ليست الأنظار وحدها إلى روما، ولا الرهان الحقيقي على عودة المفاوضات الأميركية – الإيرانية. ففي الكواليس الدبلوماسية، يتردد حديث مختلف تماماً: المساران القائمان قد يمنعان الانفجار، لكنهما لن ينتجا التسوية التي ينتظرها لبنان.
أمال دبلوماسية انهارت مع تدهور الوضع الميداني ليس بين الولايات المتحدة وايران وحسب بل على صعيد الاعتداءات الايرانية على دول الخليج وانفجار الوضع اليمني والعودة الايرانية للعب بالورقة الحوثية مما استدعى تدخل الطائرات الحربية السعودية وكذلك الحكومة اليمنية بما لديها من امكانات عسكرية في مطار صنعاء.
مصادر دبلوماسية راهنت أن اتفاقا يملك فرص النجاح، لم يُطرح بعد على أي من الطاولتين، ويجري التحضير له بعيداً عن الأضواء، باعتباره المدخل الوحيد لإعادة ترتيب المشهد اللبناني بعد الحرب. وهو على وجه الدقة يتصل بتواصل سعودي ـ إيراني في فترة لاحقة، ويحظى بغطاء أميركي ودولي، من أجل تطبيق اتفاق الطائف بكل بنوده وإعادة تعريف الدور السياسي للـ “الحزب” على أن يكون للدولة اللبنانية وحدها حق احتكار قراري الحرب والسلم.
من هنا، لا يبدو مستغرباً تمسك رئيس مجلس النواب نبيه بري بالقول إن المفاوضات لم تسقط، وإن التصعيد لا يزال مضبوطاً ضمن سقف يسمح باستمرار الاتصالات. فالرجل الذي يواكب مسارات التفاوض يدرك أن أبواب السياسة لم تُغلق، لكنه يدرك أيضاً أن ما يجري في روما أو بين واشنطن وطهران ليس سوى جزء من مشهد أكبر لم تكتمل صورته بعد.لكن حسابات صنعاء لا تطابق كما يبدو حسابات عين التينه.
ملف الجيش اللبناني لا يزال من أكثر الملفات حساسية داخل المفاوضات. لأن المؤسسة العسكرية تجد نفسها أمام معادلة دقيقة: فهي الجهة التي يُفترض أن تنفذ أي اتفاق على الأرض
روما وواشنطن… مفاوضات لإدارة المرحلة
تنعقد جولة روما فيما يستمر الرهان على إعادة تحريك المفاوضات الأميركية – الإيرانية، وسط قناعة بأن أي انفجار شامل في المنطقة سيقضي على ما تبقى من فرص الحلول السياسية. ولذلك، لا تزال العواصم المعنية تحاول إبقاء خطوط التواصل مفتوحة، ولو تحت وقع التصعيد العسكري.
بحسب مصادر دبلوماسية تحدثت إلى “أساس ميديا”، فإن ما يجري على طاولة واشنطن لم يعد يدور حول المبادئ العامة، بل دخل مرحلةً أكثر تعقيداً، عنوانها التفاصيل التقنية وآليات التنفيذ.
تقول المصادر أن أحد أبرز الملفات المطروحة هو مشروع “المناطق التجريبية” الذي تدفع الولايات المتحدة باتجاه اعتماده كنقطة انطلاق للتنفيذ. وتقوم الفكرة على اختيار مناطق محددة تُطبق فيها الترتيبات الأمنية أولاً، قبل الانتقال تدريجياً إلى مناطق أخرى، بما يسمح بقياس مستوى الالتزام، واختبار قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ ما يُطلب منها.
تعتبر واشنطن أن هذه المقاربة هي الأكثر واقعية في ظل التعقيدات اللبنانية، كما أنها تمنح إسرائيل ضمانات ميدانية تدريجية بدلاً من انتظار تنفيذ شامل دفعة واحدة.
تخوف لبناني من “المناطق التجريبية”
إلا أن هذه المقاربة تثير في المقابل الكثير من التساؤلات داخل لبنان، ليس فقط بسبب طبيعة هذه المناطق، بل بسبب الضمانات المرتبطة بها. فوفق المصادر، فإن جزءاً كبيراً من التشكيك اللبناني يستند إلى التجارب السابقة مع اسرائيل التي لم توقف يوماً غاراتها أو استخدامها لحرية الحركة، رغم وجود قنوات تفاوض وأكثر من اتفاق. وبالتالي ما الذي يضمن ألا تتحول “المناطق التجريبية” في لبنان إلى واقع دائم، بدلاً من أن تكون مرحلة انتقالية نحو تنفيذ شامل؟
لا يقتصر التعقيد على هذه النقطة. فملف الجيش اللبناني لا يزال من أكثر الملفات حساسية داخل المفاوضات. لأن المؤسسة العسكرية تجد نفسها أمام معادلة دقيقة: فهي الجهة التي يُفترض أن تنفذ أي اتفاق على الأرض، لكنها في الوقت نفسه تدرك حجم التعقيدات الميدانية والسياسية التي تحيط بالمهمة. لذلك، لا يزال النقاش قائماً حول طبيعة الدور الذي سيُطلب من الجيش، وحدود صلاحياته، وآليات التنفيذ، وهي ملفات لم تُحسم بعد، وقد تُرحّل إلى مرحلة لاحقة.
وتضيف المصادر الدبلوماسية لـ”أساس ميديا” أن أحد أبرز أسباب التباين خلال الاتصالات الأخيرة تمثل في آلية تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي ومهمة الجيش اللبناني. وفي المعلومات، ان النقاش الأساسي بين بري والسفير الأميركي ميشال عيسى في لقائهما الأخير ركز على مقاربة كل طرف لهذه المرحلة.
بري يتمسك بأن يكون الانسحاب الإسرائيلي كاملاً من أقضية بأكملها، يعقبه مباشرة انتشار الجيش اللبناني وتسلمه المسؤولية الكاملة على الأرض، انطلاقاً من مبدأ أن استعادة السيادة لا يمكن أن تتم بصورة مجتزأة أو على مراحل مفتوحة. في المقابل، طرح عيسى مساراً مختلفاً يقوم على انسحابات متدرجة ومجزأة، تترافق مع دخول الجيش اللبناني إلى المناطق التي يتم الانسحاب منها تباعاً، على أن تُراقب عملية التنفيذ من قبل اللجنة الأمنية المشرفة على الاتفاق، بما يسمح بتقييم كل مرحلة قبل الانتقال إلى المرحلة التالية. وهذا الخلاف أبقى هذا الملف في صدارة النقاط العالقة التي لم تُحسم بعد في المفاوضات.
تقول المصادر إن اي اتفاق لن يقوم إلا على تثبيت الدولة اللبنانية مرجعية وحيدة للسلاح، بالتوازي مع استكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، بما يعيد جمع عنصري السيادة: وحدة الأرض ووحدة القرار الأمني
الاتفاق الذي يُحضَّر بعيداً عن روما وواشنطن
غير أن اللافت، بحسب المصادر الدبلوماسية نفسها، أن الرهان الحقيقي لم يعد على نجاح اجتماع روما، ولا حتى على نجاح المفاوضات الأميركية – الإيرانية بصيغتها الحالية لاسيما بعد عودة التصعيد بينهما.
تؤكد المصادر أن كلا المسارين،أي واشنطن وروما، سيبقيان قائمين، لأن أحداً لا يريد انهيارهما، لكن فرص تحولهما إلى تسوية نهائية للبنان تبقى محدودة. فهما يديران الأزمة ويمنعان الانفجار، لكنهما لا يملكان عناصر إنتاج الحل السياسي المستدام. أما الاتفاق الذي كان يجري العمل عليه، فهو اتفاق مختلف، يتجاوز المسارين معاً.
بحسب المصادر، كان الحديث يدور في الكواليس عن حوار سعودي – إيراني خاص بلبنان، يحظى بغطاء أميركي ودولي، ويؤسس للمرحلة التي ستلي انتهاء الحرب. ولا يقوم هذا التفاهم على إعادة صياغة النظام اللبناني أو إنتاج “طائف جديد”، بل على توفير المظلة السياسية والإقليمية التي تسمح بتطبيق اتفاق الطائف كاملاً بعد أكثر من ثلاثة عقود على توقيعه.
تقول المصادر إن اي اتفاق لن يقوم إلا على تثبيت الدولة اللبنانية مرجعية وحيدة للسلاح، بالتوازي مع استكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، بما يعيد جمع عنصري السيادة: وحدة الأرض ووحدة القرار الأمني.
ولعل ذلك يعيد التذكير بما قاله بري في أيار الماضي ، عندما اعتبر أن لبنان يحتاج إلى تفاهم سعودي – إيراني تحت مظلة أميركية. يومها بدا الكلام أقرب إلى توصيف سياسي أو رؤية للمستقبل. أما اليوم، وبحسب ما تقوله الكواليس الدبلوماسية، فقد أصبح هذا التفاهم نفسه موضع بحث فعلي، فيما تتحول روما وواشنطن إلى محطتين ضروريتين لإدارة المرحلة، بانتظار الاتفاق الذي قد يرسم ملامح لبنان في مرحلة ما بعد الحرب.
إقرأ أيضاً: تسليم لبنانيّ بوصاية دوليّة بدل الإسرائيليّة أو الإيرانيّة
إلا أن ما يجدر قراءته بشكل جدي، هي التطورات الأخيرة التي أعادت خلط الأوراق. فالتصعيد الذي شهدته المنطقة، وما رافقه من عودة التوتر بين إيران ودول الخليج، وصولاً إلى الرد الخليجي على صنعاء، كشف أن مسار إعادة بناء الثقة بين الجانبين تلقى ضربة جديدة. ويأتي ذلك بالتزامن مع مواقف وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان التي شدد فيها على أن سلوك إيران الإقليمي يبقى أساس المشكلة، وأن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق من دون تغيير هذا السلوك واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها.
عليه، تبدو فرضية التفاهم السعودي – الإيراني حول لبنان أكثر صعوبة مما كانت عليه قبل أسابيع، ليس لأن الحاجة إليه تراجعت، بل لأن البيئة الإقليمية التي يمكن أن تحتضنه أصبحت أكثر هشاشة. فبعدما كان الحديث يدور عن مرحلة جديدة تقوم على تبادل النفوذ وإدارة ملفات المنطقة ضمن تفاهمات برعاية أميركية، عاد منطق المواجهة ليفرض نفسه من جديد، ما يجعل لبنان مرة أخرى عالقاً في رمال متحركة، وينتظر استقرار الإقليم قبل أن تتوافر الظروف لأي تسوية داخلية مستدامة.
لمتابعة الكاتب على X:
