يصعب في حضرة تطويب البطريرك إلياس الحويّك فصل القداسة عن التاريخ، أو عزل السيرة الروحيّة للرجل عن سيرة ومآلات الدولة التي ولدت من إرادته ومفاوضاته ومخاوف عصره.
عاش الحويّك (1843–1931) في قلب السياسة والدبلوماسيّة والصراع على الحدود، ومعنى الجماعة، ما بعد انهيار العالم القديم في خواتيم الحرب العالميّة الأولى. وهو البطريرك المارونيّ الذي قاد في مؤتمر الصلح بباريس عام 1919 المطالبة بإنشاء لبنان الكبير ضمن حدوده التاريخيّة والاقتصاديّة الراهنة. وإذ يَرفَعه الفاتيكان اليوم إلى مرتبة الطوباويّين، فإنّ الحدث يتجاوز ما يتعلّق بماضيه وحده، ليصير دعوةً مفتوحة للتأمّل في لبنان ومحاكمة تجربته.
ثمّة بلاغة نادرة في المعجزة التي اعتمدها الفاتيكان لتطويبه. بطريرك مارونيّ يظهر عام 1965، في حلم ضابط درزيّ في الجيش اللبنانيّ، فيشفى الرجل من مرض مزمن أصاب عموده الفقريّ، شفاءً كاملاً اعتُبر غير قابل للتفسير طبّيّاً. ثالوث البطريرك، والدرزيّ، والجيش، عناصر تكاد تختصر الوطن الذي أراده الحويّك. الكنيسة المؤسّسة التي قادت جهود استيلاد لبنان الكبير. الدرزيّ الذي يكنّي عن التعدّد اللبنانيّ الأوسع من الجماعة التي صنعت مع الموارنة تاريخ جبل لبنان بصداماته وتسوياته. والجيش بوصفه خلاصة مؤسّسات الدولة التي أريد لها أن تذيب استنفارات الطوائف وهي تعترف بخصوصيّاتها داخل السكينة الوطنيّة.
بيد أنّ الحويّك، يُطوَّب في لحظة اصطدام هذا “اللبنان” الذي تخيّله، بكلّ ما يمكن تسميته من عناصر الأزمة الوجوديّة. فالحدود التي عمل من أجلها ما زالت قائمة على الخريطة، لكنّ الدولة التي كان يفترض أن تملأها انكمشت حتّى كادت تصبح اسماً لمجموعة من الأبنية والإدارات المتداعية. وأمّا الجماعات اللبنانيّة فقد بلغت، الواحدة تلو الأخرى، نهاية الطرق التي سلكتها هرباً من هذه الدولة، نحو ملاذاتها الخاصّة.
انتهى المشروع برئيس “قويّ” في قصر ضعيف، وبالمسيحيّين داخل دولة أكثر انهياراً، وبالتحالف الذي قُدّم ضمانة لوجودهم وقد صار أقوى عناصر طردهم من البلد
وطن يحمي جماعاته
ما هو لبنان الكبير، ما لم يكن في العمق، قراراً باسم الموارنة أن لا يكونوا وحدهم، وأنّ على الجماعة التي خرجت من تجارب الاضطهاد والمجاعة والاقتتال أن تستبدل بحماية الجبل فكرة أكثر جرأة: الدولة المشترَكة؟
طرح البطريرك المؤسِّس سؤالاً بسيطاً: كيف نبني وطناً يستطيع أن يحمي جميع جماعاته؟
كلّ ما تبع ذلك منذ ما بعد هزيمة 1967، التي بقي لبنان خارج حربها الحمقاء، هو تجريب لبنانيّ في الاتّجاه المعاكس. عملت كلّ جماعة على بناء ملاذها الخاصّ، داخل الحدود أو وراءها. صار لكلّ طائفة خوفها، ولكلّ خوف راعٍ، ولكلّ راعٍ نفوذ في الداخل. تحوّلت الجغرافيا اللبنانيّة إلى نقطة تقاطع بين ضمانات خارجيّة متنافسة، وصار الولاء للدولة مشروطاً بقدرتها على خدمة موازين الطوائف لا بقدرتها على تجاوزها.
