أزمة سفير طهران.. سقوط “اليوم المجيد”

مدة القراءة 4 د

تكشف أزمة “طرد” السفير الإيرانيّ في لبنان محمّد رضا شيباني جانباً من أزمة القرار داخل الدولة اللبنانيّة. تتحرّك ديناميّة الوعود باستعادة تلك الدولة، وفق خطاب القسم للرئيس جوزف عون والبيان الوزاريّ لحكومة الرئيس نوّاف سلام، داخل فضاء حائر اتّخذت الحكومة فيه قرارات وفقدان الإجماع. وفيما توصف بعض قرارات الحكومة بالتاريخيّة، لجهة تحرّيها السيادة والاستقلال والقبض على قرار الحرب والسلم، فإنّها، وإن حظيت بإشادة داخليّة وخارجيّة وترحيب بها، تنقصها إرادة وأدوات الجزم والتنفيذ.

 

تواجه الحكومة و”العهد” استعصاءً بنيويّاً من قبل الشيعيّة السياسيّة على الرغم من المرونة التي يبديها برّي، والبحث من ورائها عن “مسافة” قد تكون متخيّلة من نزوات “الحزب” (ومنها حملة “الإسناد” الجديد لإيران)، يتمسّك “الأستاذ” في “الشدائد” بأبجديّات التحالف مع “الحزب”، ويلعب بجدارة دوره بصفته “الأخ الأكبر” الذي ارتضاه “الحزب” مرجعاً ومقرّراً للخيارات الكبرى.

أزمة مع الشّيعة؟

تستطيع الحكومة مجتمعة أن تتصارع وتتآلف وتتناقض في إدارة كلّ ملفّات الإنماء والخدمات والصحّة وشؤون النازحين… إلخ، لكنّها ليست كذلك، بل متصدّعة ومنقسمة، ومرشّحة لأزمة وجود، في كلّ مرّة تُسرّب فيها توجّهات تتعلّق بالمسّ بما كان من قواعد العمليّة السياسيّة التي مورست منذ اتّفاق الطائف. بدا أنّ “الدويلة” تكافح الدولة وترفض الخضوع لها، وأنّ مسألة “حصريّة السلاح”، المرفوضة عرْضاً من “الحزب”، مرفوضة “طولاً” من “الحركة”، ما دام “السلاح زينة” الشيعة ولا شيعة من دون سلاح.

لا استنتاج أنّ المواجهة غير المتكافئة مع إسرائيل ومغامرات “الإسناد” هي خريطة طريق الهزيمة، بل إنّ دولاتيّة السلاح وحصريّته تؤسّسان لهزيمة الحزب، ولا تسبّبان هزيمة لبقيّة الأحزاب اللبنانيّة. حين تُطرح أسئلة بشأن موقف الرئيس برّي من أزمة سفير طهران وابتعاده من قرار دولة هو شريك في قرارها، تتطوّع الألسن للإفتاء بأنّ “الأستاذ” لا يريد خسارة شعبيّة داخل الطائفة.

تحوّلت أزمة السفير الإيرانيّ من أزمة روتينيّة في علاقات الدول إلى أزمة مع شيعة البلد

تحوّلت أزمة السفير الإيرانيّ من أزمة روتينيّة في علاقات الدول إلى أزمة مع شيعة البلد. بدا أنّ معالجة “الملفّ” من خلال الأصول الدبلوماسيّة بين طهران وبيروت أقلّ تعقيداً من “استعصاء” بات يصدر تعليمات لسفير دولة أجنبيّة بعدم الامتثال لطلب وزارة الخارجيّة، ويحرّضه على التمرّد و”المقاومة”. بدا موقف “الثنائيّ” الغاضب والمستنكر مناسبة سانحة لإبلاغ لبنان واللبنانيّين أنّ الولاء هو لإيران، ومناسبة للإمعان في تأصيل علاقة وجوديّة مع جمهوريّة الوليّ الفقيه تفرض التحوّلات الدوليّة الراهنة أن تجعلها متقادمة تنتمي لزمن آخر.

من الفتك إلى العتب؟

غير أنّ المناسبة، على ما تضخّه من دراماتيكيّة تُضاف إلى كارثة الحرب التي يُزعم أنّها لم تبدأ في لبنان، تفضح، للمفارقة، الدرك الذي وصل إليه “الحزب”، متدثّراً برعاية “الأخ الأكبر”، متخفّياً وراء ظلاله. لا تشبه المواقف تلك التي لجأ إليها “الحزب” حين جرؤ بضع عشرات على التظاهر أمام سفارة “الإمبراطوريّة” في حزيران 2013، فسيّر نحوهم “سلاحاً” قتل واحداً منهم. ولا تشبه ما حدث حين جرؤت حكومة فؤاد السنيورة في 5 أيّار 2008 على اتّخاذ قرارات تمسّ شبكة اتّصالات “الحزب” وإجراء تشكيل إداريّ في مطار العاصمة، فسيّر “السلاح” بعد يومين لارتكاب “اليوم المجيد”.

تكشف أزمة “طرد” السفير الإيرانيّ في لبنان محمّد رضا شيباني جانباً من أزمة القرار داخل الدولة اللبنانيّة

لم يملك “الحزب” هذه الأيّام إلّا إخراج مواقف “مؤدّبة” على شكل تصريحات وبيانات تنتقد “فظاعة” الموقف من السفير “المدّعى عليه”، واعتباره “خطأً وخطِراً” تشوبه “عيوب وإشكالات قانونيّة” وجبت العودة عنه. على الرغم من التهديد بالدفع بالمسيرات السيّارة في العاصمة، غاب ذلك “السلاح” عن عاداته وطقوسه ومآثره، وغلبت حكمة مصطنعة على سلوك لا يشبه شيم “الحزب” وتقاليده. اكتفى “الثنائيّ” بخفض تصعيد منظّم، هندسته بلا شكّ خبرة الرئيس برّي في علوم مخارج السياسة. لم يحضر الوزراء، وآثروا الحرد من دون صخب، باعثين بذلك رسائل تبرّم وعتب. غاب وزراء “الثنائيّ” الأربعة، لكنّ الشيعة لم يغيبوا فحضر الوزير الخامس.

إقرأ أيضاً: إيران أعجز من أن تنتهج “نموذج فنزويلّا”

تغيّر الزمن. لا تملك الدولة مخالب “احتكار العنف”، لكنّها مع ذلك باتت مشروعاً يُهاب ويُحسب له حساب، ويشي مشهد المنطقة بأنّ موازين القوى مائلة حتماً لمصلحتها. لا يملك “الحزب”، في ظلّ ظروفه القاهرة، إلّا امتهان العتب المنضبط والتلويح بخيارات ركيكة، بانتظار استعادة ظروف مستحيلة، يعوّل عليها رافعة لاستعادة أيّام مجيدة باتت ماضياً لا غد له.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mohamadkawas

مواضيع ذات صلة

“عقل” لا يهمّه مصير المواطن الجنوبيّ

سواء دخلت المعادلة الجديدة المتمثّلة في وقف قصف “الحزب” لشماليّ إسرائيل حيّز التنفيذ، في مقابل امتناع الدولة العبريّة عن مهاجمة الضاحية الجنوبيّة، أم لم يحصل…

رفع سوريا من قائمة الإرهاب: هل يفعلها ترامب؟

أعاد الاتّصال الهاتفيّ الأخير بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع ونظيره الأميركيّ دونالد ترامب ملفّ العقوبات إلى الواجهة، بعدما طلب الشرع إزالة ما بقي من القيود…

من دمشق إلى بغداد: ما المهمّة الإقليميّة الجديدة لتوم بارّاك؟

ما بدا في البداية أنّه تعديل إداريّ على مهمّة توم بارّاك الدبلوماسيّة، تحوّل سريعاً إلى مؤشّر إلى إعادة ترتيب أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع…

1982 لا راية بيضاء فوق قلعة الشقيف

في حزيران عام 1982 سأل رئيس الوزراء الإسرائيليّ مناحيم بيغن أحد الجنود الإسرائيليّين في قلعة الشقيف، أمام عدسات التلفاز: “هل كانت لديهم بنادق؟”، فأجاب الجنديّ:…