ينتقل لبنان إلى مرحلة جديدة من خلال الزيارة التاريخيّة لرئيس جمهوريّته العماد جوزف عون لواشنطن ولقائه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب اليوم. ما سيحصده لبنان من لقاء الرجلين يعود للخيار الاستقلاليّ للرئاسة اللبنانيّة، للمرّة الأولى منذ عقود. تثبيت هذا الخيار محفوف بمخاطر التخريب الإسرائيليّ والإيرانيّ، ومرهون بمدى قدرة المنظومة اللبنانيّة الجديدة الحاكمة على ترجمة الدعم الدوليّ والعربيّ للدولة وأجهزتها كافّة إلى خطوات ملموسة. لم يكن صدفة اتّصال الرئيس عون بوليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان أثناء وجود الأخير في واشنطن للحصول على دعم المملكة لخياراته قبيل لقائه ترامب.
أسباب عديدة تجعل من زيارة الرئيس عون تاريخيّة بامتياز. يمكن ذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر:
أوّل رئيس مستقلّ في البيت الأبيض منذ 1998
- إنّها أوّل زيارة لرئيس لبنانيّ للبيت الأبيض منذ عام 1998، وقد تحرّر من الوصاية السوريّة ثمّ الهيمنة الإيرانيّة على قراره. وقد دفعت المأساة التي انزلق إليها لبنان بسبب الوحشيّة الإسرائيليّة ردّاً على استخدام إيران أرضه في حربها مع الولايات المتّحدة وإسرائيل، إلى العودة لمنطق الدولة المستقلّة للخلاص من كارثة ما سبّبته حربا إسناد غزّة وإيران في سنتَي 2023 و2026 بقرار من طهران.
راكم عون وحكومة الرئيس نوّاف سلام تفاعلاً دوليّاً عارماً وإيجابيّاً لتأكيدهما أنّ لبنان يفاوض عن نفسه ولا أحد يفاوض باسمه، ولدعمهما قرارات حصر السلاح واعتبار نشاطات “الحزب” العسكريّة غير قانونيّة، وطلب خروج وإخراج “حرس الثورة” الإيرانيّ من البلد، والإصرار على انسحاب إسرائيل من المناطق المحتلّة مقابل اتّفاق أمنيّ متّنهُ بـ “عدم الاعتداء” واحتكار الدولة قرارَي الحرب والسلم.
أظهرت المعطيات أنّ القرى المشمولة بالانسحاب الإسرائيليّ أكثر عدداً وأوسع انتشاراً جغرافيّاً ممّا تداولته وسائل الإعلام
تاريخ رئاسة لبنان مع واشنطن
2 ـ ظلّ خيار الرئاسة اللبنانيّة، طوال عهد الرئيس إميل لحّود، خاضعاً لمحور الممانعة والوصاية السوريّة، في مرحلة شهدت اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بعدما حاول انتهاج خيار استقلاليّ في ممارسة صلاحيّاته الدستوريّة. ولم يقُم لحّود بزيارة لواشنطن. وفي عهد الرئيس ميشال سليمان، كانت الرئاسة مكبّلة بفعل الفراغ السياسيّ واستخدام القوّة لفرض الوقائع، ولم ينجح لقاؤه بالرئيس باراك أوباما في استقطاب اهتمام أميركيّ جدّيّ بلبنان. أمّا الرئيس ميشال عون، فقد جاء إلى الرئاسة في ظلّ تطابق كامل مع “الحزب”، الذي كان صاحب الدور الحاسم في وصوله إلى المنصب.
على مدى أكثر من ثلاثين عاماً، نظرت أجهزة الاستخبارات السوريّة والإيرانيّة بعين الريبة إلى أيّ زيارة يقوم بها رئيس لبنانيّ إلى الخارج، وليس إلى الولايات المتّحدة فحسب. وكانت تسارع إلى رصد نتائج تلك الزيارات، وتتمكّن أحياناً، عبر جهات في محيط الرئاسة، من الحصول على محاضر اللقاءات، لتبني عليها حملات سياسيّة وإعلاميّة كلّما تعارض مضمونها مع توجّهاتها أو أوامرها. ومن هنا، يعلّق بعض أنصار الممانعة على تمسّك الرئيس الحاليّ بمبدأ استقلاليّة القرار اللبنانيّ بالقول: “لسنا معتادين رئيساً من هذا النوع”. فهم يريدون رئاسة مطواعة لقيادتهم، توظّف موقعها في خدمة مشروعهم السياسيّ.
سياق إقليميّ… واحتضان سعوديّ
- يلتقي عون مع ترامب في ظلّ تغييرات خارجيّة فائقة التأثير في لبنان وعليه تعيد رسم موازين القوى وخريطة النفوذ السياسيّ والاقتصاديّ الإقليميّ في مجالات الطاقة والاستثمارات والتكنولوجيا والأمن… وليس أوّلها التغيير الكبير في سوريا، ولن يكون ما يجري في العراق آخرها، في وقت تسعى المجموعة العربيّة بقيادة سعوديّة إلى التموضع بوجه التغوُّل الفارسيّ على دول الخليج العربيّ، وفي مواجهة اندفاع رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو نحو تصفية القضيّة الفلسطينيّة وإقحام سوريا ولبنان في الصراع الذي افتتحه مع تركيا، بعد سحقه قطاع غزّة واشتراكه في إضعاف إيران ومحورها.
