وداعاً “لأبطال” الانتصارات الوهمية؟

مدة القراءة 6 د

أين هم أولئك الذين صدعوا رؤوسنا طوال الأسابيع الماضية بالحديث عن الانتصار الإيراني بعد اتفاق إسلام أباد؟ وأين ذهبت تلك التحليلات التي أكدت أن طهران خرجت منتصرة، وأن لبنان يجب أن يربط مصيره بمصيرها، لأن الإيرانيين هم الأقدر على التفاوض وانتزاع الحقوق وفرض الشروط؟

 

اختفت خطابات الانتصار، لأن الوقائع تجاوزته بالكامل، واتفاق إسلام آباد الذي قيل إنه يشكل تحولاً استراتيجياً لمصلحة إيران انفجر من الداخل، وتفرّغ من مضمونه السياسي والأمني والاقتصادي، بعدما ارتطم بجملة تطورات أظهرت أن الحسابات الإيرانية لم تكن واقعية، وأن الرهان على فرض أمر واقع إقليمي جديد لم ولن ينجح.

رهانات خاسرة؟

كانت إيران تراهن على ثلاثة عناصر أساسية تجعل من الاتفاق نقطة انطلاق لاستعادة نفوذها الإقليمي. الرهان الأول كان في السيطرة الفعلية على مضيق هرمز، بحيث يصبح هذا الشريان البحري ورقة ضغط استراتيجية تعوضها عن التراجع في الملف النووي، والتخلي عن خيار إنتاج قنبلة نووية. فطهران كانت تعتبر أن امتلاك القدرة على التحكم بحركة التجارة والطاقة العالمية يمنحها قوة تفاوضية لا تقل أهمية عن امتلاك أسلحة الدمار الشامل.

اختفت خطابات الانتصار، لأن الوقائع تجاوزته بالكامل، واتفاق إسلام آباد الذي قيل إنه يشكل تحولاً استراتيجياً لمصلحة إيران انفجر من الداخل، وتفرّغ من مضمونه السياسي والأمني والاقتصادي

أما الرهان الثاني، فكان إعادة وصل الساحات التي تشكل مسرحًا للنفوذ الإيراني في المنطقة، وفي مقدمتها لبنان. لذلك أصرت طهران على إدراج لبنان بالاسم في البند الأول من الاتفاق، في رسالة واضحة مفادها أن نفوذها في الساحة اللبنانية ليس موضع تفاوض أو مساومة، وأن دعم الأذرع العسكرية والسياسية سيستمر بوصفه جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي.

الرهان الثالث كان مالياً واقتصادياً بامتياز. فقد بنت القيادة الإيرانية توقعاتها على الإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال المجمدة، وعودة الاقتصاد الإيراني إلى التقاط أنفاسه بعد سنوات طويلة من العقوبات، بما يسمح بتمويل الداخل الإيراني، وإعادة ضخ الأموال في مشاريع النفوذ الخارجي التي تعرضت خلال السنوات الماضية لضغوط هائلة.

لكن ما حدث لاحقاً جاء بعكس كل هذه الرهانات، فعلى مستوى مضيق هرمز، لم تلتزم السفن التجارية بالمسارات التي حاولت إيران فرضها. وعندما لجأت طهران إلى استهداف بعض السفن لإجبار الجميع على الاعتراف بسلطتها الميدانية، جاء الرد الأميركي سريعاً وقاسياً، لتجد إيران نفسها في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، لا مع واشنطن وحدها. فتحولت من دولة تحاول تثبيت نفوذها إلى دولة متهمة بتهديد حرية الملاحة الدولية، وهي قضية لا تتسامح معها القوى الكبرى، لأنها تمس أحد أهم المبادئ التي يقوم عليها النظام التجاري العالمي، أي حرية المرور في المضائق والبحار الدولية.

ترجمة فورية؟

في المقابل، تلقى المشروع الإيراني في لبنان ضربة أكثر إيلاماً مع توقيع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، الذي سحب عملياً الورقة اللبنانية من يد طهران. فالاتفاق الجديد فرض واقعاً مختلفاً لم يعد بالإمكان تجاوزه أو القفز فوقه، ولم يعد لبنان جزءاً من أوراق التفاوض الإيرانية كما كان يُراد له أن يكون، بل أصبح أمام مسار مستقل تحكمه مصالح الدولة اللبنانية والتوازنات الدولية والإقليمية الجديدة.

الأهم أن هذا التحول وضع “الحزب” أمام واقع داخلي مختلف تماماً، فهو لم يعد يمتلك البيئة السياسية التي تسمح له بإسقاط هذا المسار بالقوة أو بالشارع، كما كان يحصل في مراحل سابقة. حتى أن القوى التي تعترض على بعض بنود الاتفاق أو تتحفظ عليه، لا تبدو مستعدة للدخول في مغامرة إسقاط الحكومة أو تفجير الوضع الداخلي خدمة لأجندة إقليمية. لقد تبدلت موازين القوى، وبات “الحزب” معزولاً على نحو غير مسبوق، منذ نشأته في ثمانينيات القرن الماضي.

في الجانب الاقتصادي، لم تكن الصورة أفضل حالاً بالنسبة إلى إيران. فالإفراج عن الأموال المجمدة اصطدم بسلسلة من الشروط والقيود الصارمة، وفي مقدمتها الرقابة على أوجه إنفاق هذه الأموال، ومنع استخدامها في تمويل النشاطات العسكرية أو الإقليمية، إضافة إلى إلزام إيران بتوجيه جزء مهم منها نحو شراء منتجات زراعية أميركية وغيرها من الالتزامات التجارية. وهذه الشروط لا تمثل فقط إهانة موصوفة للنظام الإيراني، بل تؤكد أيضاً أن الأموال، حتى لو أُفرج عنها، لن تتحول إلى رافعة اقتصادية حقيقية تعيد لإيران قدرتها السابقة على تمويل مشاريعها الداخلية والخارجية.

بعض عباقرة الانتصارات لم ينتظروا اختبار الوقائع بعد الاتفاق الأميركي – الإيراني، بل صعد البخار سريعاً إلى رؤوسهم الحامية، وراحوا يتحدثون عن انتصار ساحق، وعن ترجمة فورية لهذا الانتصار في لبنان، عبر الدعوة إلى إسقاط الحكومة، والحديث عن إجبارها على التراجع عن القرارات التي اتخذتها بوجه الحزب، والتلويح بعزل رئيس الجمهورية، بل والذهاب بعيداً في حملات التخوين والتحريض التي وصلت إلى حدود هدر الدم.

مزيدٌ من العزلة؟

كل هذه المواقف كانت مبنية على فرضية واحدة: أن إيران خرجت أقوى مما كانت عليه. لكن الأيام القليلة الماضية أثبتت أن الفرضية نفسها كانت خاطئة، وأن البناء عليها كان أكثر خطأً.

فالنتيجة التي تتكشف اليوم مختلفة تماماً. إيران لم تحصل على القنبلة النووية، ولم تتمكن من فرض سيطرتها على مضيق هرمز، وخسرت تدريجياً قدرتها على استخدام الأذرع الإقليمية كورقة تفاوض مفتوحة، فيما تقلص هامشها الاقتصادي إلى حدود غير مسبوقة. والأهم أن التحولات الإقليمية والدولية جعلت العودة إلى ما قبل هذه المرحلة أمراً شبه مستحيل، لأن المنطقة دخلت في مسار جديد يصعب قلبه أو تعطيله.

أين اختفى هؤلاء العباقرة الذين ملأوا الشاشات والمنابر بالحديث عن التحولات الكبرى؟ وأين اختفت تلك النظريات التي أكدت أن لبنان سيشهد انقلاباً سياسياً لمصلحة المشروع الإيراني؟ وهل يدرك هؤلاء اليوم أن الرهان المجنون على طهران لم يجلب لهم وللشيعة وللبنان سوى المزيد من الأزمات والعزلة والحروب..

إقرأ أيضاً: تسليم لبنانيّ بوصاية دوليّة بدل الإسرائيليّة أو الإيرانيّة

وحده نبيه بري ناور بتفاصيل تنفيذ اتفاق الإطار دون أن يلغيه من الحوار . تقدّم على الحزب بموقفه المعارض فجعلهم و “قاليباف” وراءه ثم طرح الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التجريبية شرطاً ملزماً فإذا بالرئيسين عون وسلام يتبنيان موقفه بضرورة الانسحاب الإسرائيلي.

لقد أثبتت التجربة مرة جديدة أن لا غطاء لأي مكوّن لبناني سوى الدولة اللبنانية، ولا حماية دائمة إلا في الوحدة الداخلية، ولا مستقبل لأي حزب أو طائفة أو فريق إذا بقي يعتبر لبنان مجرد ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو منصة لتنفيذ مشاريع الآخرين. فهذه البلاد لا تُبنى بالأوهام، ولا تُدار بمنطق الارتهان والانتحار والجنون، بل بالاحتكام إلى المؤسسات والدستور والمصلحة الوطنية.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@kassimyousef

مواضيع ذات صلة

انعطافة ترامب: هكذا أخطأت إيران في التّهديد بقنبلة المضيق

فتح الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب صفحة استراتيجيّة جديدة كتب في عنوانها: “أميركا حارسة مضيق هرمز”. تحتلف هذه الانعطافة جذريّاً عمّا كان يقوله قبل أسابيع من…

الشّرع ضيف النّاتو: من يحتاج إلى سوريا الجديدة؟

تغيّر السؤال ولم يعُد: كيف يتعامل العالم مع الأزمة السوريّة؟ بل أصبح: كيف ستشارك سوريا في صياغة التوازنات الإقليميّة التي تعيش مرحلة إعادة تشكّل؟ لم…

بعد ليندسي غراهام من يهمس في أذن ترامب؟

ليست كلّ الأحداث التي تغيّر الشرق الأوسط تقع في الشرق الأوسط. أحياناً لا يبدأ التغيير من واشنطن بانتخاب رئيس جديد أو بتوقيع اتّفاق أو بإطلاق…

الابتلاء بالغرب والابتلاء بالدّولة الدّينيّة!

عشيّة الثورة الإيرانيّة، كان كلّ الطلاب الإيرانيّين الذين يدرسون بالجامعات الألمانيّة، وهم كثيرون جدّاً، يتوقّعون قيام حكومة يساريّة في بلادهم على الرغم من انقسامهم إلى…