لعلّ “الحزب” الذي لم تعرف جماعة لبنانيّة في العصر الحديث بنية حماية موازية للدولة تضاهي ما بناه، يمثّل ذروة هذا المنطق. سلاح مستقلّ، وتمويل مستقلّ، وأمن مستقلّ، وعلاقات خارجيّة مستقلّة، وقدرة مستقلّة على إعلان الحرب.
تخيّل “الحزب” أنّ محاولته تقديم إجابة عن سؤال الأمن الشيعيّ خارج الدولة اللبنانيّة، بل في مواجهتها بالضبط والتمام، ليست سوى مسألة مثابرة ووقت.
بدت المنظومة، منذ حرب 2006، متماسكة إلى حدّ الإغراء، لكنّها انتهت إلى النتيجة التي تنتهي إليها كلّ حماية خارج الدولة. السلاح الذي وُجد لحماية الجماعة أصبح سبباً في تعريضها للحرب، وباتت الجغرافيا التي قيل إنّه يدافع عنها ساحة الدمار الأكبر في تاريخ لبنان، في حين تتّسع دائرة المؤمنين الجدد من أهل الجنوب والبقاع بأنّ الدولة بجيشها وديبلوماسيّتها هي الأقدر على استعادة ما عجز السلاح المستقلّ عن حمايته.
بدت المنظومة، منذ حرب 2006، متماسكة إلى حدّ الإغراء، لكنّها انتهت إلى النتيجة التي تنتهي إليها كلّ حماية خارج الدولة
على نحو مشابه تتجلّى العونيّة السياسيّة كطريق آخر مؤدٍّ إلى النتيجة نفسها. لم تنشئ جيشاً موازياً، بل بنت ملاذاً نفسيّاً وسياسيّاً عبر فكرة “الرئيس القويّ” المتحالف مع سطوة الميليشيا. قيل للمسيحيّين إنّ استعادة حقوقهم تمرّ عبر استعادة زعيمهم لحصّة أكبر في الدولة، ولو عبر التحالف مع القوى المتمرّدة عليها.
رئيس قويّ في قصر ضعيف
انتهى المشروع برئيس “قويّ” في قصر ضعيف، وبالمسيحيّين داخل دولة أكثر انهياراً، وبالتحالف الذي قُدّم ضمانة لوجودهم وقد صار أقوى عناصر طردهم من البلد. توهّمت العونيّة، أنّها تبني جبل لبنان رمزيّاً داخل جمهوريّة “الحزب”. رئاسة تدّعي حماية الجماعة المارونيّة وحقوقها، وزعامة تختصرها، وحصّة إداريّة تعوّض شعورها بفقدان السلطة.
ثمّة أيضاً، في بعض المزاج السنّيّ، الخارج من سنوات الانكسار والتهميش، مَن بدأ ينظر إلى التحوّل السوريّ الجديد بوصفه فرصة لاستعادة توازن داخليّ مفقود. تتوزّع هنا وهناك أحلام طرفيّة بأنّ سوريا ذات القيادة السنّيّة قادرة على منح سنّة لبنان ما فقدوه، أو على الأقلّ موازنة النفوذ الشيعيّ الذي ارتبط طويلاً بطهران ودمشق القديمة.

