خليل الحيّة… حين تربح إيران صندوق “الشّورى”

مدة القراءة 8 د

عندما تكتب صحافة الشرق الأوسط مشاهد التحوّل الكبيرة، فإنّها تبحث دائماً عن تلك اللحظات الخفيّة التي تُصنع فيها اللحظات الإقليميّة بعيداً عن أضواء العدسات. وفي سيرة خليل الحيّة، الذي اعتلى رسميّاً عرش المكتب السياسيّ لحركة “حماس”، لم تكن الحكاية تبديل أسماء في هيكل تنظيميّ محاصر وحسب، بل كانت تمثيلاً مكثّفاً لصراع فكريّ وسياسيّ عميق على هويّة “الحركة” ومسارها المستقبليّ.

 

ليس الصعود إلى هرم قيادة حركة بحجم “حماس” وسط إعصار إقليميّ مدمّر نزهةً سياحيّة ولا جائزةً بروتوكوليّة. إنّه خيار يُتّخذ على وقع المدافع، وفي ظلّ تقاطع خيوط لعبة الإقليم التي تشتبك فيها العواصم من طهران إلى الدوحة، ومن القاهرة إلى أنقرة.

منافسة الصّوت الواحد: معركة الخيارين

لم تكن الانتخابات الداخليّة الأخيرة لحركة حماس إجراء “شوريّاً” سطّرته التيّارات التنظيميّة، بل كانت “استفتاءً مكتوماً” على اتّجاه الحركة. في الكواليس، حبس الجميع أنفاسهم وهم يراقبون المنافسة المحمومة بين جبهتين:

1- جبهة يمثّلها خالد مشعل، السياسيّ العتيق والآتي من تجربة إدارة” الحركة” عبر العواصم العربيّة وإرث الانفتاح على الخليج وتركيا.

2- جبهة يمثّلها خليل الحيّة، الجالس تحت سقف غزّة والمدعوم من جناح الميدان والإقليم الأكثر حسماً من إيران.

جاءت النتيجة بفارق صوت واحد فقط (35 صوتاً للحيّة مقابل 34 لمشعل). وهو فارق وإن كان يبدو ضئيلاً في الحسابات الرقميّة، يعكس في الحسابات السياسيّة حساسيّة التوازن الداخليّ. كان فوز الحيّة حسماً سجّله الميدان والتنظيم العسكريّ ضدّ خيار الدبلوماسيّة التقليديّة. آثر مجلس الشورى التمسّك بالشخصيّة التي زاوجت بين البندقيّة وقاعة المفاوضات، علاوة على كونه القريب روحيّاً وسلوكيّاً من نهج يحيى السنوار وإسماعيل هنيّة.

خليل الحيّة هو أحد أبرز مهندسي “إعادة الدفء” بين “حماس” وطهران، والابن البارّ لـ”محور الممانعة”

هندسة النّجاة: شظايا الدّوحة وألم الفقد

في أيلول 2025، حاولت أجهزة الاستخبارات الإسرائيليّة إنهاء ملفّ المفاوضات عبر ضربة خاطفة استهدفت مقرّ إقامة الحيّة في الدوحة. تحوّلت البناية إلى كومة من اللهيب، وقضى فيها نجله همام ومدير مكتبه جهاد لبد وعدد من عناصر الحماية القطريّين، لكنّ الحيّة خرج من تحت الرماد مجدّداً.

لم تكن تلك محاولته الأولى مع الموت. إذ سبق أن غيّبت القذائف الإسرائيليّة سبعة من أفراد عائلته عام 2007، واختطفت منه في حرب 2014 نجله الأكبر أسامة وزوجته وأحفاده في مجزرة الشجاعيّة الشهيرة. يمنح هذا التاريخ من الدم والمطاردة لخليل الحيّة شرعيّة داخليّة يصعب تجاوزها، فهو ليس مبعوثاً يتنقّل في الفنادق، بل هو “أكاديميّ يحمل دكتوراه في علوم الحديث”، دفع الفاتورة نفسها التي دفعها المظلومون في الشجاعيّة وجباليا ورفح.

السّيرة الذّاتيّة: ابن الشّجاعيّة والأكاديميّ الثّائر

ولِدَ خليل إسماعيل إبراهيم الحيّة في 5 تشرين الثاني 1957 في قطاع غزّة، وتحديداً في حيّ الشجاعيّة المعجون بالتحدّي وإرث مقارعة إسرائيل. نشأ الحيّة في بيئة غزّيّة صلبة اختصرت مأساة اللجوء الفلسطينيّ، ويتحدّر نسبه من بلدة الفالوجة المهجّرة عام 1948.

بدأ مسيرته التعليميّة في مدارس القطاع، ثمّ التحق بالجامعة الإسلاميّة في غزّة لينال درجة البكالوريوس في كلّيّة أصول الدين عام 1983. لم يكتفِ بالتحصيل المحلّيّ، بل شدّ الرحال إلى الجامعة الأردنيّة في عمّان ليحصل على الماجستير عام 1989، قبل أن ينال درجة الدكتوراه في السنّة وعلوم الحديث من جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلاميّة في السودان عام 1997. هذا المزيج بين صرامة النصّ الشرعيّ والمنهجيّة الأكاديميّة صاغ عقليّته السياسيّة والتنظيميّة فيما بعد.

ليس الصعود إلى هرم قيادة حركة بحجم “حماس” وسط إعصار إقليميّ مدمّر نزهةً سياحيّة ولا جائزةً بروتوكوليّة

انخرط الحيّة مبكراً في العمل الإسلاميّ والنقابيّ. وكان من مؤسّسي الحركة الطلّابيّة والنقابيّة في غزّة، وتولّى رئاسة نقابة العاملين في الجامعة الإسلاميّة ونيابة رئاسة مجلس الطلّاب. مع اندلاع الانتفاضة الأولى وتأسيس حركة حماس عام 1987، كان الحيّة في طليعة الكوادر التنظيميّة، وهو ما أدّى إلى اعتقاله من قبل السلطات الإسرائيلية لعدّة سنوات في أواخر الثمانينيّات والتسعينيّات.

برز اسمه سياسيّاً بشكل لافت مع فوزه عام 2006 بعضويّة المجلس التشريعيّ الفلسطينيّ عن قائمة “التغيير والإصلاح” التي رأس كتلتها البرلمانيّة. ومع تصاعد الأدوار القياديّة داخل الحركة، تقلّد الحيّة عضويّة المكتب السياسيّ لعدّة دورات متتالية، وتولّى ملفّات استراتيجيّة معقّدة، أبرزها قيادة العلاقات العربيّة والإسلاميّة للحركة، وإدارة ملفّ العلاقات الوطنيّة والمصالحة الفلسطينيّة، وصولاً إلى تعيينه نائباً لرئيس المكتب السياسيّ لشؤون غزّة، ثمّ رئيساً لفريق التفاوض غير المباشر في المحادثات الإقليميّة والدوليّة.

ماذا يعني اختياره سياسيّاً؟

1- تثبيت معادلة “غزّة تتكلّم”: على الرغم من وجود قيادات في الخارج، بقي ثقل القرار والتوجيه محتَكراً من الجناح الغزّيّ القريب من كواليس “طوفان الأقصى”.

2- الجمع بين التفاوض والصمود: اختيار كبير المفاوضين يعني أنّ “حماس” لا تغلق باب السياسة، لكنّها تفاوض بشروط الميدان وبأفق لا يقبل التنازل عن ما بقي من مكتسباتها.

3- إنهاء حالة الفراغ: بعد فترة من الإدارة الجماعيّة عبر اللجنة الخماسيّة المؤقّتة التي تلت اغتيال السنوار، يعيد انتخاب الحيّة تثبيت الهيكليّة التنظيميّة ومنح شرعيّة كاملة لرأس الهرم القياديّ.

في سيرة خليل الحيّة، الذي اعتلى رسميّاً عرش المكتب السياسيّ لحركة “حماس”، لم تكن الحكاية تبديل أسماء في هيكل تنظيميّ محاصر وحسب

ظلّ طهران و”محور الممانعة”

تتجلّى الحقيقة الجيوسياسيّة الأكثر وضوحاً في اختيار خليل الحيّة رئيساً للمكتب السياسّي لـ”حماس” عند النظر إلى خريطة المحاور الإقليميّة. فإذا كان خالد مشعل يمثّل الحقبة التي شهدت توتّراً مع إيران وسوريا إبّان أحداث الربيع العربيّ والتوجّه نحو المحيط السنّيّ العريض، فإنّ خليل الحيّة هو أحد أبرز مهندسي “إعادة الدفء” بين “حماس” وطهران، والابن البارّ لـ”محور الممانعة”.

خليل الحيّة

انتخاب الحيّة يعني التأكيد أنّ التحالف مع إيران ليس خياراً تكتيكيّاً فرضته ظروف الحرب وحسب، بل هو استراتيجية ثابتة للحركة. ترى طهران في الحيّة حليفاً موثوقاً قادراً على ضمان تدفّق الدعم وتماسك الجبهة الممتدّة من غزّة إلى جنوب لبنان واليمن والعراق. وعلى الرغم من كونه يتحرّك بمرونة في القاهرة والدوحة، تظلّ خطوط اتّصاله بالمجلس الأعلى للأمن القوميّ الإيرانيّ وقيادة الحرس الثوريّ القناة الأكثر تأثيراً في صياغة خياراته الكبرى.

ملامح المرحلة: الخطاب والأولويّات

أكّد الحيّة في كلمته الأولى عقب انتخابه هذه المزاوجة بين الصلابة العقديّة والمرونة السياسيّة:

  • الوقف الشامل أوّلاً: جزم أنّ “أولويّتنا تقوم على الوقف الشامل للعدوان على قطاع غزّة”، رافضاً الحلول الجزئيّة التي تكرّس الحصار.
  • الإعمار بلا مقايضة: أعلن صراحة أنّ “إعادة إعمار غزّة حقّ أصيل ولا يمكن ربطه بمقايضات” سياسيّة.
  • المرونة الوطنيّة: وجّه رسالة إلى القوى الفلسطينيّة قائلاً: “نمدّ أيادينا لكلّ المكوّنات والقوى الفلسطينيّة لنجتمع على كلمة سواء”، داعياً إلى “حوار وطنيّ والعمل على إعادة بناء المؤسّسات الفلسطينيّة”.

تتجلّى الحقيقة الجيوسياسيّة الأكثر وضوحاً في اختيار خليل الحيّة رئيساً للمكتب السياسّي لـ”حماس” عند النظر إلى خريطة المحاور الإقليميّة

  • الاستحقاق التفاوضيّ: شدّد على “ضرورة الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتّفاق غزّة”، مع دعوة الدول الراعية إلى ممارسة ضغط حقيقيّ على إسرائيل.
  • العمق العربيّ والإسلاميّ: أكّد أنّ الحركة ستسعى إلى “تعزيز العلاقات الاستراتيجيّة مع محيطها العربيّ والإسلاميّ”، مشيراً إلى أنّ “استقرار وأمن الشعب الفلسطينيّ هما مفتاح الأمن والاستقرار بالمنطقة”.

إقرأ أيضاً: أحمدي نجاد من “مُبيد إسرائيل” إلى “يلتسين الموساد”؟

في مهبّ الرّيح

يجلس خليل الحيّة اليوم على الكرسي الأكثر خطورة في الشرق الأوسط. إنّه الكرسي الذي جلس عليه أحمد ياسين، عبدالعزيز الرنتيسي، إسماعيل هنيّة، ويحيى السنوار. وهو يعلم قبل غيره أنّ القبول بهذا الموقع في هذه اللحظة بالذات ليس فيه سلطة أو نفوذ، بل هو توقيع على قائمة الانتظار في سجلّ الاغتيالات.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@IbrahimRihan2

مواضيع ذات صلة

السعوديّة ترعى الانتقال من مسار الحرب إلى مسار واشنطن…

لم يكن المشهد الذي جمع رئيس الجمهوريّة جوزف عون مع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في البيت الأبيض حدثاً عاديّاً. ولم يكن رفع رئيس الحكومة نوّاف…

بعد زوطر الغربيّة: ماذا عن اليوم التّالي؟

دشّنت الدولة اللبنانّية بدء مرحلة الانسحاب الإسرائيليّ، وفقاً لمندرجات اتّفاق 26 حزيران، عبر رفع رئيس الحكومة نوّاف سلام العلم اللبنانيّ في زوطر الغربيّة، إحدى البلدات…

الشّرع لا يريد لبنان… فلماذا يصرّ ترامب؟

الروايات تُروى مرّة. أمّا عندما تُكرَّر تتحوّل إلى رسائل. وهذا تماماً ما يفعله دونالد ترامب. فمنذ لقائه بالرئيس السوريّ أحمد الشرع في أنقرة، يكاد لا…

المنطقة التّجريبيّة الأولى: مَن “يتحقّق” من السّلاح؟

بدأت رسميّاً، منذ يوم الإثنين، أولى مراحل تنفيذ “المناطق التجريبيّة”، وسط إحاطة رسميّة واسعة أخذت مداها في لقاء رئيس الجمهوريّة جوزف عون، الأوّل منذ انتخابه،…