لا تلوح في الأفق أيّ بادرة جدّيّة على أنّ العلاقات بين الكويت والعراق ذاهبة نحو التحسّن. تتحدّث “الدولة” العراقيّة بلغة إيجابيّة فيما “الساحة العراقيّة” تضجّ بمُمارسات مُعاكسة لتلك اللغة. من الخلاف على الحدود البحريّة إلى اعتداءات الميليشيات العابِرة للحدود مروراً بـ “الجمر الكامن” تحت الرماد منذ عقود. كثيرة هي الملفّات التي تؤرّق مسؤولي البلدين، في ظلّ قلق متنامٍ من احتمال استعصاء الحلول مع استمرار النفوذ الإيرانيّ في “بلاد الرافدين”.
في بادرة حُسن نيّة تجاه الدولة الخليجيّة الأقرب إلى العراق جغرافيّاً، اختار وزير الخارجيّة العراقيّ فؤاد حسين الكويت، لتكون محطّته الأولى في “العهد الجديد”. زارها الأسبوع الماضي واستقبله كبار المسؤولين، كما العادة. لا جديد نوعيّاً في الزيارة تركن إليه الكويت لتأسيس مرحلة جديدة من العلاقات المُعقّدة مع الجار الشماليّ.
يقول دبلوماسيّ كويتيّ لـ”أساس”: سمع الجانب الكويتيّ من الزائر العراقيّ (الذي رافقه وفد رفيع ضمّ قاسم العبودي مستشار الأمن القوميّ، وأسعد العيداني محافظ البصرة، المنطقة المحاذية للكويت جنوبيّ العراق)، كلاماً إيجابيّاً عن رغبة الحكومة الجديدة برئاسة عليّ الزيديّ في فتح صفحة جديدة مع الكويت، قوامها التعاون الإيجابيّ والعمل على حلّ الملفّات العالقة، مع تكرار التعهّدات برفض الحكومة العراقيّة لأيّ استهداف للكويت من أراضيها.
تشير المعطيات إلى أنّ الكويت ومعها “الدولة” العراقيّة تدفعان “الفاتورة الإيرانيّة” بتوقيت “الحرس الثوريّ”
الدّولة والسّاحة
يُضيف الدبلوماسيّ: الكلام ذاته سمعته الكويت غير مرّة من مسؤولين عراقيّين بعد تشكيل حكومات عراقيّة جديدة، لكنّ ما تقوله الدولة العراقيّة شيء وما يجري على الأرض شيء آخر. الفصائل المُسلّحة أقوى من الدولة، و”الأهالي” يتحرّكون بـ”الريموت” من طهران، و”الحرس الثوريّ” يدفع الميليشيات العراقيّة الخاضعة لإمرته لاستهداف الأراضي الكويتيّة، تارة عبر المُسيّرات وطوراً عبر استهداف المراكز الحدودية، تماماً كما جرى بعد أيّام من زيارة الوزير العراقيّ، وكأنّ الميليشيات أرادت أن تقول للكويت و”الدولة العراقيّة” إنّ “الحرس” هو من يُحدّد مسار العلاقات لا مسؤولي بغداد، وإنّ الكلمة للأرض لا للدبلوماسيّة.
أسهَبَ وزير الخارجيّة العراقي في الحديث عن الدعم الأميركيّ لحكومة الزيدي، والرغبة العراقيّة الرسميّة بنسج علاقات سويّة مع الكويت، مع إشارة بالغة الدلالة إلى أنّ “النفوذ الأميركيّ الحاليّ أكبر من السابق وقادر على جَبْه الهيمنة الإيرانيّة والحدّ منها”، لكنّ المسؤولين الكويتيّين، وفق الدبلوماسيّ، لا يُعوّلون كثيراً على الكلام بل ينتظرون أفعالاً وخطوات عمليّة، من مثل ضبط الحدود ومنع الميليشيات من خرقها.
حادثة الصّيّاد
يُتابع الدبلوماسيّ: أبلغت الكويت المسؤول العراقيّ أنّ المطلوب أوّلاً معالجة الملفّ الأمنيّ وضبط الحدود، ثمّ يتمّ الانتقال إلى الملفّات الشائكة، وعلى رأسها استكمال ترسيم الحدود البحريّة، وإعادة الاعتبار لاتّفاقيّة خور عبدالله والبروتوكول الأمنيّ الذي يُنظّم الملاحة، فطلب المسؤول البدء بالمعالجة من قضيّة عدد من الصيّادين العراقيّين الذين أوقفهم خفر السواحل الكويتيّ قبل فترة لاختراقهم المياه الإقليميّة الكويتيّة. وبالفعل، تجاوبت الكويت مع طلبه وسلّمته الصيّادين الموقوفين، لكنّ أحدهم كان قد توفّي جرّاء إصابته بالرصاص.
عَرَضَت الكويت على وزير الخارجيّة العراقيّ التسجيلات الصوتيّة التي تُثبت تفاصيل الواقعة، وتتضمّن التحذيرات المُتكرّرة التي وجّهها خفر السواحل الكويتيّ للمركب العراقيّ الذي اخترق الحدود البحريّة ليلاً، قبل إطلاق النار عليه لعدم الامتثال، في ظلّ مخاوف من تسلّل مُسلّحين من الفصائل والميليشيات الموالية لإيران، مثلما جرى في مواقع بحريّة أخرى.

على الرغم من أنّ الحادثة ليست الأولى من نوعها، جعلت الضجّة التي رافقتها الكويتَ تميل إلى أنّ وضع “الساحة” في العراق لم يتغيّر، لا سيما في ظلّ التحرّكات الميدانيّة “المُريبة” التي ظهرت في حدَثَيْن:
ـ الأوّل: استهداف القنصليّة الكويتيّة في البصرة، وتنظيم تحرّكات احتجاجيّة في محيطها، بذريعة غضب “الأهالي”، كما الحال في ساحات أخرى، مثل لبنان، حيث يتحرّك “الأهالي” و”البيئة” بطريقة تسمح لمن يُمسك بـ”الريموت” بالتنصّل إذا انفلتت الأمور.
ـ الثاني: استهداف 3 مراكز على الحدود مع العراق ومنصّة حفر بحريّ نفطيّة في المياه الإقليميّة الكويتيّة.
من يملك القرار؟
تشير المعطيات إلى أنّ الكويت ومعها “الدولة” العراقيّة تدفعان “الفاتورة الإيرانيّة” بتوقيت “الحرس الثوريّ”. صحيح أنّ بغداد ترغب بتحسين العلاقات مع جارتها الجنوبيّة، لكن تبقى موضع تساؤل مدى قدرتها على تحقيق هذه الرغبة، وامتلاكها الأدوات الفاعلة لنقل العراق من “الساحة” إلى “الدولة”.
سياسيّاً، تُفرّق الكويت بين إيران والعراق في التعاطي مع إفرازات وتداعيات الحرب القائمة، لكن أمنيّاً تعتبرهما مترابطين، مع عجز الحكومة العراقيّة عن ضبط الفصائل المسلّحة، وهو ما يُفسّر استمرار الهجمات العابرة للحدود، على الرغم من تعهّدات بغداد العلنيّة وفي الغرف المغلقة بوقفها.
إقرأ أيضاً: الكويت: ما بعد الغدر الإيرانيّ غير ما قبله
تُرجّح التقديرات الكويتيّة أنّ أهمّ سببين للاستهداف الإيرانيّ المباشر وغير المباشر هما:
1 – الضغط من أجل الإفراج عن الضبّاط الكبار في بحريّة “الحرس الثوريّ” الذين اعتقلتهم القوّات الكويتيّة مطلع أيّار الماضي أثناء محاولتهم التسلّل بحراً عبر جزيرة بوبيان، وبدأت محاكمتهم مطلع حزيران الماضي (يتردّد أنّ إيران لم تهضم بعد ما جرى ولم تتقبّل واقع سقوط خلاياها في الكويت ودول خليجيّة أخرى).
2 – هزّ الاستقرار في دول الخليج العربيّ تطبيقاً لنظريّة “الحرس الثوري”: الأمن للجميع أو لا يكون لأحد.
في الحسابات الكويتيّة، لم تعد المسألة مَن يحكم العراق، بل مَن يملك قرار الأمن فيه. وبينما تتبدّل الحكومات في بغداد، يبقى الاختبار نفسه: هل الدولة ترسم العلاقة مع الكويت أم الكلمة لـ”الحرس الثوري” عبر الفصائل التابعة له؟ إلى أن يأتي الجواب عمليّاً على الأرض، ستظلّ الكويت تتعامل مع العراق بعينٍ على الدبلوماسيّة.. وأخرى على الحدود.
عناوين فرعيّة:
الميليشيات للكويتيين والعراقيين “الحرس” من يحدد مسار العلاقات لا مسؤولي بغداد.
لم تعد المسألة مَن يحكم العراق بل مَن يملك قرار الأمن فيه.