بيد أنّ الأغلبيّة السنّيّة لا تبدو متحمّسة لتجديد مأزق العلاقات اللبنانيّة السوريّة، فقط لأنّ هويّة الحاكم السوريّ تغيّرت. فالاستقواء بسوريا سنّيّة لا يختلف في بنيته عن الاستقواء بسوريا علويّة أو بإيران شيعيّة أو بوصاية غربيّة. ثمّة إدراك مطمئن أنّ تحويل أحمد الشرع، إلى ملاذ مذهبيّ لبنانيّ يعيد إنتاج الخطأ نفسه المتمثّل في انتظار أن يعيد الخارج ترتيب التوازنات التي عجز اللبنانيّون عن تنظيمها داخل دولتهم.
عاش الحويّك (1843–1931) في قلب السياسة والدبلوماسيّة والصراع على الحدود، ومعنى الجماعة، ما بعد انهيار العالم القديم في خواتيم الحرب العالميّة الأولى
صفقة بين مافيات المذاهب
على ضفاف الملاذات قُزِّمت الدولة عند المسيطرين عليها إلى صفقة بين مافيات المذاهب، الذين اكتفوا من الغنى الاجتماعيّ اللبنانيّ بجعله هندسة عبقريّة للنهب المشترك. ولعلّ إحدى أعمق الخيانات لفكرة لبنان هي إعادة ابتكار التوافق، الذي كان يُفترض أن يمنع استبداد جماعة واحدة، ليكون وسيلة لتعطيل المحاسبة.
الدول المتعدّدة تحتاج بالتعريف إلى مقدار من الثقة العامّة يفوق ما تحتاج إليه المجتمعات الأكثر تجانساً. أمّا البديل فهو توظيف الميثاقيّة كحصانةٍ مطلقةٍ للّذين أنشأوا في لبنان نوعاً خاصّاً من الاستبداد: استبداد جماعيّ لا يحتكر فيه فرد واحد الدولة، بل تتقاسمها جماعات مُصادَرة من أفراد تحمي بعضها بعضاً، حتّى غدا هذا الانحراف عن الصيغة اللبنانيّة، هو الصيغة نفسها في صورتها الأكثر تردّياً.
يتلاقى تطويب الحويّك مع وصول مشروع الملاذات إلى حدوده القصوى. ويبقى لبنان، على ضعفه كلّه، الملاذ الوحيد بعد إفلاس البدائل جميعها.
لكن ماذا بقي من هذا “اللبنان”؟
قال البابا يوحنّا بولس الثاني إنّ لبنان أكثر من وطن، وإنّه رسالة حرّيّة ونموذج للتعدّديّة للشرق والغرب. ومع مرور الزمن، اختُصرت العبارة إلى لازمة احتفاليّة: “لبنان رسالة” في حين أُسقطت منها الكلمتان الأشدّ أهمّيّة: الحرّيّة والتعدّديّة.
وعليه غدا تقليص العبارة البابويّة إلى مجرّد مديحٍ مجّانيٍّ كسول للبنان، كأنّ وجود طوائف متعدّدة على أرض واحدة وحسب، فضيلة مكتملة. فالتعدّديّة لا تقاس بوصفها واقعاً ديموغرافيّاً تديره موازين القوّة، بل تقاس بنوع العلاقة بين الجماعات، ونوع الدولة التي تنظّم اختلافها، ومستوى الحرّيّة التي تمنحها للأفراد داخل الجماعات وخارجها.
لعلّ أكثر ما يثبت إخفاق اللبنانيّين بالارتقاء الى مستوى الحافز الوطنيّ والسياسيّ والأخلاقيّ الذي تمثّله العبارة البابويّة، أنّهم يبالغون في تكرارها كلّما عظُمت الهوّة بين لبنان وفكرتَي الحرّيّة والدولة.
بيد أنّ الحويّك، يُطوَّب في لحظة اصطدام هذا “اللبنان” الذي تخيّله، بكلّ ما يمكن تسميته من عناصر الأزمة الوجوديّة
لا ضامن أن لا يلقى التطويب المصير نفسه. فقدرة الذين صغّروا الجمهوريّة، على ابتذال الاحتفاليّة بمن وسّع الوطن، لا يستهان بها. فلا تغيّر التطويبات الدول بقوّة الطقس الدينيّ وحده. القداسة لا تُصلح المؤسّسات، ولا تستعيد الأموال، ولا تعيد بناء جيش أو قضاء. هي تنجح فقط بمقدار ما تستطيع أن تغيّر المعيار الأخلاقيّ الذي تقيس به جماعة ما تاريخها وحاضرها.
تنجح التطويبات في الأوطان المأزومة حين تصبح سيرة الطوباويّ مصدر إزعاج للسلطة وللجماعة أو الجماعات التي تخاطبها، لا أداة لتمجيدها.
كان هذا، إلى حدّ بعيد، ما حدث مع أوسكار روميرو، رئيس أساقفة السلفادور. لم تكتسب سيرته قوّتها لأنّه رجل دين اغتيل (1980) فقط، بل لأنّه واجه عنف الدولة وانحاز إلى الضحايا والفقراء، حتّى صار الاعتراف بقداسته عام 2018 اعترافاً بأنّ الإيمان لا يستطيع البقاء محايداً أمام القمع وجرائم السلطة. لم يحلّ تطويبه أزمة السلفادور، ولم ينهِ الانقسام أو الإفلات من العقاب، لكنّه ثبّت معياراً أخلاقيّاً يستحيل على أيّ سلطة مصادرته من دون أن تكشف المسافة بين مبادئه وممارساتها.
في الجزائر، حمل تطويب تسعة عشر رجل دين عام 2018، قتلوا خلال العشريّة السوداء (1991-2002) معنى مختلفاً. نجحت المناسبة بقدر ما لم تُقدَّم بوصفها حكاية مسيحيّين قتلهم مسلمون، بل بوصفها جزءاً من ذاكرة جزائريّة أوسع دفع فيها المسلمون والمسيحيّون ثمن العنف والتعصّب والحقد.
الحويّك ليس سلاحاً
الحويّك قد لا يصلح سلاحاً في محاكمة الطوائف الأخرى. قيمته الحقيقيّة أنّه يجعل الجماعة التي أنجبته أوّل من يخضع للمساءلة. ألم يكن هذا دأب الكنيسة التي وقفت ضدّ كلّ تمرّد على الدولة بما في ذلك تمرّد الميليشيات المسيحيّة؟
يتلاقى تطويب الحويّك مع وصول مشروع الملاذات إلى حدوده القصوى. ويبقى لبنان، على ضعفه كلّه، الملاذ الوحيد بعد إفلاس البدائل جميعها
ينجح التطويب حين لا يقول للّبنانيّين إنّهم شعب عظيم لأنّ الحويّك منهم، بل يقول لهم إنّ سيرة الرجل وطموحاته تجعل أعذارهم عمّا ارتكب بحقّ لبنان أكثر صعوبة. وينجح حين يتحوّل من يوم احتفال إلى مسار عامّ لإعادة التأسيس عبر نشر وثائق الحويّك ومراسلاته، وفتح نقاش تاريخيّ جدّيّ حول نشوء لبنان ودوره ومعناه، وإدخال سيرته في مناهج تعليميّة كميثاق أخلاقيّ للمسؤوليّة العامّة.
ربّما تكمن أهمّيّة الحويّك اليوم في هذه الحقيقة البسيطة: لم يعد اللبنانيّون يملكون ترف الاختيار بين الدولة والملاذات. لقد جرّبوا الملاذات كلّها. ولم يبقَ لهم سوى أن يبنوا الدولة التي تهرّبوا منها قرناً كاملاً.
إقرأ أيضاً: البطريرك الحويّك: طوباويّ لبنان الكبير
كي ينجح تطويب الحويّك، يجب ألّا يكون احتفالاً بلبنان الذي أنشأه وحسب، بل يجب أن يكون محاكمة للبنان الذي صنعناه من بعده.
لمتابعة الكاتب على X:
