صفقة إيران: المضيق مقابل “القنبلة”

مدة القراءة 6 د

تخوض إيران معركة تخالها ناجعة للخروج من الحرب. تبدو وأن أحلامها لامتلاك قنبلة نووية تتوارى. تعمل على الذهاب بعيداً، على حواف حافة الهاوية، لمقايضة الشق العسكري من برنامجها النووي والإقرار بتخليها عن صناعة قنبلة نووية مقابل الاعتراف لها بسيادة على مضيق هرمز تتيح لها استيفاء رسوم مرور، مهما ستختلف المسميات. لا تقوم تلك المقايضة على أوهام بل على ما أوحت به واشنطن منذ بداية الحرب.

 

في 27 شباط الماضي، بعد يوم من انفضاض آخر جلسة تفاوض في جنيف، بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، وقبل يوم من اندلاع الحرب، كان وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي في واشنطن يسعى لانقاذ المفاوضات. لا نعرف ماذا دار في اجتماعه مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، لكننا نعرف ماذا قال لشبكة “سي بي سي” وتلخّص في النقاط التالية:

1-“وافقت إيران على التوقف عن تخزين اليورانيوم المخصب، بما يعني أنها لن تمتلك أبداً كميات كافية لصنع سلاح نووي في حال التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة”.

2-“يمثل الاتفاق الذي يهدف إلى إلغاء مخزون إيران من اليورانيوم تنازلاً كبيراً وتغييراً عن الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015″.

3-تم التوصل إلى اتفاق بشأن مسألة المخزون، فضلاً عن “تحقق كامل وشامل” من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

4-“ستتخلى إيران عن المواد المخصبة ولن تتمكن من تكديس تلك المواد التي ستمكنها من صنع قنبلة”.

5-“ستُخلط المخزونات الحالية في إيران إلى أدنى مستوى ممكن… وتُحوّل إلى وقود”.

عقدة المضيق بين طهران وواشنطن

لم تشارك واشنطن الوزير العماني وجهة نظره في أن إيران “سلمت قنبلتها”. ذهبت مع إسرائيل إلى الحرب التي ما زالت مندلعة باشكال وإيقاعات مختلفة حتى الان. وإذا صح تقويم البوسعيدي (كما مؤشرات أخرى) بأن طهران، ما قبل مقتل المرشد علي خامنئي وما بعده، قد اقتنعت أن العالم، بما في ذلك حليفيها الصين وروسيا، لن يسمحا لها بامتلاك القنبلة النووية، فإن طهران توقفت، خصوصا بعد الحرب الأخيرة، عن التعويل على إحياء حلمها النووي ودخول نادي الدول التي تمتلك “القنبلة”.

وفق هذه المسلّمة بكّرت إيران في التلويح بورقة مضيق هرمز بصفتها من الموارد “الشرعية” لتمويل إعادة الأعمار. راودت الفكرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه الذي تحرّك لديه حسّ “البزنس” وأطلق تصريحه الشهير في 23 آذار الماضي. وقال: “سأفتح المضيق وأديره أنا وآية الله”.

لئن جاء سياق التصريح في إطار سعيه إلى التعاون مع الحاكم الجديد في طهران على منوال نموذج فنزويلا الذي كان ينشده، غير أن الموقف أسقط “مقدس” مجانية المضيق واعتبار الأمر وجهة نظر تخضع لموازين القوى ولا تخضع بالضروره لقانون البحار لعام 1982 والذي ينص على حق السفن في المرور من دون ‌عوائق، كما هو الحال عبر أكثر من 100 مضيق حول العالم، من بينها مضيق هرمز.

المادة الخامسة من “مذكرة التفاهم” وما تريده إيران

دعما من تصريح ترامب وتأمل مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن المفترض أنها أنهت الحرب ووضعت إطاراً للمفاوضات. فحين اطّلعنا على النص قرأناه مرارا وتكراراً لنهتدي إلى حكمة المادة الخامسة من المذكرة التي فرضت إيران في سطورها قواعد وأسس ما ترومه في النهاية لهذا المضيق.

تنص تلك المادة أنه “عند توقيع هذه المذكرة، ستبذل إيران قصارى جهدها لضمان المرور الآمن للسفن التجارية، من دون أي رسوم ولمدة 60 يوماً فقط، بين الخليج العربي وبحر عُمان وبالعكس”. وفي سطور المادة ما يتحدث عن بذل جهود (كيفية) وتوقف (مؤقت) عن استيفاء رسوم، بما يعترف لطهران بمسلّمة قدرتها على الإمساك بمفتاح المضيق وتقرير فتحه واغلاقه. وتقرّ المادة ضمناً أيضا أن “استثناء” وقف فرض رسوم يسري خلال 60 يوما فقط، بما يوحي بانتهاء ما هو استثناء بعد ذلك.

تخبرنا المادة الخامسة من المذكرة التي وقّع عليها مغتبطاً ترامب في 18 حزيران الماضي في قصر فرساي في فرنسا على هامش قمة الدول السبع الكبرى G7، أنه “ستُجري إيران حواراً مع سلطنة عُمان لتحديد آليات الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز، بالتشاور مع الدول المطلة الأخرى على الخليج العربي، وبما يتوافق مع القانون الدولي المعمول به والحقوق السيادية للدول الساحلية المطلة على المضيق”. ورغم كثافة الالتباس الذي يعبق به هذا النص، لكنه يوحي، لإيران خصوصا، أن واشنطن تعترف لها بإدارة ما على المضيق.

تخوض إيران معركة تخالها ناجعة للخروج من الحرب. تبدو وأن أحلامها لامتلاك قنبلة نووية تتوارى. تعمل على الذهاب بعيداً، على حواف حافة الهاوية، لمقايضة الشق العسكري من برنامجها النووي

تصعيد إيراني

تتحرك إيران بشكل جلف ومباشر ينشد التصعيد والصدام. وذهب الحرس الثوري، إلى إعلان “إغلاق المضيق حتى إشعار آخر” في سابقة تُبلغ فيها طهران العالم أنها تغلق المضيق الدولي رسمياً وليس عبر حجج أمنية ملتوية. وذهبت إيران إلى تصعيد أكثر خطورة من خلال نشر رسالة منسوبة للمرشد مجتبى خاتمي يَعِدُ بها بالانتقام من قتلة والده. وقال فيها: “هؤلاء المجرمون، الذين توجد قائمة كاملة بأسمائهم من أوّلهم إلى آخرهم، سيحملون معهم إلى قبورهم أمنيةَ أن يموتوا موتا هانئًا على فراشهم”.

نشرت وسائل الإعلام الإيرانية تلك اللائحة وعلى رأسها ترامب نفسه. لم تعد التهديدات الإيرانية ضد الرئيس الأميركي تكشفها إسرائيل لواشنطن، بل يجاهر بها الزعيم الإيراني نفسه. ورغم أن الأمر هو مبرر للولايات المتحدة لإعلان الحرب الشاملة، لكن ذلك ليس على أجندة ترامب وإدارته.

تتحرك طهران وفق هذا المعطى. ولن تعود واشنطن إلى الحرب الكبرى وستستمر في العمل على الوصول إلى اتفاق (يردد ترامب أن طهران تستجديه لإبرامه). ووفق نفس المعطى تخوض إيران حرب المضيق، وتنشط في مشاوراتها مع عُمان، موحية لترامب، الموقع بنفسه على المذكرة، أن المرونة في المضيق والاعتراف بما ورد في البند الخامس منها، قد يقابله تخلي إيران عن ورقة القنبلة التي تستنتج أنها باتت بكل الأحوال خاسرة.

ما زالت إيران تحسب حساباتها وفق المعادلة تلك التي كانت معتمدة قبل “طوفان الأقصى” وقبل “سقوط دمشق” وقبل تصدّع أوراقها في المنطقة حتى تلك في لبنان.أما ترامب فقد قال قبل أيام على هامش قمة الناتو أنه يعتبر المذكرة ساقطة، أي في كل موادها حتى الخامسة منها.

إقرأ أيضاً: انتهى وقت التّذاكي في لبنان!

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mohamadkawas

مواضيع ذات صلة

حرب “هرمز” تثبّت خيار عون الاستقلاليّ بوجه الأوهام

ربح لبنان بانتصار رهان رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون على المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية أميركيّة استثنائيّة. انتصار قلَب الطاولة على المتشكّكين والمحرّضين، وأعاد الغائبين…

5 مليارات $ طلبها رفعت الأسد: وديع حداد عن اتفاق 17 أيار(3/2)

بعد حلقة أولى أمس من حوار طويل يعود أعوام 2012 و2015 و2017 مع الراحل الدكتور وديع حداد، المستشار السابق للرئيس أمين الجميّل، المولج حينذاك ملف…

إردوغان ونتنياهو.. الخصومة الضّروريّة

لا يكاد يمرّ يوم من دون أن نسمع تبادلاً للتهم بين الرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان وبين رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو. لو قرّر أن…

“الأوكتاغون” المصريّ: قوّة الرّمز (1/2)

العمران والدولة صنوان مترافقان منذ عهد الفراعنة في مصر. إنّها علاقة تتوارثها السلطة، وهي بمنزلة محاكاة لصناعة التاريخ وفقاً لاحتياجات الحاضر والمستقبل.   على خلفيّة…