

لم يكن مفاجئاً أن يتّخذ “الحزب” موقفاً معادياً للاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ. سبق موقف أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم موقف صادر عن إسماعيل قاآني قائد فيلق…

بيروت الكبرى منزوعة السّلاح.. اليوم وليس غداً

ما حصل في عائشة بكّار وسط العاصمة بيروت مساء الخميس الفائت لا يمكن النظر إليه على أنّه حادث فرديّ أو إشكال عابر يمكن لعاصمة أو…

مرجع لبنانيّ لـ”أساس”: ترامب وروبيو متفهّمان لموقفنا

البيان الصادر عن الولايات المتّحدة ولبنان وإسرائيل بعد جولة التفاوض الأخيرة في واشنطن يربط تنفيذ الاتّفاق على وقف النار بـ”إخلاء جميع عناصر “الحزب” من جنوب…

“الصلابة” الكويتية تهدم “الغدر” الإيراني

أثبتت الاعتداءات الإيرانية الممنهجة والمتكررة على الكويت والعديد من دول الخليج، وجود مخطط ممنهج لدى “الحرس الثوري”، بخلاف الرواية المستهلكة عن الرد على هجمات أميركية…