يلتقي عون مع ترامب في ظلّ تغييرات خارجيّة فائقة التأثير في لبنان وعليه تعيد رسم موازين القوى وخريطة النفوذ السياسيّ
يشمل السياق الإقليميّ لزيارة الرئيس اللبنانيّ للبيت الأبيض جهداً سعوديّاً استثنائيّاً لهندسة مظلّة عربيّة للتحوّلات المتوسّطة والبعيدة المدى كي يتكيّف معها لبنان. وتعيد هذه المظلّة إلى الحياة معادلة ثابتة في السياسة الخارجيّة التقليديّة: “لن يكون لبنان مقرّاً أو مستقرّاً لأيّ تآمر على محيطه العربيّ”، كان أطلقها رئيس الحكومة الراحل رياض الصلح في أوّل حكومة شكّلها بعد الاستقلال عام 1943.
يعطي إعلان الرئاسة اللبنانيّة أنّ وليّ العهد السعوديّ أبلغ رئيس الجمهوريّة خلال اتّصال الأخير به “دعم المملكة للبنان والخيارات التي اعتمدها الرئيس عون”، دفعاً لاجتماعه مع ترامب. فالرياض لطالما ساهمت بعلاقتها الخاصّة مع البيت الأبيض في ترجيح التفهّم الأميركيّ لدقّة الوضع اللبنانيّ. ونقل الإعلام الرئاسيّ عن الأمير محمّد بن سلمان تجديده “عزم المملكة على المساعدة في كلّ المجالات التي يحتاج إليها لبنان ضمن الأولويّات التي حدّدتها الحكومة”.

انسحابات إسرائيل “بموازاة” الزّيارة؟
ماذا قصد السفير الأميركيّ في لبنان ميشال عيسى بقوله إنّ عون “لن يعود خالي اليدين” من لقائه ترامب؟
بانتظار النتائج خلال الساعات المقبلة، قال مصدر دبلوماسيّ رفيع لـ”أساس” إنّ الاجتماعات العسكريّة الأميركيّة ـ الإسرائيليّة التي تقرّر عقدها في جولة روما التفاوضيّة (السادسة) حصلت عبر تقنيّة “زوم” بعيداً من الإعلام، وأخذت قرارات تطبيقيّة للمناطق “النموذجيّة” (التجريبيّة) التي يفترض أن يخليها الجيش الإسرائيليّ ليتسلّمها الجيش اللبنانيّ ويعود إليها الأهالي وينكفئ عنها “الحزب” ويصادَر سلاحه إذا وُجد.
أوضح المصدر الآتي:
- أخذ الجانب الأميركيّ بالاعتبار إصرار الجيش اللبنانيّ على أن تكون جغرافيا المناطق التجريبيّة وقراها محتلّة، ينسحب منها الاحتلال، لا أن تشمل مناطق غير محتلّة يدّعي العدوّ أنّه انسحب منها. بقيت بلدة واحدة ينتشر فيها الجيش اللبنانيّ، فيما تتمركز القوّات الإسرائيليّة على أطرافها، وهي إحدى بلدتَي الزوطرين الشرقيّة والغربيّة.
- أظهرت المعطيات أنّ القرى المشمولة بالانسحاب الإسرائيليّ أكثر عدداً وأوسع انتشاراً جغرافيّاً ممّا تداولته وسائل الإعلام.
ينتقل لبنان إلى مرحلة جديدة من خلال الزيارة التاريخيّة لرئيس جمهوريّته العماد جوزف عون لواشنطن ولقائه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب اليوم
- بدء التطبيق “بالتوازي” مع زيارة عون واشنطن.
- يتولّى التدقيق في التنفيذ ضبّاط أميركيّون يستعينون بـ”اليونيفيل” عند الحاجة.
لتحضر الدّولة سريعاً
يشير ذلك إلى الانطلاق العمليّ لخيار عون التفاوضيّ ويُكسِبُه صدقيّة، وستتّجه الأنظار إلى اختبار خطوات الدولة اللبنانيّة: هل تسرع في الحضور بأجهزتها لملاقاة النازحين الذين عاد جزء كبير منهم (ستمئة ألف) من أجل توفير البنية التحتيّة لإقامتهم، وحفظ أمنهم تمهيداً لإعادة الإعمار أم تترك “الحزب” يتحكّم بالخدمات في مناطق الانسحاب؟ وهل تتلقّى الدولة اللبنانيّة الدعم العربيّ والدوليّ المادّيّ والعاجل كي تثبت حضورها؟
المواطن الجنوبيّ توّاق إلى دخول دولته مناطقه لتفادي اضطراره إلى الخضوع لاستجداء الخدمات من “الحزب”؟
إقرأ أيضاً: حرب “هرمز” تثبّت خيار عون الاستقلاليّ بوجه الأوهام
الخشية من العرقلة الإسرائيليّة والإيرانيّة في سياق التخادم بينهما ما زالت ماثلة، فنتنياهو يكثّف تفجيراته للمنازل المدنيّة قبيل الانسحاب، فيما مجتبى خامنئي يتوعّد الأميركيّين بتلقينهم درساً عبر “المقاومة” ردّاً على الوجع الإيرانيّ، وسط ترجيح لأن يطلب من الحوثيّين تفعيل صواريخهم ضدّ إسرائيل، قبل “الحزب”.
لمتابعة الكاتب على X:
